كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن إسرائيل تعتمد بشكل متزايد وبصورة غير معلنة على ميليشيات فلسطينية ناشئة داخل قطاع غزة لمقاتلة حركة "حماس"، وتوفر لها دعماً مباشراً يشمل الإسناد الجوي بالطائرات المسيّرة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى إمدادات بالسلاح والغذاء والمياه والسجائر، وحتى نقل جرحاها جواً إلى مستشفيات داخل إسرائيل.
ووفق الصحيفة، ظهر هذا التعاون بوضوح مطلع كانون الثاني/يناير الجاري، عندما أعلن حسام الأسطل، قائد إحدى هذه المجموعات المسلحة، مسؤوليته عن قتل ضابط في شرطة "حماس" داخل منطقة خاضعة لسيطرة الحركة، وتوعد بتنفيذ مزيد من العمليات، قائلاً في مقطع فيديو ظهر فيه وهو يحمل بندقية هجومية: "نقول لحماس ولكل من ينتمي إليها: كما وصلنا إليه، سنصل إليكم أيضاً".
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الميليشيات تعمل من مناطق داخل غزة تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما يسمح لها بالتحرك في مناطق يُفترض أنها "محظورة" على القوات الإسرائيلية بموجب تفاهمات وقف إطلاق النار، مثل منطقة المواصي، حيث قالت "حماس" إن مجموعة الأسطل نفذت عملية الاغتيال.
وتنقل "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين إسرائيليين وجنود احتياط أن إسرائيل تقدم لهذه المجموعات دعماً جوياً عبر الطائرات المسيّرة، ومعلومات استخباراتية حول تحركات عناصر "حماس"، وإمدادات تشمل الغذاء والمياه والسجائر وصناديق مغلقة "غير معروفة المحتوى"، إضافة إلى أسلحة ومساعدات لوجستية، وإجلاء جرحى من عناصر الميليشيات جواً إلى مستشفيات داخل إسرائيل.
ويقول يارون بوسكيلا، الذي شغل منصب ضابط عمليات كبير في فرقة غزة بالجيش الإسرائيلي حتى دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إن الجيش كان يراقب تحركات هذه المجموعات ويتدخل أحياناً بشكل مباشر لحمايتها: "عندما يذهبون لتنفيذ عمليات ضد حماس، نكون هناك لمراقبتهم، وأحياناً لمساعدتهم. هذا يعني تزويدهم بالمعلومات، وإذا رأينا حماس تحاول تهديدهم أو الاقتراب منهم، نتدخل بشكل فعلي".
إنكار علني للدعم العسكري
بحسب "وول ستريت جورنال"، استخدمت إسرائيل في الأشهر الماضية عناصر من "القوات الشعبية"، وهي ميليشيا أخرى مدعومة منها، في محاولات لاستدراج مقاتلي حماس العالقين داخل أنفاق في رفح، بالتزامن مع قيام الجيش الإسرائيلي بضخ متفجرات داخل تلك الأنفاق.
وتنقل الصحيفة عن جندي احتياط إسرائيلي خدم في غزة قوله إنه رافق قوافل إمداد كانت تُوجه لهذه الميليشيات في رفح خلال الصيف، مرة أسبوعياً، في ساعات متأخرة من الليل ومن دون تشغيل أضواء المركبات، مشيراً إلى أن الصناديق المغلقة التي كانت تُحمل في الشاحنات كان جهاز الشاباك هو من يضعها.
وتضيف الصحيفة أن عناصر من هذه الميليشيات نشروا مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر عمليات قتل بحق مقاتلي "حماس"، بعضها مصحوب بمشاهد دموية، كما نشرت مجموعات أخرى مقاطع تُظهر أفرادها وهم يرتدون سترات تكتيكية إسرائيلية ويصطفون في تشكيلات عسكرية ويطلقون النار على وقع موسيقى حماسية، إضافة إلى صور ورسومات مولدة بالذكاء الاصطناعي تتخيل "غزة المستقبل"، مع إعلانات لتجنيد عناصر جدد عبر الإنترنت.
في المقابل، تنفي هذه المجموعات علناً تلقيها دعماً عسكرياً مباشراً. إذ قال حسام الأسطل للصحيفة في مقابلة هاتفية إن الدعم الذي يحصل عليه يقتصر على الطعام، وإن مجموعته هي التي نفذت عملية قتل ضابط "حماس" بنفسها، مضيفاً: "كان يسبب مشكلات للناس الذين أرادوا الوصول إلينا. كان يؤذينا، كل من يحاول الوصول إلينا كان يُطلق عليه النار أو يُعتقل. أي شخص يحل محله سيُقتل".
من جانبها، وصفت حركة "حماس" المجموعة التي نفذت عملية الاغتيال بأنها "عملاء للاحتلال الإسرائيلي"، وقالت في بيان: "ثمن الخيانة باهظ ومكلف"، في تهديد مباشر لهذه المجموعات. وتشير الصحيفة إلى أن هذه الميليشيات تضم مئات وربما آلاف الأشخاص الذين يعيشون مع عائلاتهم في مناطق داخل غزة خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، بعدما تمكنوا من الصمود أمام محاولات حماس لتصفيتهم.
فشل البديل السياسي
وتؤكد "وول ستريت جورنال" أن هذه الميليشيات لم تنجح حتى الآن في التحول إلى بديل سياسي أو أمني حقيقي لـ"حماس"، إذ إن بعضها تورط في عمليات نهب للمساعدات خلال الحرب، ولديه سجل سابق في أنشطة إجرامية، ويفتقر إلى قاعدة شعبية حقيقية داخل المجتمع الغزي، بينما ما تزال "حماس" قادرة على إعادة بسط سيطرتها على معظم المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، وتعمل على إعادة بناء بنيتها العسكرية، رغم فقدانها السيطرة على أقل من 50% من القطاع حالياً.
وتشير الصحيفة إلى أن إسرائيل لجأت إلى هذه الاستراتيجية بعد فشل محاولاتها السابقة لإيجاد بدائل مدنية أو عشائرية لحكم "حماس"، إذ اغتالت الحركة عدداً من الشخصيات التي حاولت التعاون مع إسرائيل في بدايات الحرب، كما جاء هذا التوجه بعد إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنه لن يسمح بأن تحل السلطة الفلسطينية محل "حماس" في إدارة غزة.
وتحذر الصحيفة من أن هذه المقاربة تحمل مخاطر تاريخية، مستشهدة بتجربة "جيش لبنان الجنوبي" الذي دعمته إسرائيل حتى انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، حيث انتهى الأمر بمقتل عدد كبير من عناصره أو فرارهم إلى داخل إسرائيل.
ويقول الضابط الإسرائيلي المتقاعد ساعر تسور للصحيفة: "مصلحة أي ميليشيا تكون أولاً وأخيراً للميليشيا نفسها، وليس لأي طرف آخر. ويمكن أن تنقلب عليك في أي لحظة".
ويرى الرئيس السابق لقسم الشؤون الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، مايكل ميلشتاين، أن مصير هذه المجموعات قد يكون مشابهاً لمصير ميليشيات لبنان، قائلاً: "قد ينجحون أحياناً في تنفيذ عمليات ضد حماس، لكن في النهاية سيضطرون للاختيار بين البقاء والموت أو الاعتقال، أو الهروب والانضمام إلى الجيش الإسرائيلي".
وتربط الصحيفة مصير هذه الميليشيات بمستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة، مشيرة إلى أن المرحلة الثانية من خطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنص على انسحاب إسرائيل إلى منطقة عازلة حول القطاع بعد نزع سلاح "حماس"، ما يضع هذه الجماعات أمام مصير غامض في حال فقدت الغطاء العسكري الإسرائيلي المباشر.
ويكشف أن إسرائيل لا تعتمد فقط على الحرب التقليدية ضد "حماس"، بل أيضاً على حرب بالوكالة داخل غزة نفسها عبر ميليشيات فلسطينية محلية، في استراتيجية محفوفة بالمخاطر السياسية والأمنية والإنسانية وقد تحمل بذور صراعات داخلية جديدة في القطاع.
