لا أعتقد أن هناك إثنين يمكن أن يختلفا بشأن حراجة المرحلة التي يمر بها العراق. هذا الأمر يدفع إلى القول إن الحاجة ماسة إلى الحديث بكثير من الصراحة، خصوصاً عندما يكون الحديث عن موضوع يهم العراقيين جميعاً بدون استثناء وهو منصب رئيس الوزراء القادم..
بهذه المقدمة السريعة أقول، لا يوجد سبّب مقنع لتفهم قرار الإطار التنسيقي (الشيعي) ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لهذا المنصب.
وتفصيلاً لهذا الكلام والأسباب التي تدفع إلى تبني هكذا موقف لابد من الحديث بشيء من الوضوح وأهم الملفات التي تنتظر أي رئيس وزراء قادم، رداً على من يعتقد أن هكذا تصور يمكن أن يكون بعيداً عن الموضوعية وحقيقة ما يجري.
أولاً: ملف حصر السلاح بيد الدولة
مخطيء من يعتقد أن المالكي سيكون هو الخيار الأفضل والشخصية القادرة عن تفكيك الفصائل المسلحة ونزع سلاحها، ليس لأن المالكي غير قادر على هكذا فعل، بل العكس تماماً.
لكنه الشخص الوحيد الذي لا يمكن تصور أنه سيقوم بهكذا فعل. فالمالكي هو الرجل الذي وفر دعماً سياسياً كبيراً لكل الفصائل المسلحة العراقية، مؤمناً بوجودها وبدروها في المشهد السياسي العراقي خلال الفترة الماضية، وعمل بقوة على تجنيبها أي ارتدادات سياسية من قبل سُلطة القرار الحكومي.
يؤمن الرجل تماماً بأهمية وجود قوة مسلحة قادرة على حماية النظام السياسي في عراق ما بعد العام 2003 من أي إهتزازات يُمكن أن تطاله، بعيداً عن القوات المسلحة الرسمية والتي يمكن أن يخضع أداءُها لحسابات مركز القرار الرسمي وسُلطة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وهي حسابات يمكن أن تتسبب في لحظة عابرة إلى اهتزاز النظام السياسي في العراق الذي أفضى إلى هيمنة شيعة العراق على الدولة. وهذا الكلام لا ينطبق على السيد المالكي فحسب، بل ينسحب على قيادات شيعية اُخرى.
في أقصى الحالات، سيلجأ المالكي إلى إجراء يفضي إلى احتواء الفصائل بطريقة أو بأخرى، بمعنى تجميدها أو تحييدها لكن ليس حلها.
وإزاء هكذا تطور، لابد من مواجهة السؤال الآتي: هل ستقتنع الإدارة الأميركية بهكذا إجراء، وهي التي كانت قد أعلنت صراحة أن هذا الملف سيكون شرطاً رئيسياً للتعامل مع أي رئيس وزراء عراقي قادم؟
حتى لو افترضنا أن الرجل سيتعهد بتنفيذ هذا الأمر، هل ستقتنع الإدارة الأميركية بهكذا تعهد، وهي التي كانت قد اعترضت على انتخاب شخصية مقربة من الفصائل قبل أيام لمنصب النائب الأول للبرلمان العراقي؟
ثانيا: العلاقة مع إيران
المشكلة بالنسبة للإدارة الأميركية لا تقف عند حدود حصر السلاح بيد الدولة بل تتعداها لتصل إلى العلاقة مع إيران، وهذه مشكلة كبيرة أخرى.
يُعرف عن الرجل علاقاته القوية مع صانع القرار الإيراني لدرجة أن كثيرين يصفونه بأنه رجل إيران القوي في العراق. وبعيداً عن دقة هذا التوصيف من عدمه، لكنه لا يُلغي حقيقة العلاقة القوية التي تربطه بمركز القرار الإيراني، الثوري وليس الإصلاحي.
وهذه نقطة شائكة أخرى فيما يتعلق بالعلاقة المستقبلية لبغداد مع واشنطن، وهو تطور لن يكون من صالح العراق أبداً، وقد يُلقي بظلاله سلباً على العديد من الملفات، يقف في مقدمتها الوضع الاقتصادي والمالي في العراق الذي يمر بمرحلة حرجة جداً وسيكون واحداً من أهم التحديات التي تواجه رئيس الوزراء القادم.
ثالثا: الملف السوري
إن الحديث الذي يطرحه البعض في أن اختيار شخصية مثل السيد المالكي هو ضروري لإحداث توازن "عقائدي" نوعي مع سوريا بوجود شخصية تماثل شخصية الرئيس الشرع، هو حديث غير منطقي ولا يتسق أبداً مع طبيعة الأحداث ولا يعي خطورتها.
إن هذا التصور كفيل بإرسال رسائل سلبية للخارج بل ويدفع باتجاه تأزيم الموقف مع سوريا، وهذا ليس من مصلحة البلدين حيث الحاجة ماسة إلى شخصية معتدلة قادرة على تفهم الموقف وخطورته، وقادرة على التعامل مع مآلاته بعيداً عن "التعصب الطائفي" الذي لن يكون من مصلحة أي طرف.
إن تطور الأحداث التي تشهدها سوريا يدفع إلى القول بأن هناك حاجة ماسة إلى حكومة قادرة على تبني مسار متزن يمكن أن يساهم في احتواء الموقف مع دمشق وليس تصعيده. فالتصعيد لن يكون من مصلحة أحد والحاجة تدفع باتجاه البحث عن حلول لإطفاء الأزمات واحتواءها وليس العكس.
بعيداً عن هذه الملفات، فإن ما يستدعي التوقف عنده ملياً هو تصريحات السيد المالكي التي لم يمضِ عليها وقت طويل، والتي اعترف بها صراحةً أنه "شخصياً ومعه كل الطبقة السياسية بات عليهم التنحي جانباً وأن لا يكون لهم دور في رسم خريطة العملية السياسية في العراق لإنهم فشلوا فشلاً ذريعاً" في إدارة البلاد.
فلماذا العودة إلى اختيار شخصية كانت قد اعترفت صراحة بالفشل في أدائها السياسي، وأن هذا الفشل تسبب للعراق بالكثير من الكوارث التي لايزال البلد يعاني منها حتى الآن؟
وهل يمكن التغافل عن طبيعة الخطاب السياسي الطائفي الذي يتبناه الرجل، والذي شكل أحد الأسباب الرئيسية في أحدث جسيمة مر بها العراق عندما كان هو رئيساً للوزراء لدورتين، والتي انتهت دورتها الثانية باحتلال تنظيم الدولة للعديد من المناطق العراقية؟
إن التحفظ الذي أبدته قوى سياسية عراقية وازنة سواء من داخل الإطار التنسيقي أو من خارجه، يجب التعامل معها بعقلانية وبحكمة بعيداً عن حسابات الفوز والخسارة والتعصب السياسي، وقبل الذهاب إلى جلسة البرلمان لإعلان تكليف مرشح الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة. فالمرحلة تتطلب تكاتفاً سياسياً من قبل الجميع، وهذا هو المسار الوحيد الذي يمكن أن يجنب العراق الكثير من التعقيدات والتي سيكون الخروج منها صعباً ومكلفاً أيضاً.
