بينما يترقّب العالم ما إذا كانت الولايات المتحدة ستُقدِم على ضربة عسكرية ضد إيران، ويغرق في تحليل سيناريوهات ما بعد الضربة وتداعياتها على أمن إسرائيل والمنطقة، كانت تل أبيب قد تجاوزت هذا السؤال أصلاً. فوفق تقديراتها الأمنية، لم تعُد إيران، حتى لو صمد نظامها، التهديد الوجودي المركزي الذي شكّل هاجس إسرائيل طوال العقدين الماضيين. لهذا، وقبل أن تُحسم معركة إيران، قفزت إسرائيل إلى الأمام، وبدأت التفكير بالدولة التالية على سلّم التهديدات: تركيا.
وفي مفارقة لافتة، وجدت إسرائيل نفسها أسيرة نجاحها نفسه. فإضعاف المشروع النووي الإيراني وتفكيك جزء كبير من شبكات نفوذ طهران الإقليمية لم يؤدِّ إلى استقرار إستراتيجي دائم، بل فتح فراغاً في موازين القوة. هذا الفراغ لم تُملِه السعودية، ولا أعادت إيران ملأه، بل استغلّته تركيا بسرعة، مقدّمة نفسها لاعباً سنّياً صاعداً يمتلك أدوات الدولة، وشبكات نفوذ عابرة للحدود، وقدرة على التحرك من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وباب المندب.
في هذا الفراغ، بدأت إسرائيل ترى ملامح تهديد مختلف: سنّي هذه المرة، تقوده دولة تمتلك جيشاً نظامياً، واقتصاداً متماسكاً، وأدوات نفوذ ناعمة وخشنة في آن واحد.
الفراغ الذي استغلّته تركيا
تشير صحيفة "إسرائيل اليوم" إلى أن إسرائيل لم تخسر فقط عدواً تقليدياً (إيران)، بل خسرت أيضاً فرصة استراتيجية كانت تعوّل عليها لترسيخ نظام إقليمي جديد: التطبيع مع السعودية. فبعد الضربات المتتالية التي تلقاها المشروع الإيراني، كانت التوقعات في تل أبيب أن تتحوّل الرياض إلى حجر الزاوية في محور إقليمي يحدّ من صعود تركيا ويعيد ضبط التوازنات في الشرق الأوسط.
لكن ما حدث بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023، قلب هذه الحسابات. فبدل أن تتقدّم مسارات التطبيع، جُمّدت فعلياً، وتحوّل المزاج السياسي والإعلامي السعودي إلى اتجاه معاكس. وبحسب الصحيفة، لم يكن هذا التحول شكلياً أو ظرفياً، بل اتخذ طابعاً ممنهجاً، تجلّى في خطاب إعلامي واسع ضد أي تقارب مع إسرائيل، وفي إعادة مركزية القضية الفلسطينية داخل الخطاب السعودي الرسمي وغير الرسمي.
بالنسبة لإسرائيل، هذا التطور يعني أمرين متلازمين: أولاً، خسارة شريك عربي ثقيل كان يمكن أن يشكّل كابحاً طبيعياً للنفوذ التركي. وثانياً، فتح المجال أمام أنقرة للتحرك بحرّية أكبر، ليس بوصفها لاعباً هامشياً، بل كمشروع محور سنّي بديل يسعى لوراثة الموقع الذي تراجع عنه الإيرانيون.
اليونان وقبرص كرافعة ضغط إستراتيجية
في هذا السياق، يصبح التقارب الإسرائيلي المتسارع مع اليونان وقبرص، أكثر من مجرد تعاون عسكري أو طاقوي. فإسرائيل ترى في هاتين الدولتين مدخلاً مثالياً لممارسة ضغط مركّز على تركيا في أحد أكثر ملفاتها حساسية: الجغرافيا البحرية.
النزاع في بحر إيجه لا يدور فقط حول خطوط ترسيم أو مياه إقليمية، بل حول معادلة وجودية بالنسبة لأنقرة. فبحر يعجّ بجزر يونانية قريبة جداً من الساحل التركي، إذا ما مُنحت جرفاً قارياً كاملاً وفق الرؤية اليونانية، سيحوّل تركيا إلى دولة شبه محاصَرة بحرياً، ويقيّد وصولها إلى الموارد الطبيعية ومسارات الطاقة. هذا ما ترفضه أنقرة وتعتبره غير عادل جغرافياً وسياسياً، فيما تتمسّك أثينا بتفسيرها للقانون الدولي.
إسرائيل، من جهتها، لا تدخل هذا النزاع كوسيط، بل كطرف مستفيد. فتعزيز التعاون العسكري مع اليونان وقبرص، من تدريبات مشتركة إلى اتفاقيات تسليح وتنسيق استخباري، يمنح تل أبيب موطئ قدم في الخاصرة البحرية لتركيا، ويتيح لها المشاركة في صياغة نظام أمني شرق متوسطي يقوم، عملياً، على استبعاد أنقرة أو تطويقها.
كما أن عضوية اليونان في الاتحاد الأوروبي، وشبكة علاقاتها الدفاعية الثنائية، ولا سيما مع فرنسا والولايات المتحدة، تضيف بعداً آخر لهذا الضغط، إذ تتحول أي مواجهة محتملة في شرق المتوسط إلى مسألة تتجاوز تركيا واليونان، وتدخل في حسابات أوسع لا تصبّ في مصلحة أنقرة.
ليبيا: استنزاف النفوذ التركي
إذا كان شرق المتوسط ساحة ضغط مباشر، فإن ليبيا تمثل بالنسبة لإسرائيل ساحة استنزاف غير معلن للنفوذ التركي. فأنقرة استثمرت بقوة في الملف الليبي، سياسياً وعسكرياً، وحوّلت وجودها هناك إلى ورقة أساسية في معادلة المتوسط، سواء عبر الاتفاقيات البحرية أو عبر دعم حكومة طرابلس.
إسرائيل لا تظهر في هذا المشهد كفاعل مباشر، لكنها تستفيد من شبكة نفوذ إقليمية، خصوصاً الإماراتية، تعمل على الحدّ من قدرة تركيا على تحويل ليبيا إلى قاعدة نفوذ مستقرة. دعم معسكر خليفة حفتر، سواء سياسياً أو لوجستياً، يخلق حالة توازن قلق تُبقي تركيا في موقع الدفاع، وتمنعها من استثمار ليبيا كنقطة ارتكاز إستراتيجية طويلة الأمد.
من منظور إسرائيلي، ليبيا ليست ساحة للحسم، بل ساحة للإرباك. فكلما طال أمد الصراع، وكلما بقيت الجغرافيا الليبية مفتوحة على تناقضات إقليمية، تراجعت قدرة أنقرة على توظيفها لصالح مشروعها الأوسع في شرق المتوسط.
الصومال وباب المندب
جنوباً، يصل القلق الإسرائيلي إلى ذروته. فالوجود التركي في الصومال لا يُقرأ في تل أبيب كمجرد شراكة تدريبية أو تنموية، بل كجزء من استراتيجية أوسع للتمدد نحو واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم: باب المندب.
أنقرة، عبر قواعدها العسكرية وتدريبها للقوات الصومالية، تسعى إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد على ضفاف المحيط الهندي، بما يمنحها قدرة محتملة على التأثير في خطوط الملاحة العالمية. بالنسبة لإسرائيل، هذا التطور يتجاوز الصومال نفسه، ويمسّ مباشرة أمنها البحري وقدرتها على حماية طرق التجارة والطاقة.
في هذا السياق، تُقرأ حالة عدم الاستقرار في الصومال، سواء بسبب هجمات حركة الشباب أو تآكل سلطة الحكومة المركزية، كعامل يُضعف المشروع التركي، حتى وإن لم تكن هذه الجماعات مرتبطة بإسرائيل أو تعمل بتوجيه منها. فتل أبيب لا تحتاج إلى علاقة مباشرة كي تستفيد من واقع يُقوّض نفوذ خصمها.
النتيجة، من وجهة النظر الإسرائيلية، أن الصومال تحوّل إلى نقطة اختبار حقيقية: إما أن تنجح تركيا في تثبيت نفوذها رغم الفوضى، أو أن تتحول هذه الساحة إلى عبء إستراتيجي يضاف إلى ملفات أنقرة المفتوحة في المتوسط وسوريا وليبيا.
إعادة ترتيب الأولويات: من إيران إلى تركيا
في المحصّلة، يبدو أن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي في الولايات المتحدة، لا يُقرأ فقط كخطوة قانونية أو أمنية، بل كجزء من مناخ سياسي دولي جديد يضيّق الخناق على شبكات النفوذ التي تعتبرها إسرائيل التهديد الأيديولوجي الأخطر في محيطها. هذا التصنيف، عملياً، يخدم تقليص هامش حركة تركيا في دول الطوق، حيث يستند نفوذ أنقرة جزئياً إلى بنى سياسية واجتماعية قريبة من فكر الإخوان، من شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي.
لكن هذا المسار يفتح باب تساؤل أوسع، وأكثر حساسية: ماذا لو لم تكن تركيا نهاية هذه السلسلة؟ ماذا لو أعاد التاريخ نفسه، وانتقلت إسرائيل، بعد تحجيم المحور الإيراني ثم كبح الطموح التركي، إلى مقاربة السعودية بوصفها التهديد الإقليمي التالي؟
فإذا كان معيار التهديد، كما تعكسه التقييمات الإسرائيلية الأخيرة، لم يعد محصوراً بالدولة أو بالسلاح، بل بالفكرة القادرة على التعبئة والتمدد، فإن السلفية، التي تشكّل أحد أعمدة النفوذ السعودي التقليدي في الإقليم، قد تتحوّل بدورها إلى هدف استراتيجي. ليس لأن السعودية خصم مباشر، بل لأن إسرائيل، في نهاية الحسابات، لا تبحث عن انتصارات عسكرية بقدر ما تسعى إلى محيط عربي إسلامي منزوع القدرة الأيديولوجية على إنتاج تهديد طويل الأمد.
