أي حكومة يحتاجها اليمن في هذه المرحلة الحرجة؟

Image-1769287469
اليمن يعيش مرحلة حرجة تحتاج إلى حكومة قادرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، يواجه اليمن سؤالاً مصيرياً لا يقل أهمية عن جهود وقف الحرب ذاتها: ما طبيعة الحكومة القادرة على منع انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإدارة مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة، والحديث هنا عن الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.
فبعد أكثر من عشر سنوات من الصراع والانقسام، لم تعد الأزمة محصورة في غياب حكومة فاعلة، بقدر ما باتت أزمة نموذج حكم عاجز عن العمل داخل واقع تتداخل فيه الحرب مع الانهيار الاقتصادي، وتعدد مراكز النفوذ، وتآكل مفهوم الدولة.
ومنذ اندلاع النزاع في 2014، تعاقبت على اليمن حكومات عدة، جميعها فشلت، وفق مراقبين، في تحقيق اختراق ملموس على طريق الاستقرار، في ظل غياب الصلاحيات التنفيذية الحقيقية، وطغيان منطق المحاصصة السياسية، وارتهان القرار الحكومي لتوازنات داخلية وإقليمية معقدة.
ويقول الباحث السياسي اليمني عبدالسلام محمد إنّ "أزمة الحكم في اليمن ليست أزمة أشخاص، بل أزمة نموذج"، مضيفاً أنّ "اليمن لا يحتاج اليوم إلى حكومة سياسية تقليدية، بل إلى حكومة إدارة أزمة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة وتنفيذها".

 

واقع من الانقسام
واليمن اليوم ليس دولة مستقرة تحتاج حكومة "تنمية"، ولا دولة خارجة لتوها من نزاع قصير، بل بلد منقسم فعلياً بين سلطات متعددة، وباقتصاد شبه منهار وعملة منقسمة ومؤسسات مالية مزدوجة، وبنسيجٍ اجتماعي أنهكته الحرب والنزوح والفقر، في ظل سيادة منقوصة بفعل تعدد مراكز القرار الداخلي والخارجي.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن أي حكومة تقليدية قائمة على المحاصصة أو إرضاء المكونات السياسية مرشحة للتحول إلى جزء من الأزمة بدل أن تكون أداة للحل.
ويقول إبراهيم محمد، محلل شؤون اليمن في مركز دراسات الخليج، أن أي "حكومة لا تنطلق من فهم دقيق لحدود سلطتها الفعلية ستفشل سريعًا". وأضاف: "الحكومات السابقة تصرفت وكأنها تدير دولة مستقرة، بينما هي تعمل في بيئة دولة منهارة".


حكومة مهام 
ويقول خبراء إن المرحلة الراهنة لا تحتمل حكومات موسعة قائمة على توافقات سياسية واسعة، بقدر ما تحتاج إلى حكومة مهام ذات أولويات محددة وبرنامج واضح وقابل للقياس.
ويقول الباحث في شؤون النزاعات سعد بن حلي إن "حكومات التوافق الواسع في اليمن تحولت إلى منصات شلل سياسي تدير دواليب الدولة من القاهرة أو الرياض"، مضيفاً أن "كل قرارتها كانت تخضع لمساومات بين أطراف متعددة، ما أفقد الحكومة القدرة على الإدارة الفعلية لمؤسسات الدولة".
ويرى خبراء أن الوظيفة الأولى للحكومة المطلوبة تتمثل في إدارة الحد الأدنى من الدولة، وهو ما أخفقت فيه حكومات سابقة. ويشمل ذلك دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إضافة إلى ضبط الإيرادات العامة وتوحيدها قدر الإمكان.
ويرى مراقبون أن الحكومة التي يحتاجها اليمن حالياً هي حكومة قرارات محدودة وواضحة، قادرة على تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار المالي والخدمي، ووقف تدهور العملة، ومنع إعادة إنتاج اقتصاد الحرب.
ويقول فارس النجار، الباحث الاقتصادي في مركز صنعاء للدراسات، إن "المشكلة خلال السنوات الماضية لم تكن نقص الموارد، بل تفكك إدارتها وتحول المال العام إلى أداة صراع"، مضيفاً أن "أي حكومة لا تبدأ بتوحيد الإيرادات والسيطرة على الموارد السيادية ستبقى واجهة سياسية بلا تأثير فعلي".
وبحسب الخبير الاقتصادي والمالي حلمي الحمادي، فإن الأولوية القصوى خلال الأشهر الستة الأولى من عمر أي حكومة جديدة تتمثل في توحيد الإيرادات العامة من النفط والغاز والجمارك والضرائب والموانئ ورسوم الخدمات، وتوريدها إلى حساب حكومي واحد خاضع للرقابة، مع إنهاء التحصيل النقدي والجبايات غير القانونية، خصوصًا في عدن ومأرب وحضرموت وتعز.
ويضيف أن "توحيد مورد المال العام ليس إجراءً تقنياً فقط، بل قرار سياسي يمس جوهر اقتصاد الحرب"، مشيراً إلى أن "هذه الخطوة وحدها قادرة على تحسين قدرة الدولة على تمويل الرواتب والسلع الأساسية، وتقليص الاعتماد على طباعة النقد أو التمويل بالعجز".


معضلة القرار التنفيذي
لكن قدرة أي حكومة على تنفيذ برنامجها الاقتصادي أو الخدمي تبقى مرتبطة، وفق محللين، بمدى تحكمها في القرار التنفيذي، في ظل وجود تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة الولاءات وتسيطر على الموارد المالية للدولة.
ويقول سعد بن حلي إن "إحدى أبرز مشكلات الحكومات اليمنية السابقة خلال سنوات الحرب كانت غياب السيطرة الفعلية على أدوات الدولة”، مضيفاً أن "لا حكومة يمكن أن تنجح إذا كانت الوزارات بلا سلطة، أو إذا كانت القوات العسكرية والأمنية لا تخضع لقيادة موحدة".
ويرى مراقبون أن الحكومة المطلوبة تحتاج إلى دعم سياسي واضح لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسات العسكرية والأمنية، ولو بشكل تدريجي.
وبحسب الصحافي والكاتب اليمني علي السقاف، فإن الحكومة التي يحتاجها اليمنيون في هذه المرحلة هي حكومة يتولاها وزراء يتمتعون بالنزاهة والكفاءة الإدارية، ويعمل كل منهم وفق برنامج واضح ومعلن. ويؤكد أن "غياب الأفق الزمني كان أحد أسباب تآكل ثقة الشارع بالحكومات المتعاقبة”، مضيفاً: “حين لا يعرف المواطن ماذا ستنجز الحكومة ومتى، تصبح كل الوعود بلا معنى".


مجلس استشاري 
ويشير مراقبون إلى أنّ اليمن يمتلك كوادر بشرية متخصّصة في مختلف المجالات، يعمل كثير منهم في الخارج في دول مثل اليابان والهند وألمانيا والولايات المتحدة وكندا والسعودية، والصين، وهو ما يتيح فرصة لتشكيل مجلس استشاري وطني يمكنه مساعدة الحكومة وتقديم خطط وبرامج عملية لإدارة القطاعات الحيوية للدولة وتحسين الأداء المؤسسي، بعيداً عن المحاصصة التقليدية والشلل الإداري.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث