تكابر المنظومة الحاكمة في السويداء، والمؤلفة من شيخ العقل حكمت الهجري وميليشيا الحرس الوطني، على الإقرار بانهيار نموذج "قسد" للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، بمجرد أن تمّ رفع الغطاء الأميركي عنه، وهو الأمر الذي يُنجز تطاولاً على فكرة "الدولة الباشانية"، حيث يستثمر الهجري من خلالها إطالةً مفتعلة لأزمة السويداء، وتفرّداً بالرأي والقرار هناك.
الجنوب ليس الهدف التالي
ويرى عضو مؤتمر الحوار الوطني جمال درويش، أن المقارنة بين السويداء وشرق الفرات هي مقارنة تصحُّ من حيث البنية، وليس من حيث التفاصيل، ويضيف لـِ "المدن"، أن "قسد أدارت مساحات واسعة، وأشرفت على معابر حدودية، وحقول نفط وغاز، وسدود، وهذا شكل عبئاً على حكومة دمشق، وأعتقد أن هناك عملية مقايضة بين شرق الفرات، وبين الجنوب".
ويوضح درويش أن "ثمن استعادة الدولة السورية للنفط والقمح في شرق الفرات، سيكون مقابلهُ سيادةً منقوصة للحكومة السورية في الجنوب". ويستند في رأيه على مخرجات اجتماع "باريس 3" الذي أقرّ بأن يكون الجنوب السوري منزوع السلاح الثقيل، وأن إعادة تشكيل الخريطة السورية لم يعد يخضع للرغبات الوطنية، بل إلى اتفاق باريس، وبالتالي لن تكون السويداء والجنوب السوري هما الهدف التالي للحكومة السورية، بعد شرق الفرات.
انقلاب الدروز على الهجري
بينما يعتقد الكاتب والناشط المدني أدهم القاق، بأن "دروز السويداء سوف ينقلبون على الهجري، وعلى الحرس الوطني، وهذا سيعزز نفوذ المسار الوطني في السويداء، مدفوعاً بما تحقق من انتصار في شمال وشرق الفرات".
ويقول القاق لـِ "المدن"، إن "الحكومة الانتقالية تستطيع الاستعانة بنصوص اتفاقات كالتي أبرمتها أخيراً مع قسد، وقبلها الاتفاقات التي تم تنفيذها في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق، لتكون إطار عمل حكومي داخل السويداء، ضمن اشتراطات أساسية كسيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، ووحدة الشعب السوري، وهما اشتراطان أساسيان لإتمام المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى ضرورة أن يكون السلاح داخل نطاق الدولة السورية فقط"، معتبراً أن "مصير السويداء هو العودة إلى الوطن، والاعتراف بسيادة الحكومة الانتقالية".
الهجري بعد خسارة قسد
ويرى الصحافي والإعلامي فؤاد عزام، بأن الهجري الذي استولى على قرار السويداء، وقمع جميع الأصوات التقليدية والنخب، ويحكمها بالقوة من خلال ميليشيات الحرس الوطني، "بات يشعر بأنه في مأزق كما السويداء، بسبب خسارته قسد، حتى وإن كانت تستخدمه كورقة تفاوضية فيما سبق، وأيضاً إسرائيل التي أرسلت إشارات حول تنصّلها منه، بعد أن تقدمت في مفاوضاتها مع الحكومة السورية".
ويضيف عزام لـ"المدن"، أن "الهجري، بسبب عقليته المغلقة بوصفه رجل دين، لا يتقن قراءة المتغيّر النسبي في السياسة، قد يلجأ إلى ربط مصيره بالأهالي، بمعنى الاحتماء بهم، واستخدامهم، وفي هذه الحالة سيعمل على تشديد قبضته الأمنية لقمع الأصوات التي تريد إخراج السويداء من أزمتها المتفاقمة".
ويتوقع عزام أن تظهر أصوات من داخل السويداء رغم سياسة القمع هناك، وتختار أن تتجه لطرح حلول بغية الخروج من الأزمة، وفي أجواء قبول خريطة الطريق، لتجنيب المحافظة تبعات مواقف الهجري.
السويداء ليست شرق الفرات
فيما يتحدث القيادي في حزب "شباب الاستقلال" محمود السكر، بأنه يتم حالياً تقييم التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا من قبل الجهات الفاعلة في السويداء، واعتبارها قراراّ أميركياً بعودة "قسد" إلى حجمها الديموغرافي في مناطق الأكراد. ويقول لـِ "المدن"، إن قسد لم تخُض معركة حقيقية، بل انسحبت إلى داخل المناطق الكردية.
ويضيف أن "الوضع في السويداء منفصل عن الوضع الكردي، باعتبار أن الأكراد يخضعون لمنطقة نفوذ تركي. بينما الجنوب السوري يُعتبر منطقة نفوذ إسرائيلي يخضع بشكل أساسي للمفاوضات بين إسرائيل وسلطة دمشق، والتي كان آخرها لقاء باريس".
ووفق كلام السكر، فإن قرار السويداء هو في حق تقرير مصيرها شعبياً، وتحرير الأرض، وضمان حقوق المتضررين، وعودة المخطوفين.
