دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى إصلاح السلوك المؤسسي في التعامل مع الشارع، منتقداً النظام التعليمي في البلاد، ومعتبراً أن جذور الأزمات الاجتماعية والسياسية تعود إلى فشل الدولة في ترسيخ ثقافة الحوار والاختلاف، وذلك في وقت تتواصل فيه حملة الاعتقالات على خلفية الاحتجاجات الدامية الأخيرة، وتترافق مع تصعيد سياسي وأمني واستعدادات رسمية لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية.
وقال بزشكيان في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا": "لو كنا قد وفرنا تعليماً صحيحاً، لما واجهنا العديد من المشاكل التي نشهدها اليوم في المجتمع"، مضيفاً "لم نتعلم الحوار بعضنا مع بعض، ولم نتعلم كيفية تجنب الصراعات".
واعتبر أن طريقة تعامل المؤسسات مع المواطنين أدت إلى حالة من القطيعة وفقدان الثقة، داعياً إلى تغيير جذري في ذهنية السلطة، قائلاً: "يجب أن نتعلم أن نكون خدماً للشعب، ليكون الشعب أيضاً في خدمتنا"، مشدداً على ضرورة تنمية قدرات الإيرانيين وتعزيز مكانتهم كشركاء في الدولة لا كخصوم لها.
وأضاف أن "الأداء السليم في المؤسسات التعليمية يمكن أن يجعلنا نتجنب ما وصلنا إليه من الشعور بالخجل أمام الشعب، والوطن، والعالم في طريقة تعاملنا مع المجتمع".
ونقلت "إرنا" عن بزشكيان أن "إصلاح النظرة والسلوك والأداء في مختلف مؤسسات الدولة تجاه المواطنين بات ضرورة"، مضيفاً: "لا يصح أن نعتقد أن ما نقوله فقط هو الصحيح، وعلى الجميع أن يطيع أوامرنا فهذه النظرة خاطئة، وليس من المقبول أن نعتبر أنفسنا نمتلك العقل المطلق".
جاهزية للحرب
بالتوازي مع خطاب الإصلاح الداخلي، أكد النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف، الجاهزية الكاملة للحكومة والقوات المسلحة لمواجهة أي عدوان محتمل.
وقال عارف إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية "ستدافع بقوة عن شعبها ووطنها"، موضحاً أن جميع قطاعات الدولة على أتم الاستعداد لأي مواجهة عسكرية. وأضاف "نأمل ألا تندلع الحرب، لكن إذا ارتكب العدو خطأً في الحسابات وسعى لاختبار الشعب الإيراني، فإن لدى الحكومة خطة اقتصادية للحرب وآليات واضحة لإدارة البلاد في حالة النزاع المسلح".
وأكد أن إيران "ليست دولة تبحث عن الحرب"، لكنها لن تتردد في الدفاع عن نفسها، مشيراً إلى أن الصناعات الدفاعية والاستراتيجية شهدت، بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً في حزيران/ يونيو الماضي، "نمواً يوازي عدة سنوات من التطور، وتقدماً ملحوظاً في القدرات العسكرية".
وفي لهجة أكثر تصعيداً، كتب المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، على منصة "إكس": "في حال أي عمل عدواني من الأميركيين، لن يكون ردنا محصوراً فقط في القواعد العسكرية أو معداتهم"، في إشارة إلى أن الرد الإيراني قد يكون واسع النطاق ومفتوح الساحات.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، إن بلاده ستقدم "رداً شاملاً وموجباً للندم" على أي هجوم، مضيفاً أن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم أقوى من أي وقت مضى، وتضع تجربة معركة يونيو الماضي نصب أعينها".
آلاف الجرحى في المستشفيات
وفي موازاة أرقام القتلى المرتفعة، كشف رئيس مركز العلاقات العامة في وزارة الصحة الإيرانية حسين كرمانبور، أن أكثر من 3 آلاف مصاب راجعوا المراكز الطبية خلال الأيام الأخيرة بسبب إصابات مرتبطة بالاحتجاجات.
وأوضح أن عدداً كبيراً من الجرحى حاولوا معالجة أنفسهم في المنازل قبل أن تتفاقم إصاباتهم، ما دفعهم إلى التوجه لاحقاً إلى المستشفيات، مضيفاً أن "لا علاقة للمراكز الصحية بتحديد هوية المتورطين في الأحداث، ودورنا يقتصر على تقديم العلاج لأي مصاب أياً كان سبب إصابته". وشدد على أنه "لا داعي للخوف من مراجعة المرافق الصحية"، محذراً من خطورة معالجة الجروح في المنازل.
استمرار الاعتقالات
وتتواصل حملة الاعتقالات بحق المشاركين في الاحتجاجات. فقد أعلن محافظ سمنان محمد جواد كوليوند، اعتقال أكثر من 300 شخص في المحافظة، واصفاً إياهم بأنهم "قادة الاضطرابات الأخيرة".
بدوره، قال قائد شرطة محافظة سمنان قاسم رضائي، إن قوات الأمن أوقفت 19 شخصاً بتهمة الإخلال بالأمن، بينهم 15 من مدينة شاهرود، متهمين بـ"تخريب محطة إطفاء وبنوك وعدد من مركبات الشرطة".
وفي اجتماع مع محافظي المحافظات الإيرانية، شدد بزشكيان على أن ما شهدته البلاد "لم يكن عفوياً"، بل جاء نتيجة "مؤامرة موجّهة بالكامل" لتفكيك إيران من الداخل عبر إشعال صراع داخلي.
وقال: "ما حدث كان مخططاً له بعناية لضرب وحدة البلاد وزعزعة استقرارها"، معتبراً أن أطرافاً خارجية حاولت استغلال التحديات الاقتصادية والمعيشية لإدخال إيران في دوامة فوضى تخدم أجنداتها السياسية والاقتصادية.
واتهم بزشكيان الولايات المتحدة وأوروبا بازدواجية المعايير، قائلاً إنهما "تتظاهران بالدفاع عن حقوق الإنسان، بينما دعمتا أبشع الجرائم التي ارتكبها الكيان الصهيوني في غزة"، مضيفاً أنهما قدّمتا أيضاً دعماً سياسياً وإعلامياً لما وصفه بـ"مثيري الشغب" في إيران.
واعتبر أن الهدف الحقيقي للتدخل الغربي هو "الطمع في النفط والغاز والثروات الطبيعية للشعب الإيراني"، وأن الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية هي أدوات لتحقيق هذا الهدف.
الإنترنت نحو الرفع التدريجي
وأكد مسؤول دبلوماسي إيراني لوكالة "تاس" الروسية، أن السلطات بدأت برفع القيود المفروضة على الإنترنت الدولي تدريجياً منذ 19 كانون الثاني/ يناير، بناءً على توجيهات مباشرة من الرئيس بزشكيان.
وقال إن "القيود لا تُرفع فقط عن الإنترنت الوطني، بل يجري العمل على إعادة الربط التدريجي بالإنترنت الدولي لإنعاش سوق الاقتصاد الرقمي وضمان وصول المواطنين إلى الشبكة العالمية".
لكن في المقابل، أعلنت منصة "نتبلوكس" المعنية بمراقبة الإنترنت حول العالم، أن انقطاع الإنترنت في إيران مستمر لليوم الثامن عشر على التوالي، مؤكدة أن السلطات لا تزال تفرض رقابة مشددة للحد من الالتفاف على القيود.
وكانت السلطات الإيرانية قد أعلنت سابقاً أن رفع القيود سيتم على ثلاث مراحل: إعادة تفعيل الرسائل النصية، تفعيل كامل للإنترنت الوطني مع تطبيقات محلية مثل "إيتا" و"سروش"، وإعادة الربط التدريجي بالإنترنت الدولي.
وبررت طهران تقييد الإنترنت بأنه جاء لمنع "هجمات سيبرانية خارجية" وأعمال تخريب، فيما اتهمت منظمات حقوقية السلطات بالسعي إلى التعتيم على عمليات القمع.
