أنفاق "قسد" بوصفها طبقة سيادة تحتية في شمال وشرق سوريا

مهيب الرفاعيالثلاثاء 2026/01/27
Image-1769535782
أنفاق "قسد" تعبير بنيوي عن طبيعة الصراع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ تأسيسها، تغير معنى اللجوء إلى الأنفاق في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مسألة تقنية مرتبطة بساحة القتال وحدها، إلى تعبير بنيوي عن طبيعة الصراع نفسه في شمال وشرق سوريا؛ إذ إنه مع انتقال مركز الثقل العسكري إلى الفضاء الجوي عبر الطيران (الطيران التركي في معارك نبع السلام ودرع الفرات وغصن الزيتون) والمسيّرات والاستطلاع المستمر، أعيد تعريف السيطرة بوصفها قدرة على تقليص الظهور لا توسيع الانتشار. وبالتالي اعتمد تنظيم "قسد" على الأنفاق كوسيط يعيد توزيع العلاقة بين الأرض والسلطة، حيث يصبح ما تحت السطح مجالًا فعليًا لإدارة القوة والقرار والحماية، وليس مجرد امتداد ثانوي للميدان.

تطور هذا الخيار كان نتاج تراكم خبرة منذ العام 2019 مع تصاعد الضغط التركي وتهديدات العمليات البرية، ثم تكريسه بعد توسع حرب المسيّرات وما رافقها من استهداف منهجي للبنية القيادية واللوجستية؛ ومع مرور الوقت، لم تعد الأنفاق إجراءً ظرفيًا مرتبطًا بجبهة محددة، بقدر ما أصبحت بنية دائمة تشي بتوقع صراع طويل وبمحدودية الرهان على التسويات السريعة.

 

وظيفة النفق داخل العقيدة القتالية لـ"قسد"

تتحدد وظيفة النفق داخل العقيدة القتالية لقسد ضمن بيئة تتعرض فيها الحركة فوق الأرض للرصد الفوري، ما أدى إلى إعادة تعريف مفهوم المناورة نفسه بوصفها قدرة على الانتقال بين النقاط الحيوية من دون إنتاج أثر بصري أو إلكتروني؛ إذ وفرت الأنفاق مسارًا بديلًا للحركة اليومية للقوات بين مواقع الحراسة والمقرات القيادية وداخل المدن، بطريقة تقلل الاحتكاك المباشر مع الاستطلاع الجوي وتمنح الوحدات مرونة زمنية في التحرك بدل الاندفاع القسري تحت ضغط التهديد.

ومع تصاعد الضربات الدقيقة أصبحت حماية القيادة مسألة مركزية في بقاء أي قوة مسلحة، فأتاحت الأنفاق بيئة محمية نسبيًا لإدارة العمليات وتخزين الموارد الحساسة واحتضان غرف قيادة وسيطرة قادرة على الاستمرار في أثناء القصف، بما يتجاوز الحماية الفيزيائية إلى بعد رمزي يتعلق باستمرارية القرار؛ حيث تتحول القدرة على العمل تحت الضغط إلى عنصر ردع معنوي قائم بذاته.  في جغرافيا مفتوحة مثل شرق سوريا يختلف الاستخدام الهجومي للأنفاق عن النماذج الكثيفة في البيئات المحاصرة، فتبرز بوصفها وسيلة تمهيد أو اقتراب آمن من خطوط التماس  أكثر من كونها مسار اشتباك طويل؛ ليتركز استخدامها في تحقيق مفاجأة تكتيكية قصيرة الأمد أو تجاوز نقاط مراقبة ثابتة، بما يمنحها قيمة عملياتية محدودة ودرجة حساسية سياسية وإعلامية مرتفعة.

مع امتداد المعارك مع الجيش السوري منذ كانون الأول/ديسمبر 2025، تداخل العسكري بالاقتصادي على نحو يصعب فصله، فتحولت بعض شبكات الأنفاق إلى مسارات دعم لوجستي أو اقتصادي عبر تخزين الوقود والمواد أو تسهيل حركة موارد ضمن اقتصاد الحرب المحلي، وهو تداخل لا يختزل الأنفاق في وظيفة تهريب، لكنه يوضح كيف تتحول البنية التحتية العسكرية إلى أصل متعدد الاستخدامات داخل منظومة حكم أمر واقع.

تأتي هذه الوظائف جميعًا ضمن منطق أوسع يجعل النفق تعويضًا بنيويًا عن اختلال ميزان القوة في شمال وشرق سوريا، حيث لا يرتبط الاختلال بتفاوت العدد أو التسليح فقط، بل بحيازة طرف واحد تقريبًا لهيمنة جوية شبه كاملة وتغطية نارية بريةكثيفة ( مدفعية وراجمات صواريخ ومشاة) ، ما يجعل التكيف مع التفوق الناري للجيش السوري أولوية تتقدم على أي تصور هجومي واسع؛ فتعمل الأنفاق كآلية تعويضية تعيد توزيع المخاطر عبر تحويل الحركة المحدودة فوق الأرض إلى شبكة مرنة تحتها واستبدال الانتشار الظاهر بالتموضع العميق. يفسر هذا التحول تمسك قسد بخيار التحصين تحت الأرض بوصفه شرط بقاء في ظل تكرار الضربات التي استهدفت قيادات وبنى خدمية وعسكرية، بينما ينظر الخصوم إلى هذا الخيار بوصفه دليلًا على نية الاستمرار في الصراع وعدم الرغبة في التسليم والالتزام بالاتفاقيات، ما يعزز دائرة التصعيد المتبادل ويغذي خطاب العمليات الوقائية.

Image-1769535905

 

الجغرافيا والهندسة ودورهما في تشكيل شبكة الأنفاق

تعمل الجغرافيا والهندسة في شرق سوريا ليس كخلفية محايدة لشبكات الأنفاق، بقدر ما هي عامل  تأسيسي يُحدد شكلها ووظيفتها وحدود جدواها منذ لحظة الحفر الأولى؛ على اعتبار أن الأرض هناك تتسم بفضاءات مفتوحة وأطراف مدن وقرى متناثرة وخطوط تماس طويلة بالإضافة إلى وجود كثافة أبنية كما في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ما يفرض على الأنفاق أن تكون أقل استعراضًا وأكثر انتقائية، تُبنى عادة على هيئة جيوب ومسارات قصيرة إلى متوسطة تتصل بعقد محددة بدل شبكة متصلة شاملة، لأن اتساع الأرض يرفع كلفة الإخفاء ويزيد عدد نقاط الانكشاف المحتملة.

تلعب طبيعة التربة دورًا حاسمًا، إذ تفرض التربة الطينية والرملية في كثير من مناطق الجزيرة والفرات شروطًا مختلفة للعمق والتدعيم مقارنة بالمناطق ذات الطبقات الأكثر تماسكًا ( كما في احياء حلب و ريف حلب)، فالتربة غير المستقرة تدفع إلى أعماق محسوبة وتدعيم متكرر باستخدام أخشاب أو هياكل معدنية أو خرسانة موضعية، وتحد في المقابل من إمكان إطالة المقاطع من دون مخاطر انهيار أو تشققات تترك آثارًا سطحية قابلة للرصد؛  بينما يسمح وجود طبقات أكثر تماسكًا في بعض الأطراف أو المرتفعات القريبة بإنشاء غرف أو ممرات أكثر ثباتًا.

لكن مع تعقيد أكبر في الحفر والضجيج والوقت، يزداد العامل الهندسي حساسية حين يكون النفق قريبًا من المدن أو المخيمات أو المنشآت الحيوية مثل الأفران والسدود والمشافي ومحطات الكهرباء والطرق الرئيسية، لأن القرب يضيف وظيفة مزدوجة تتعلق بالحماية والتمويه في آن واحد، وفي الوقت نفسه يضاعف حساسية الاستهداف، حيث يتحول أي كشف أو تدمير إلى حدث ذي أثر مدني مباشر وإلى مادة سياسية وإعلامية تتنازعها الروايات المتقابلة. ومع ذلك فإن الفارق الجوهري في شرق سوريا يتعلق بالجدوى الاستراتيجية ذاتها، فالأنفاق هنا تميل إلى أداء دور امتصاص الضغط وحماية القيادة وتخفيف أثر الهيمنة الجوية وتسهيل الحركة منخفضة البصمة داخل نطاقات محددة، أكثر مما تؤدي دور إنشاء فضاء قتال كامل تحت الأرض، وهو ما يجعل قرار بنائها محكومًا بمعادلة دقيقة بين الكلفة والعائد، لأن العائد العسكري غالبًا تكتيكي ومرتبط بالاستمرار وتقليل الخسائر. على الطرف المقابل، تكون الكلفة السياسية أعلى بكثير عند انكشاف المداخل أو توظيف وجودها في خطاب الخصوم ( الجيش السوري) لتوسيع شرعية الضربات أو تشديد شروط التفاوض، فتتحول الهندسة من مسألة تقنية إلى مسألة سيادية، ويصبح شكل النفق وموضعه وعمقه جزءًا من صراع على تعريف المكان ومن يملك الحق في التحكم بما تحته كما بما فوقه.

 

Image-1769536039

 

القيادة والسيطرة داخل الفضاء تحت الأرض

من أهم مكاسب الأنفاق تعزيز استمرارية القيادة والسيطرة خلال الضربات، حيث توافر بيئة أقل عرضة للتشويش والاستهداف المباشر. غرف التحكم تحت الأرض تسمح بإدارة العمليات ومراقبة الجبهات والتواصل بين الوحدات، ما يمنح القيادة هامشًا زمنيًا لاتخاذ القرار في ظروف الضغط.

في المقابل، يخلق هذا النمط من القيادة نقاط هشاشة جديدة. الاعتماد على مداخل ومخارج محدودة يجعل الشبكة عرضة للعزل أو التعطيل في حال كشف هذه النقاط. لذلك تركز عمليات مكافحة الأنفاق على تعطيل العقد الأساسية بدل التعامل مع الشبكة بكاملها، وهو ما يحول الأنفاق من ميزة حماية إلى نقطة اختناق محتملة.

أما بالنسبة لمواجهة الأنفاق في شمال سوريا تتجاوز الإطار العسكري الصرف لتتحول إلى معركة متعددة المستويات. على المستوى التقني، يجري الاعتماد على الاستطلاع البشري وتحليل التربة ومراقبة الأنماط السلوكية لاكتشاف الشبكات وتعطيلها. على المستوى العملياتي، تفضَّل استراتيجيات الإغلاق والعزل على الدخول المباشر لما تحمله من مخاطر عالية.

على المستوى السياسي، تتحول مكافحة الأنفاق إلى أداة لإعادة تعريف الشرعية؛ فكل شبكة مكتشفة تُستخدم لتبرير التصعيد أو لتثبيت سردية تهديد مستمر، فيما تُهمَّش في الغالب الكلفة المدنية الناتجة عن هذه العمليات... بذلك تصبح الأنفاق جزءًا من معركة الرواية بقدر ما هي جزء من معركة السيطرة.

 

الاقتصاد  وكلفة البقاء تحت الأرض

تبقى الكلفة التقديرية للأنفاق في النزاعات غير النظامية ( حروب دول لدول ، و ليس حرب دولة مع جماعة متمردة) مبنية  على مؤشرات هندسية وتقنية وعلى قرائن تشغيلية أكثر مما تُبنى على دفاتر مالية شفافة لا سيما في ظل حديث أميركي حول سحب قسد مبالغ مالية طائلة لم يعرف مصيرها التشغيلي سوى معلومات انها تستخدم لقتال تنظيم داعش.

في حالة أنفاق قسد،  تقع الأنفاق في مساحة وسطى بين شبكات قصيرة تكتيكية تُصمَّم لخدمة حركة محدودة خصوصًا أنفاق مدينة حلب،  وبين أنظمة أطول شبه دائمة تُدار كجزء من بنية بقاء، ما يجعلها أكثر تعقيدًا من الملاجئ الميدانية البسيطة وأقل قابلية للاتساع الأفقي من الشبكات الكثيفة في البيئات الأشد انغلاقًا. بحسب المشاهدات، لا يعتمد النمط الغالب في شرق سوريا على نفق واحد متصل يمتد لعشرات الكيلومترات، وإنما على شبكات مجزأة تتألف من مقاطع يتراوح طول الواحد منها بين مئة متر وعدة كيلومترات، ترتبط عبر نقاط وسيطة ومخارج متعددة داخل أحياء أو منشآت أو مناطق شبه مفتوحة و بأعماق متباينة، وفي بعض المناطق الحساسة عملياتيًا مثل أطراف المدن ومحاور التماس قد يصل إجمالي الشبكة داخل نطاق جغرافي محدود إلى أكثر من عشرة كيلومترات موزعة أفقيًا وعموديًا، وهذا التصميم يقلل مخاطر الانهيار الشامل ويحد من أثر اكتشاف جزء من الشبكة، لكنه يرفع الكلفة الإجمالية بسبب تكرار نقاط التدعيم والتهوية والربط بدل الاستثمار في ممر واحد منخفض الكلفة النسبية لكل متر.

تتحدد الكلفة الهندسية للمتر الطولي ضمن نطاق واسع يتراوح تقريبًا بين ألف وخمسة آلاف دولار أميركي تبعًا لتداخل عوامل عديدة، أبرزها نوع التربة وعمق الحفر ومقدار التدعيم وانماط البناء المستخدمة والخدمات (مشافي، مقرات تدريب، مكاتب، غرف راحة،  مخازن أسلحة ، مرآب سيارات)، فالتربة الطينية أو الرملية غير المستقرة تفرض تدعيمًا كثيفًا بأخشاب أو هياكل معدنية أو خرسانة مسبقة الصب، ما يرفع الكلفة مقارنة بطبقات أكثر تماسكًا. كما أن زيادة العمق تفرض تدعيمًا أقوى وأنظمة تهوية أكثر تعقيدًا وتزيد زمن الحفر وتكلفة الإخفاء، وفي شرق سوريا حيث التربة غالبًا غير صخرية ( ما عدا في بعض المناطق المرتفعة)  بالكامل وحيث تُفضّل الأعماق المتوسطة لتقليل مخاطر الانهيار وتقليص مؤشرات الرصد الحراري يمكن تقدير كلفة وسطية للمتر الواحد بنحو ألفي إلى ثلاثة آلاف دولار تشمل الحفر والتدعيم الأساسي دون احتساب التجهيزات التقنية الأعلى.

غير أن الجزء الأكثر استنزافًا يتشكل لاحقًا ضمن الاقتصاد اللوجستي لأن اللوجستيات تُدار ككلفة تشغيل وصيانة لا كدفعة واحدة، فالتهوية تمثل شرط بقاء يومي داخل الأنفاق عبر مراوح وقنوات هواء قد تبدو بدائية في المقاطع القصيرة لكنها تصبح أكثر تعقيدًا حين تتضمن الشبكة غرف قيادة أو تخزين أو إقامة طويلة، والكهرباء تمثل شرط تشغيل يتجاوز الإضاءة إلى تشغيل أجهزة اتصال ومراقبة وأحيانًا مضخات مياه، سواء عبر مولدات صغيرة أو تمديدات مرتبطة بشبكات مدنية قريبة، ما يضيف كلفة تشغيل شهرية قد تتراوح بين عدة آلاف وعشرات الآلاف من الدولارات حسب حجم الشبكة وعدد المستخدمين ونمط الاستخدام.

الأهم هو شبكة الاتصالات بوصفها العمود الفقري للقيادة والسيطرة داخل المساحة تحت الأرض عبر خطوط سلكية وشبكات داخلية بديلة عن الاتصالات اللاسلكية المكشوفة، وهي غالبًا تُبنى بوسائل محلية لكنها تتطلب خبرة تقنية ومعدات يصعب تعويضها بسرعة في حال التعطل. ثم تظهر إدارة المياه والرطوبة كحالة  صيانة دائمة في الأنفاق متوسطة العمق، خاصة قرب مجاري مائية أو مناطق ذات منسوب مياه جوفية متغير، ما يستدعي قنوات تصريف ومضخات دورية وصيانة مستمرة للجدران والأرضيات، وقد توازي كلفة الصيانة التراكمية خلال سنوات الاستخدام كلفة الحفر الأولي في بعض الحالات، وهو ما يجعل الأنفاق مشروعًا طويل الأمد يرتبط بتوقع استمرار التهديد أكثر مما يرتبط برد فعل مؤقت.

وعند جمع كلفة الحفر والتدعيم والتجهيز والتشغيل يمكن تقدير أن شبكة تكتيكية بطول إجمالي يتراوح بين كيلومترين وخمسة كيلومترات قد تتطلب استثمارًا أوليًا يتراوح بين خمسة ملايين وخمسة عشر مليون دولار تبعًا لمستوى التدعيم ونوعية التجهيزات وعدد العقد والمخارج، مع بقاء الكلفة التشغيلية السنوية خارج هذا الرقم وقد تصل إلى مئات آلاف الدولارات إذا كانت الشبكة مستخدمة بشكل دائم من وحدات قيادة أو تشكيلات كبيرة.  تكشف هذه الصورة المالية أن الأنفاق تفرض على أي قوة مسلحة إعادة ترتيب أولوياتها بحيث تتحول من بند طارئ إلى استثمار استراتيجي طويل الأجل يمتص الموارد ويعيد توجيهها نحو البقاء وتقليل الانكشاف، بينما تتنوع مصادر التمويل بين موارد محلية واقتصاد حرب ودعم خارجي غير مباشر؛ الأمر الذي يجعل الأنفاق جزءًا من معادلة الإنفاق الاستراتيجي داخل منظومة حكم أمر واقع، ومع مرور الوقت تترك هذه الخيارات أثرًا على طبيعة التنظيم نفسه عبر تضخم ثقل البنية الدفاعية مقارنة بالقدرة على المبادرة السياسية، فتتعزز عقلية التحصن وتزداد كلفة العودة إلى منطق التسوية لأن البنية التحتية تحت الأرض تصبح في حد ذاتها تعبيرًا ماديًا عن توقع صراع طويل ورفض المخاطرة بالظهور.

 

Image-1769536168

 

تكتيكات معارك الأنفاق

في حال حدوث معارك داخل الأنفاق، فإنها تختلف تكتيكيًا لأن القتال تحت الأرض يضغط الاشتباك إلى مسافة قصيرة وزمن ردّ فعل ضيق، ويحوّل كل متر إلى معضلة رؤية وسمع واتصال و خطر الردم او الإغراق او الحصار، او الضياع في متاهة الشبكة بسبب عدم وجود خريطة. تتراجع هنا القيمة المباشرة لتفوق سلاح الجو و المسيرات والمدفعية،  بفعل انقطاع خط النظر وتبدّل طبيعة الأهداف، فيما يرتفع وزن الاستخبار البشري و استخدام الروبوتات الحربية والهندسة والسيطرة على المداخل وإدارة الوقت كعناصر حاسمة في حسم الكلفة قبل حسم النتيجة.

هنا تتبدّل قواعد المناورة نفسها لأن الالتفاف على العدو ( على الطرفين)  يتحول إلى وظيفة شبكية تُدار عبر عقد ومسارات فرعية ونقاط اختناق ونقاط ضياع داخل الشبكة بدل أن يكون حركة واسعة على سطح الأرض، ومن هنا تظهر أنماط تكتيكية شائعة أبرزها ميل القوى إلى منطق العزل والتحكم والإغلاق  أكثر من منطق التوغل؛ بحيث يصبح الهدف خنق الشبكة عبر التحكم بالمداخل والمخارج وتقسيمها إلى جيوب ثم التعامل مع كل جيب على حدة.  يقلل هذا المنطق الذي اعتمده الجيش السوري في كشف انفاق قسد  المخاطر ويستثمر الضعف البنيوي لأنفاق التنظيم  المرتبط بعدد محدود من نقاط النفاذ ( من مطبخ او من مقبرة أو من محل تجاري أو تحت مشفى)، ويتصل بذلك نمط تقطيع الشبكة إلى قطاعات عملياتية تُدار كخريطة قطاعات لا كممر واحد، بحيث يمتلك كل قطاع عقدًا ومسارات فرعية ونقاط اختناق.

تتحول المعركة إلى سباق على السيطرة المعنوية والمادية على هذه العقد لأنها التي تحدد اتجاه الحركة وتمنع انتقال الدعم بين أجزاء شبكة الأنفاق، ثم يبرز عامل الضباب المعلوماتي بوصفه الخطر الأكبر لأن الجهل ببنية المكان يرفع تكلفة أي حركة، فيصبح انتاج المعرفة  ورسم الخرائط تدريجيًا جزءًا من المعركة نفسها، فأي طرف يقلل المفاجآت المكانية يرفع فرص السيطرة، وأي طرف يبقى أعمى داخل الشبكة يدفع كلفة عالية حتى مع امتلاكه قوة نارية أكبر فوق الأرض.

يكون الاشتباك في أنفاق "قسد" في حال عدم الانسحاب ورغبة الجيش السوري في التمشيط متقطّعًا تحكمه لحظات الرصد وتحديد الموقع، لذلك تصبح الغلبة كثيرًا لمن يملك السيطرة على الإيقاع الزمني بحيث  يبطّئ المعركة، يرهق الخصم، ويجبره على الانكشاف بدل حسم سريع. دفاعيًا ، تعمل الشبكات  وفق تكتيك دفاع متعدد الطبقات يراكم التأخير ويجعل كل تقدّم مكلفًا زمنيًا، ولامركزية توزّع تشمل القيادة والتخزين والراحة لتقليل أثر أي كشف جزئي، وتكتيك مرونة وظيفية تعيد توظيف المسارات بحسب اللحظة  سواء حماية أو مناورة أو تعطيل لرفع الغموض وإرباك قراءة النوايا.

يتجلّى هذا النمط بوضوح في تجربة الشيخ مقصود  والأشرفية  في حلب، حيث لم تُبنَ الأنفاق بوصفها أداة اختراق هجومي مباشر، بل كـ بنية صمود حضري داخل بيئة مطوّقة ناريًا؛ إذ أدّت الشبكات دورًا مزدوجًا من خلال تجنّب تفوق الجيش السوري الناري والمرئي عبر نقل الحركة والتموضع تحت الأرض، وثانيًا إدارة الإيقاع القتالي من خلال الدفاع الطبقي واللامركزية، بحيث يتحوّل أي تقدّم فوق الأرض إلى عملية بطيئة مُكلفة زمنيًا. لم يكن الهدف الظهور المفاجئ بقدر ما كان منع الحسم، وإطالة أمد السيطرة عبر الرغبة باستنزاف المقاتلين السوريين  نفسيًا وعملياتيًا، مع مرونة في إعادة توظيف المسارات بين حماية ومناورة وتعطيل. وفي المقابل، كشفت محاولات المكافحة أن الصدام داخل الشبكة أقل جدوى من عزل المداخل وضرب اعتمادات التشغيل (التهوية، الاتصال، نقاط الوصول)، ما جعل المعركة في حلب كما في الشمال والشرق لاحقًا  معركة هندسة وسياسة إيقاع بقدر ما هي معركة نار.

 

Image-1769536270

 

الأنفاق بين السياسة والقانون والتفاوض

نقرأ وجود بنية عسكرية تحت الأرض بوصفه تحدّيًا سياديًا مباشرًا يمس تعريف الحيز العام وحدود السلطة؛ إذ إنه من يملك حق تنظيم ما تحت الأرض، وكيف تُعرَّف السيادة عندما تكون السيطرة فوق الأرض موزعة أو ناقصة أو خاضعة لترتيبات أمنية انتقالية. هنا يصبح النفق ليس مجرد ممر، بل مساحة حكم غير مرئية و غير متحكم بها من قبل الجيش السوري، تُنتج واقعًا من ازدواجية السلطة بين دولة تدّعي الاحتكار وفاعل محلي يمتلك قدرة تشغيل وبقاء خارج السطح وخارج الرقابة التقليدية.

في أي مسار تفاوضي أو مشروع دمج بين قسد والدولة السورية، تتحول الأنفاق إلى مؤشر على طبيعة العلاقة أكثر مما هي أداة عسكرية بحتة؛  فهي تمنح قوة تفاوضية لأنها ترفع كلفة الاقتحام وتزيد عدم اليقين وتُعقّد فكرة الحسم السريع، ما يخلق هامشًا لفرض شروط أو كسب وقت أو حماية مراكز ثقل حساسة. تطلب الحكومة السورية في هذه الاتفاقات الانسحاب من الأنفاق لتسليمها أصولًا إلى الجيش السوري ليتعامل معها وفق مبدأ إدارة المخاطر، و متابعة تطورها و تحولاتها بطريقة تمنع حدوث كوارث على المدى البعيد لا سيما تلك الانفاق تحت الأحياء السكنية في حلب و ريف حلب؛ ع التشديد على تسليم الخرائط و الأكواد الخاصة ببناء المنشآت تحت الأرض.

 لكنها في المقابل تُستخدم فورًا كحجة قانونية وأمنية لتشديد الشروط، عبر ربطها بمنطق احتكار العنف وتنظيم السلاح والالتزام بمعايير النزع  والتحقق ضمن أي تسوية؛ لتصبح الأنفاق أداة سياسية قد تحمي موقعًا تفاوضيًا مؤقتًا وتمنع الانهيار الميداني، لكنها تفتح الباب أمام مطالب تفكيك جذرية ومراقبة صارمة، وتمنح خصومها سردية جاهزة عن بنى موازية تهدد السيادة والأمن العام، ما يجعل ملف الأنفاق جزءًا من معادلة التفاوض نفسها لا مجرد بند تقني في نهايتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث