منتدى فلسطين في الدوحة يفكك الحياد ويعيد تعريف التضامن

المدن - عرب وعالمالسبت 2026/01/24
Image-1769267115
فلسطين كاختبار أخلاقي: من الإعلام الغربي إلى التضامن الكوني (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)
حجم الخط
مشاركة عبر

انطلقت أعمال الدورة الرابعة من "المنتدى السنوي لفلسطين"، الذي ينظمه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في الدوحة، وسط حضور بحثي وإعلامي واسع، وتركيز واضح منذ الجلسات الأولى على تفكيك المفاهيم التي تحكم الخطاب الغربي حول فلسطين، وفي مقدمتها مصطلحات "الحياد" و"الحياد الإعلامي" بعد حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، بوصفها مفاهيم تحتاج إلى مراجعة جذرية، وربما إلى سحبها من التداول الكسول.

وانعقدت صباح اليوم الجلسة الأولى في اليوم الأول من المنتدى تحت عنوان "حرب الإبادة على غزة في وسائل الإعلام الغربية"، بإدارة الصحافية والكاتبة السياسية لميس أندوني، التي غطت عدداً من الحروب لوسائل إعلام عربية وأجنبية، ووضعت النقاش منذ بدايته في سياقه الجذري: نحن لا نناقش سوء تغطية إعلامية عابر، بل بنية كاملة تعمل على تطبيع الإبادة وتحويلها إلى خبر قابل للاستهلاك اليومي.

 

لسنا حياديين

في مداخلتها، قدمت الباحثة في العلاقات الدولية والعلوم السياسية آمنة الأشقر مقاربة مباشرة ومربكة في آن واحد، مؤكدة أن "الحياد" في تغطية المجازر وهم أخلاقي ومهني. فحين نغطي مجزرة، نحن نختار زاوية، ونقرر ماذا نُظهر وماذا نُخفي، ونحدد المسافة، ونضبط الإطار اللغوي والبصري. وهذا فعل سياسي بالضرورة، حتى لو ادّعى أصحابه النقاء المهني.

وبحسب الأشقر، فإن المشكلة ليست في الانحياز بحد ذاته، بل في طبيعته، وفي الجهة التي يخدمها، وفي البنية التي يُنتج داخلها. وهنا تميّز بين نوعين من الانحياز:
انحياز أخلاقي معلن، واعٍ، ينحاز للضحية وللحقيقة والسياق التاريخي، ولا يتخفى خلف أقنعة مهنية تساوي بين الجريمة وضحيتها؛ وانحياز بنيوي متخفٍّ، حيث يعمل الإعلام الغربي من داخل منظومة قوة سياسية واقتصادية واستعمارية، ويقدّم هذا الانحياز بوصفه "توازناً موضوعياً".

وذهبت الأشقر إلى حفر أعمق في مسألة من يُرى بوصفه إنساناً، ومن يُختزل في خطر، ومن يُمحى من الصورة أصلاً. هنا لا يعود الحياد قيمة مهنية، بل يتحوّل إلى أداة سياسية تُستخدم لتبرير الجريمة عبر مساواتها بالضحية، ولإفراغ اللغة من قدرتها على التسمية. 

 

العاطفة داخل الخبر: توجيه غير مرئي

وانتقل النقاش إلى ورقة الباحث جميل قروش، طالب الدكتوراه في دراسات الإعلام في معهد الدوحة للدراسات العليا، الذي رأى أن المشكلة لا تكمن فقط في ما يُقال داخل الخبر، بل في ما يُشعَر به. فالعاطفة ليست زائدة لغوية، بل إطار توجيه خفي.

ومن خلال تحليله لتغطيات "نيويورك تايمز" و"الغارديان" و"فوكس نيوز" خلال هدنة غزة، بيّن أن الإعلام الغربي مشحون بالعاطفة، لكنه يوزعها بظلم فادح. فالتعاطف والحزن والأمل صُرفت بكثافة على الإسرائيليين المُفرج عنهم: بأسمائهم، بصورهم، بعائلاتهم، بتفاصيل حياتهم اليومية. أما الفلسطينيون، فظهروا بصيغة الجمع، في سياق عام تحكمه لغة تبريرية أو هامشية.

الألم الإسرائيلي قُدم بوصفه مأساة إنسانية شخصية، بينما جرى التعامل مع الألم الفلسطيني بوصفه واقعاً معتاداً. وهكذا، لا يقول الإعلام للمتلقي صراحة مع من يتعاطف، لكنه يقوده ويدفعه برفق إلى جهة بعينها، تحت ستار قول الحقيقة من دون مصلحة أو سوء نية.

 

ممارسة استعلائية لا سوء فهم

ورفضت الصحافية الفلسطينية نضال رافع، والمحامية والمحللة السياسية ديانا بطو، توصيف ما يجري في الإعلام الغربي بوصفه سوء فهم أو تقصيراً مهنياً، واعتبرتاه ممارسة استعلائية ذات أجندة واعية. الفلسطيني يُشيطن، والإسرائيلي يُؤنسن. المحتل يُقدم في موقع الدفاع، والضحية تُسحب منها شرعية المقاومة التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية.

وفككت الورقة الادعاءات المتعلقة بعسكرة المستشفيات، مبينة كيف تجاهلت وسائل الإعلام الغربية الشروط القانونية الصارمة التي تجعل المنشآت الطبية أهدافاً عسكرية. ومع ذلك، جرى تمرير الروايات الإسرائيلية والترويج لها، فيما امتنعت التغطيات في بدايات الإبادة عن تسمية المجازر بأسمائها.

وبحسب الورقة، لم يكن ذلك مصادفة، بل نتيجة خوف مزمن: أي انتقاد لإسرائيل يُحوَّل فوراً إلى تهمة جاهزة بـ"معاداة السامية". وتحت هذا الخوف، جرى تسويق "وهم الوجهتين"، ووُضع الجلاد والضحية في كفتين متساويتين، وقُتل السياق حين كان الإعلام يبدأ القصة دائماً من 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، متجاهلاً تاريخ الحصار والاستيطان والقتل والتهجير.

 

إعادة تعريف التضامن

وجاءت الجلسة الثانية من المسار الثالث بعنوان "التضامن العالمي مع فلسطين"، حيث انتقل النقاش من نقد البنية الإعلامية إلى قراءة التحولات الكونية في بنية التضامن نفسها.

وقدم أربعة باحثين أوراقاً تقاطعت عند فكرة مركزية مفادها أن التضامن مع فلسطين لم يعد مجرّد تعاطف ظرفي أو حملة أخلاقية عاطفية، بل بات بنية فكرية وسياسية جديدة تعيد تشكيل خرائط الوعي العالمي، وتعيد موضعة القضية الفلسطينية في قلب النقاش الكوني حول العدالة والحرية والاستعمار.

ورأى المشاركون أن فلسطين خرجت من إطارها الإقليمي التقليدي لتغدو لغة سياسية مشتركة بين الحركات المناهضة للاستعمار، ومحفزاً لمراجعة الخطاب الليبرالي في الديمقراطيات الغربية، ومساحة التقاء بين نضالات متعددة، من الحركات الطلابية إلى قضايا السكان الأصليين والشتات.

 

الحراك الطلابي: ولادة وعي كوني

في هذا السياق، تناولت الباحثة ماري قرطام، من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في بيروت، الحراك الطلابي العالمي من أجل غزة بوصفه تجسيداً لوعي سياسي كوني جديد. واعتبرت أن التعبئة الطلابية بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تكن مجرد ردة فعل أخلاقية على مأساة، بل تحولاً بنيوياً في وعي جيل يعيد اكتشاف السياسة بوصفها ممارسة تحررية تتجاوز الدولة والمؤسسات.

وأشارت إلى أن ساحات الجامعات تحولت إلى فضاءات لكسر احتكار الخطاب الرسمي، ونشوء شبكات تضامن عابرة للهويات واللغات، تربط بين غزة ونضالات المهاجرين والمضطهدين في العالم، وتعيد إنتاج الفكرة المناهضة للإمبريالية بصيغتها المعاصرة.

وأوضحت الباحثة أن غزة أصبحت نقطة انكسار للنظام المعرفي والسياسي بعد انتهاء الحرب الباردة. ومن خلال دراسة الأحداث التي بدأت منذ إبريل/ نيسان 2024، حيث أقام طلاب جامعة كولومبيا مخيماً احتجاجياً، يجرى استكشاف تحول الجامعات إلى فضاءات للنقاشات حول العدالة والمعرفة النقدية، مع التركيز على ثلاث نقاط، هي: أن حرب غزة تكشف رموز الاستعمار والرأسمالية العنصرية؛ وأن الحركة الطلابية تعكس تحولاً من المطالب إلى مساءلة السلطة؛ وأن الجامعات ليست محايدة بل تعزز هيمنة معرفية.

 

فلسطين والمرآة الفرنسية

من جهتها، درست الباحثة مزنة الشهابي، من المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، كيف تحولت فلسطين إلى عنصر فاعل في الصراع السياسي الداخلي في فرنسا. وبينت أن القضية الفلسطينية لم تعد ملفاً خارجياً، بل أصبحت مرآة تكشف أزمات الهوية الجمهورية الفرنسية، وعلاقتها بالإرث الاستعماري والتعدد الثقافي والهجرة.

وأوضحت أن التضامن مع فلسطين غالباً ما يُؤطَّر بوصفه تهديداً للنظام العام، ما يطرح سؤالاً عميقاً حول حدود حرية التعبير في السياق الأوروبي، ويحول فلسطين إلى أداة تشخيص لأزمات الليبرالية الغربية.

وترى الشهابي أن فلسطين لم تعد تُستدعى بوصفها مجرد قضية إنسانية أو نزاع جيوسياسي في شرق بعيد، بل باتت تكشف عمق التصدعات في بنية الهوية الفرنسية نفسها، ومعنى "الجمهورية" حين تتقاطع مع مظاهر التعدد والهجرة والإرث الكولونيالي. فالتعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين غالباً ما يُؤطَّر ضمن خطاب الأمن العام والتهديد للنظام الجمهوري، ما يعيد طرح السؤال: لمن تنتمي حرية التعبير حين يتعلق الأمر بالمستعمرين السابقين ومستعمراتهم القديمة؟ هذه المقاربة تربط بين فلسطين والذاكرة الفرنسية، ليس من منظور التضامن فقط، بل من موقع التشخيص البنيوي لأزمات الفكر السياسي الغربي، حيث تتحوّل فلسطين إلى مرآة تكشف حدود الليبرالية الأوروبية في زمن الأزمات الأخلاقية.

 

فلسطين والسكان الأصليون: جرح واحد

وركز أستاذ علم الاجتماع في جامعة ماونت رويال الكندية مهند عياش، على التضامن بين الفلسطينيين والسكان الأصليين، معتبراً أن التجربتين تنبثقان من جرح استعماري واحد. وأوضح أن هذا التضامن يعيد موضعة فلسطين بوصفها حركة تحرر عالمية لا قضية استثناء.

وأشار إلى تنوّع أشكال التضامن بين المقاطعة وسحب الاستثمارات، والمخيمات الطلابية، والفعاليات الفنية، والورش الأكاديمية، وصولاً إلى أشكال أكثر مباشرة من الفعل السياسي.

ومن خلال مقابلاته مع نشطاء من الجانبين، يرسم عياش صورة لعلاقة تبادلية تنتج معرفة مشتركة جديدة قوامها فهم الاستعمار بوصفه بنية مستمرة لا حادثة تاريخية، وأن مقاومته تحتاج إلى تجاوز صيغ القانون الدولي إلى فضاء تحرري جذري يعيد للإنسان أصالته في الأرض والمعنى. وبهذا، تندرج فلسطين في قلب النقاش العالمي حول تفكيك الاستعمار الحديث، لا باعتبارها قضية استثناء، بل بوصفها نموذجاً مرجعياً يعيد تعريف العدالة في العالم "ما بعد الكولونيالي".
وبالنسبة للناشطين من السكان الأصليين، أشار عياش إلى أن تحركاتهم تنوعت بين إلقاء الكلمات في المسيرات والاحتجاجات، والتحرك المباشر كالمقاطعة والتعطيل، وتنظيم ندوات تثقيفية، وإقامة فعاليات فنية وموسيقية مشتركة، والمشاركة في مخيمات الطلاب، وتقديم عروض تراثية في الاحتجاجات ضد الإبادة الجماعية، وعقد فعاليات أكاديمية وورش عمل لتعريف مجتمعاتهم بفلسطين. في المقابل، تنوعت تحركات الناشطين الفلسطينيين بين المشاركة في فعاليات يقودها السكان الأصليون، ودعوتهم للتحدث في فعاليات فلسطينية، والتحرك المباشر للتعطيل، وحملات المقاطعة وسحب الاستثمارات في الجامعات، وجلسات المصالحة.

ولفت عياش إلى أن بعض الفعاليات ركزت على نضال السكان الأصليين، وأخرى على النضال الفلسطيني، بينما ركزت فعاليات أخرى على الترابط بينهما؛ وتنوعت بين جلسات حوار مفتوحة، وحلقات نقاش رسمية، ومناقشات مجتمعية، ولقاءات غير رسمية، وورش عمل افتراضية، وتظاهرات واسعة النطاق. وقد سلط العديد منها الضوء على أهمية اتخاذ أشكال أكثر مباشرة من العمل والتواصل المجتمعي.

 

ميدان الشتات

بدورها، تذهب فاني كريستو، من المعهد السويدي للشؤون الدولية في استوكهولم، إلى ميدان الشتات الفلسطيني في أوروبا لتتابع خطوط المقاومة الممتدة عبر القارات. في دراستها "إعادة تخيّل المقاومة وكسر الصمت عبر الحدود: حشد الشتات الفلسطيني في السويد بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023"، تقدم كريستو مقاربة إثنوغرافية دقيقة ترصد كيف تحوّل الفضاء العام السويدي إلى ساحة خطابية جديدة للمقاومة، تجمع بين الفن والسياسة والهوية.

وفي مدينة مالمو خلال مسابقة "يوروفيجن" في مايو/ أيار 2024، لم يكن الحضور الفلسطيني مجرد احتجاج على محرقة غزة، بل إعلاناً صريحاً عن ولادة أسلوب جديد من النضال الثقافي الذي يواجه السرديات المهيمنة من داخلها، وكانت لحظة محورية للمقاومة الفلسطينية العابرة للحدود. ورأت كريستو أن الفلسطينيين في مالمو يجسدون مقاومة عابرة للحدود، رابطين شوارعهم ومساحاتهم الرقمية بالنضالات العالمية. وتُؤكد الممارسات اليومية والرمزية (أشجار الذكرى، أعلام الشرفات) وجودهم؛ فالفلسطينيون في السويد يعيدون صياغة معنى الانتماء والمواطنة في عالم تغوّل فيه الخطاب الأمني على الحرية. ومن هنا تنبني حجتها بأن الشتات الفلسطيني يمثل فاعلاً أساسياً في مقاومة الاستعمار داخل فضاءات "الشمال العالمي"، حيث تتحول المسافات إلى جسور، والهوامش إلى مراكز إنتاج للمعنى والاحتجاج.
وفي زمن "الانكشاف الاستعماري المعولم"، تبدو فلسطين اليوم وكأنها تمسك بخيط سرّي يوصل بين طلاب الجامعات في الغرب، والمهاجرين في الشتات، والسكان الأصليين في الشمال، والنشطاء في الجنوب. هذا الخيط هو ما يعيد تعريف التضامن لا مجرد تعاطف، بل فعلاً مقاوماً وبناء لوعي جديد يربط المعاناة بالأمل، والذاكرة بالفعل، والفكر بالميدان.

ويقدّم المنتدى، بهذا المعنى، قراءة كونية جديدة للجرح الفلسطيني، لا باعتباره رمزاً للحزن، بل باعتباره مختبراً للمعرفة ومصدراً لإلهامٍ سياسي متجدد. ففلسطين تعود اليوم لتحتل موقعها المركزي في النقاش العالمي حول معنى الحرية، وتذكّر العالم بأن التحرر ممارسة مستمرة، وأن الاستعمار مهما تنكّر في صور جديدة يبقى هشاً أمام قوة الفكرة عندما تتحول إلى وعي جمعي متجاوز للحدود.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث