تشهد الخريطة الجيوسياسية في سوريا تطوّرات وتحولات نوعية استراتيجية متسارعة ولافتة، وآخرها بسط الجيش السوري سيطرته على منطقة شرق الفرات وانتزاعها من قبضة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والأهم إحكام سيطرته على المرافق والمنشآت الحكومية النفطية التي كانت إيراداتها تذهب إلى جيوب "قسد"، بحسب شهادة مسؤولين في البنتاغون الأميركي.
النفط السوري
في الحقيقة، كان النفط يشكّل العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل عام 2011، إذ بلغ الإنتاج نحو 380 ألف برميل يومياً، وكان يساهم بما يقارب 25٪ من إيرادات الدولة (الأرقام تعود لمنصة "L24" الإخبارية المستقلة).
وفي الإطار ذاته، ووفقاً لدراسات دقيقة أجرتها المؤسسة العامة للنفط عام 2010، قُدِّرت الاحتياطات النفطية في سوريا بنحو 27 مليار برميل من النفط، و678 مليار متر مكعب من الغاز، هذا دون احتساب احتياطيات المناطق البحرية.
لكن مهلا، فخلال حكم الديكتاتور بشار الأسد، خرجت معظم حقول النفط والغاز السورية في شمال شرق البلاد وشرقها عن سيطرة نظامه، إلى درجة أن ربع مساحة سوريا الواقعة شرق الفرات – بما فيه محافظة دير الزور الغنية بالموارد – كان يخضع لسيطرة "قسد" بدعم أميركي، متضمّناً أهم الحقول النفطية السورية.
وتبعاً لذلك، تراجع إنتاج النفط ـــ على ذمّة وزير النفط والثروة المعدنية السوري غياث دياب في حديث له مع شبكة "CNBC" عربية في 13 كانون الثاني/يماير 2025 ــــ من 385 ألف برميل يومياً عام 2010، إلى ما يقارب 110 آلاف برميل (حتى تاريخ دخول القوات الحكومية إلى مناطق "قسد")، موزَّعة ما بين 100 ألف برميل تُنتَج من الحقول التي كانت تسيطر عليها الأخيرة، و10 آلاف برميل تُستخرج من الحقول الخاضعة للسلطة الجديدة في دمشق.
الحقول النفطية المسترجعة من "قسد"
بالتوازي مع مسار التسوية، وبعد توقيع "قسد" تسوية شاملة وطويلة مع حكومة الشرع، انتهت المعارك التي خاضها الجيش السوري في 17 و18 كانون الثاني الجاري، ببسط نفوذه على حقول نفط وغاز إستراتيجية في شرق البلاد، ما لبثت أن تسلّمتها الشركة السورية للبترول، وأهمها:
1 ـــ حقل العمر: يُعدّ أكبر حقول النفط في سوريا من حيث طاقته الإنتاجية، التي بلغت قبل عام 2011 حوالى 80 ألف برميل يومياً، وبذلك شكّل العمود الفقري لصادرات النفط السورية. غير أنه ينتج حالياً نحو 20 ألف برميل يومياً، وفق "غلوبال إنيرجي مونيتور".
2 ـــ حقل التنك النفطي: تشير تقديرات غير رسمية (بحسب منصة "الطاقة" الإخبارية ومقرها واشنطن) إلى ان احتياطياته تتجاوز 250 مليون برميل من النفط الخام عالي الجودة. ولهذا يُعتَبَر من الحقول الرئيسية الواقعة في حوض الفرات النفطي شرق دير الزور، إذ كان ينتج 40 ألف برميل يومياً عام 2011، فيما يُقدَّر إنتاجه اليوم بنحو 1000 برميل، ويُصنَّف ضمن الحقول متوسطة الحجم ذات النفط الخفيف نسبياً.
3 ـــ حقل الجفرة النفطي: يقع شرق دير الزور، حيث انخفض إنتاجه من حوالى ألفي برميل يومياً قبل الحرب، إلى نحو ألف برميل يومياً تحت سيطرة "قسد".
4 ـــ حقل كونيكو للغاز: يقع شرق دير الزور، وكان أكبر معمل لمعالجة الغاز في سوريا قبل الحرب بطاقة إنتاج وصلت إلى حوالى 13 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، إلّا أنه توقّف عن العمل منذ سنوات نتيجة الأضرار التي أصابته وانسحاب الشركة الأميركية من الاستثمار فيه بعد سيطرة "قسد" عليه.
أما حقول رميلان والسويدية (محافظة الحسكة)، فتضمّان أكثر من ألف و300 بئر نفط و25 بئر غاز، وقد بلغ إنتاجها في ذروة ما قبل الحرب نحو 90 ألف برميل يومياً، لكن إنتاجها تراجع حالياً إلى حوالى 9 آلاف برميل يومياً فقط، بسبب نضوب المخزون وتقادم الآبار.
بدورها، تحوي حقول نفط الرقة، حقل الثورة جنوب غرب الرقة وعدداً من الحقول الصغيرة المجاورة مثل: (الوهب، الفهد، دبيسان، القصير، أبو القطط، وأبو قطاش قرب الرصافة). واللافت أن إنتاجها كان متواضعاً تاريخياً، بحيث لا يتجاوز بضعة آلاف برميل يومياً، فيما تنتج حالياً مجتمعة نحو ألفي برميل يومياً.
الجدير بالذكر أن هذا التحوّل الميداني أدّى إلى تجدّد اهتمام الشركات الدولية العاملة في القطاع، إذ تستعد شركة "غلف ساندز" (Gulfsands)، التي تمتلك حصة تشغيلية رئيسية في البلوك 26 الواقع في شمال شرق سوريا (محافظتا الحسكة ودير الزور)، لاستئناف أنشطة الاستكشاف والإنتاج مع تحسّن الظروف الأمنية.
ماذا عن إنتاج الغاز في سوريا؟
يُقدَّر الاحتياطي السوري من الغاز بحوالَي 240 مليار متر مكعب، 60٪ منها غاز مُصاحِب (أي الغاز الطبيعي الذي يوجد مع النفط الخام في المكمن نفسه ويخرج معه أثناء عملية استخراج النفط)، استناداً إلى بيانات رسمية حكومية من عهد نظام الأسد.
بالمقابل، أكّد وزير الطاقة السوري محمد البشير، في تصريح نقلته "وكالة رويترز"، في 14 كانون الأول الماضي، أن "سوريا تنتج حالياً قرابة 7 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً"، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذا الإنتاج يأتي من الحقول الواقعة أصلاً ضمن مناطق سيطرة الدولة، وخصوصاً وسط البلاد، بينما لم تسهم حقول الغاز في مناطق "قسد" سابقاً إلّا بحوالى 1.1 مليون متر مكعب يومياً قبل استعادتها. ومع دخول الحقول الجديدة ضمن الخدمة الحكومية مستقبلاً، يُتوقّع ارتفاع الإنتاج المحلي بشكل ملموس.
في المحصّلة، كانت الحقول النفطية المسترجعة من "قسد" مصدر تمويل رئيسي لإدارتها الذاتية، إذ حقّقت إيرادات تُقدَّر بنحو 150 مليون دولار سنوياً من خلال ترتيبات مقايضة مع الحكومة السورية السابقة والأهم عمليات بيع في السوق السوداء، حيث كان القسم الأكبر من النفط يتّجه نحو شمال العراق عبر طرق التهريب غير النظامية، بعد خلطه مع نفط أربيل.
