على الرغم من الأجواء الاحتفالية التي رافقت إعلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وإنشاء الهيئات المتعددة التي ستقود العملية، فإنه يلاحَظ وجود فجوة كبيرة بين الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني تجاه هذه الخطوة، بحسب مقال نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.
ويقول كاتب المقال، يوحنان تسوريف، أن إسرائيل تسعى لإبطاء وتيرة الانتقال إلى هذه المرحلة، وتصر على إعادة جثمان آخر رهينة، ران غويلي، وإنشاء آلية تتيح لها مراقبة تفكيك سلاح "حماس" وبقية الفصائل وجمعه، واعتبار أن الواقع الأمني في غزة لا يسمح بعد بالانتقال إلى المرحلة الثانية، والاستمرار في السيطرة على "المنطقة الخضراء" و"الخط الأصفر" حيث تمركزت قوات الجيش الإسرائيلي مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ – إلى حين نزع سلاح "حماس" - واعتبار فتح معبر رفح في الاتجاهين كما هو مطلوب في بداية هذه المرحلة خطوة متسرعة، والخشية عموماً من فقدان السيطرة على التطورات في غزة مع نقل الإدارة والسلطة إلى مجلس السلام والهيئات التابعة له، التي لا تملك إسرائيل فيها تمثيلاً رسمياً.
وفي المقابل، بحسب الكاتب، على الرغم من قلق الجانب الفلسطيني من النيات البعيدة المدى للرئيس ترامب، فإنه يرى في الانتقال إلى المرحلة الثانية فرصة يجب اغتنامها؛ فهي، من وجهة نظره، تمثل نهاية الحرب، وتَعِد بإعادة إعمار غزة على جانبَي الخط الأصفر، كما تُعَد فرصة لتحقيق مصالحة فلسطينية داخلية، وإعادة ربط القطاع بالضفة الغربية، وعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة.
ويرى الفلسطينيون أن جمع السلاح لن يكون ممكناً إلاَّ بعد نقل السيطرة في القطاع إلى جهة فلسطينية، كما أعلنت "حماس "سابقاً، وتُعتبر اللجنة التكنوقراطية تحقيقاً لهذا الشرط. ويمكن القول إن التوقعات الفلسطينية تعكس سعياً نحو المرحلة الأخيرة من الخطة، التي تُفهم على أنها إقامة دولة فلسطينية مستقلة في قطاع غزة والضفة الغربية.
التخوف من تدويل الصراع
ويتابع الكاتب أنه مع ذلك، تشترك إسرائيل والفلسطينيون في القلق من تدويل الصراع الذي تنطوي عليه المبادرة الأميركية، فوجود مجلس سلام دولي أعلى، وتحتَه مجلس إدارة لغزة تديره شخصيات أجنبية، ومن دون تمثيل عربي في مجلس السلام" الدولي، يُنظر إليه في إسرائيل كخطوة تسلبها القدرة على تنفيذ سياسات تخدم حاجاتها الأمنية، أو على الأقل تُلزمها أخذ مواقف جهات لم تكن شريكة سابقاً في عمليات كهذه بعين الاعتبار.
ويضيف: "كما أن إشراك قطر وتركيا في مجلس إدارة غزة يُنظر إليه في إسرائيل كخطوة خطِرة تخدم "حماس"، وقد تعيق نزع السلاح وتكرّس بقاء الحركة وإعادة تموضعها في القطاع. وعلى هذه الخلفية، بدأ يظهر توتر في العلاقات بين إسرائيل وإدارة ترامب.
فعلياً، يخدم إنشاء مجلس السلام" الدولي طموح الإدارة الأميركية إلى إعادة تنظيم النظام الدولي بما يعكس تصور واشنطن لنفسها كقوة مخوّلة بفرض قواعد السلوك على الساحة الدولية، بعكس طريقة عمل الأمم المتحدة التي ترى الإدارة أنها تستفيد من الموارد الأميركية بينما تخدم مصالح لاعبين دوليين آخرين. وفي السياق الغزّي، تواصل الإدارة الاعتماد على شركاء إقليميين تربطها بهم علاقات قوية، وعلى رأسهم قطر وتركيا، في نهج يتعارض مع المصلحة الإسرائيلية.
أمَّا على الجانب الفلسطيني، فعلى الرغم من الارتياح لانتهاء الحرب وبداية إعادة الإعمار، والترحيب العربي الواسع بالخطوة، فإن المرحلة الثانية، بحسب تسوريف، تُفهم أيضاً على أنها نوع من الانتداب الأجنبي المتجدد على غزة (والشعب الفلسطيني)، بأهداف غير واضحة تماماً. ويتساءل كتّاب فلسطينيون: هل ستتمتع اللجنة التكنوقراطية بصلاحيات حقيقية، أم ستكون مجرد متعهد لتنفيذ مهام مجلس السلام؟ هل تضع الإدارة الأميركية مصلحة الفلسطينيين نصب أعينها؛ من اعتبارات إنسانية، ومنع التهجير، وحماية السكان؟ أم إن الدوافع عينها التي قادت الولايات المتحدة إلى التدخل في فنزويلا هي التي تقودها في غزة؛ بناء "ريفييرا" مشاريع سياحية، واستغلال حقل الغاز قبالة ساحل غزة، ودفع مشاريع تدر أرباحاً كبيرة لشركات أميركية وأُخرى؟
بمعنى آخر، يقول تسوريف، هناك شك كبير في إمكانية تحقيق الهدف النهائي المذكور في خطة النقاط العشرين؛ "مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني والدولة"، بالتوازي مع تطوير وإعادة إعمار غزة وتنفيذ إصلاحات في السلطة الفلسطينية.
بالإضافة إلى ذلك، يخشى الفلسطينيون من أن تقوم إدارة ترامب بتحويل اهتمامها إلى مناطق وصراعات أُخرى حول العالم، كما تلمّح إلى ذلك مؤخراً في محافل متعددة وفي وثائق يصدرها البيت الأبيض. وإذا ما حدث ذلك، فقد ينشأ توتر بين إدارة ترامب والدول العربية المنخرطة في العملية، وهو توتر ستكون له تداعيات سلبية على علاقات تلك الدول مع إسرائيل.
يتابع الكاتب أنه من جهة إسرائيل، فلن تتمكن من إزالة تحفظاتها العديدة إزاء الانتقال إلى هذه المرحلة. وإذ لم يتضح بعد كيف ستُنقل السيطرة إلى لجنة التكنوقراط؛ فهل ستعمل على جانبَي الخط الأصفر كما أعلن رئيسها، أم فقط في الجانب الأخضر؟ كيف سيتم نزع سلاح "حماس"؟ وما هي آليات الرقابة على عملية نزع السلاح؟ وهل هناك ما يبرر التفاؤل الفلسطيني في هذا السياق؟ وهل جرى إعداد بدائل في حال فشل تنفيذ هذه المرحلة؟
لذلك، سيكون من الحكمة أن تبادر إسرائيل إلى فتح حوار أيضاً مع هذه الدول حول كيفية تنفيذ الخطة، وألاَّ تكتفي بالسعي لبلورة تفاهمات مع الإدارة الأميركية فقط بشأن مصالحها الأمنية في قطاع غزة.
وبصورة أكثر تحديداً، يتعين على إسرائيل بحسب تسوريف، أن تستوضح من إدارة ترامب كيف تنوي ضمان أمنها في ضوء المخاطر الكامنة في إشراك تركيا وقطر في مجلس السلام الخاص في قطاع غزة، وكذلك في ظل الغياب الممكن لعنصر التدرج في تنفيذ المرحلة من جانب مجلس السلام. وهل يُتوقع من إسرائيل أن تتخلى عن حرية عملها العملياتية حتى في المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس"، وتنسحب من الخط الأصفر الذي يتمركز عليه الجيش الإسرائيلي حالياً، وذلك حتى في حال عدم إحراز تقدم أو في غياب رقابة فعلية على عملية نزع سلاح "حماس"؟
