"داعش".. من ورقة إلى عبء

خاص - المدنالجمعة 2026/01/23
Image-1769191876
عناصر من "داعش" فروا من سجن الشدادي ( Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تعد ورقة "محاربة داعش" صالحة للاستخدام السياسي أو الأمني. الذريعة التي شكّلت طوال سنوات حجر الأساس في شرعية قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إقليمياً ودولياً، استُهلكت بالكامل، وسقطت مصداقيتها مع أول اختبار فعلي لقدرتها على إدارة أخطر ملف أمني في شمال وشرق سوريا: ملف السجون والمعتقلات. لم يكن هذا السقوط تدريجياً أو نظرياً، بل فجائياً، ميدانياً وموثقا، بحيث بات من الصعب على أي جهة دولية الاستمرار في التعامل مع "قسد" بوصفها "الضامن الضروري" لمنع عودة التنظيم.

ما جرى في سجن الشدادي شكّل لحظة فاصلة، لا لأنها كشفت ثغرة أمنية فحسب، بل لأنها أطاحت بالبنية السياسية التي قامت عليها "قسد" منذ عام 2015: شريك محلي لا بديل عنه في الحرب على داعش. هذه الفرضية انهارت، ومعها تهاوى أحد أعمدة التفاوض التي استندت إليها "قسد" في علاقتها مع الحكومة السورية والتحالف الدولي على حد سواء.

 

الخريطة التي قالت ما لم يقُله الاتفاق

لم تكن الخريطة التي نشرتها وزارة الدفاع السورية مجرد ملحق بصري لاتفاق سياسي، ولا وثيقة تقنية لتوضيح خطوط انتشار. كانت، في جوهرها، وثيقة سيادية مكتوبة بلغة الجغرافيا، أعادت تعريف ما هو متفق عليه، وما جرى تأجيله عمداً في نص الاتفاق الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي.

فاللغة العامة للاتفاق، كما هو شائع في مراحل الانتقال، جاءت فضفاضة وقابلة للتأويل. لكن الخريطة أغلقت هذا الهامش، وحددت بوضوح أن التسليم العسكري لا يشمل محافظة الحسكة، بل يقتصر على الرقة ودير الزور، مع تثبيت وضع خاص لمدينة عين العرب (كوباني). هذه ليست تفصيلة تقنية، بل تعبير عن مقاربة مرحلية تقوم على تفكيك النفوذ على مراحل، لا على دمجه أو تقنينه.

غير أن الجغرافيا ليست مركز الثقل الحقيقي. النقطة الأهم كانت في البنود الأمنية غير المعلنة صراحة في الخطاب العام، والمتعلقة بملف السجون. فالاتفاق، عملياً، أبقى "قسد" ككيان مؤقت، مرتبط بتنفيذ التزامات محددة، أبرزها تسليم ملف الضباط، إخراج قيادات حزب العمال الكردستاني من سوريا، وعدم استيعاب فلول النظام السابق، تمهيداً لمرحلة الدمج الفردي في وزارتي الدفاع والداخلية.

هذا الترتيب يفترض درجة عالية من الانضباط والقدرة على السيطرة. وهو افتراض انهار مع أول اختبار حقيقي.

 

سجن الشدادي: من الخلل إلى الانكسار

في صباح 19 كانون الثاني/يناير الجاري، خرج سجن الشدادي عن سيطرة "قسد". الروايات تضاربت، والبيانات تكاثرت، لكن النتيجة واحدة: أحد أخطر سجون "داعش" لم يعد تحت السيطرة. تحدثت "قسد" عن هجوم منسق، وعن تقاعس التحالف الدولي، فيما أكدت الحكومة السورية أن عملية الإفراج تمت عمداً، وأن عدد الهاربين محدود وأُلقي القبض على معظمهم.

بعيداً عن الجدل حول الأرقام والجهة المهاجمة، فإن الحدث بحد ذاته شكّل خطأً استراتيجياً فادحاً. فملف السجون، وخصوصاً سجون داعش، كان الورقة الأثقل التي لوّحت بها "قسد" لسنوات لتثبيت دورها الدولي. مع سقوط هذه الورقة ميدانياً، تحوّلت من "حارس" إلى مشكلة أمنية بحد ذاتها.

 

شبكة السجون: عبء أكبر من قدرة فصيل محلي

لا يمكن فهم خطورة ما جرى في الشدادي دون النظر إلى الصورة الأوسع. في الحسكة والقامشلي وحدهما، توجد عشرات السجون ومراكز الاحتجاز، تضم ما يقارب تسعة آلاف عنصر من "داعش"، إضافة إلى معتقلين سياسيين وموقوفين جنائيين. من سجن غويران (الصناعة) إلى السجن الأسود في ديريك، ومن الشدادي إلى جركين، نحن أمام شبكة احتجاز تتطلب دولة، لا تنظيماً مسلحا متعدد الولاءات.

إدارة هذا الملف تحتاج إلى جهاز أمني مركزي، منظومة رقابة، قضاء وسلسلة أوامر واضحة. أي خلل في واحدة من هذه السجون لا يبقى محصوراً في موقعه، بل يفتح الباب أمام تفاعلات متسلسلة تبدأ بالفوضى ولا يُعرف أين تنتهي.

انتشار القوات الأميركية حول سجن الصناعة في الحسكة بعد أحداث الشدادي، لا يمكن قراءته بوصفه دعماً لـ"قسد"، بل إجراءً احترازياً متأخراً، هدفه منع الانهيار الشامل. وهو يعكس قلقاً دولياً من انتقال عدوى الفوضى، أكثر مما يعكس ثقة بقدرة "قسد" على الاحتواء.

 

نقل "أشبال الخلافة": خطوة مثيرة للقلق

خلال الساعات الماضية، قامت "قسد" بنقل عدد من السجناء المعروفين باسم "أشبال الخلافة"، من سجن تل معروف إلى مدينة القامشلي محافظة الحسكة.

هذه الخطوة قد تعكس رغبة "قسد" في تعزيز الرقابة المركزية على السجون التي تضم عناصر مصنفة عالية الخطورة، خصوصاً في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والميدانية.

قد ترتبط هذه التحركات بمخاوف من تغيّر الوضع الأمني في المناطق الطرفية، ما يدفع "قسد" لسحب السجناء من مواقع أقل تحصيناً نحو مراكز تعتبر أكثر أماناً.

نقل هؤلاء العناصر إلى مدينة كالقامشلي، يزيد من حساسية الوضع لدى السكان المحليين، خصوصاً مع تاريخ الهجمات ومحاولات الفرار السابقة. هذه الخطوة قد تؤدي إلى تفاقم المخاوف الأمنية لدى الأهالي، وتشكل عبئاً إضافياً على قدرة "قسد" على السيطرة على الأمن المحلي.

 

من "حارس الوحش" إلى فقدان الشرعية

بنت "قسد" سرديتها على فكرة أنها تحرس وحشاً مكبلاً اسمه "داعش"، وأن العالم مضطر للاعتماد عليها لأنها الوحيدة القادرة على ضبطه. لكن هذا الدور كان دائماً مزدوجاً وملتبساً. فمن جهة، كانت "قسد" تستثمر وجود التنظيم لإبقاء الدعم الدولي، ومن جهة أخرى، كانت تدير السجون والمخيمات بإهمال متعمد، سمح بإعادة إنتاج الخلايا والفساد وشبكات التهريب.

هذا التناقض لم يعد قابلاً للاستمرار. فحين يفشل "الحارس" في منع الهروب، يصبح الخطر مضاعفاً. وهنا، بدأت الشرعية بالتآكل، لا بسبب خصوم "قسد"، بل بسبب أدائها.

الأهم من كل ذلك هو التحول في المقاربة الإقليمية. التنسيق المتصاعد بين دمشق وبغداد بشأن خطر تسلل عناصر "داعش "لا يعكس فقط مصلحة أمنية مشتركة، بل تحولاً في النموذج: من "الدولة–الميليشيا" إلى "الدولة–الدولة". في هذا النموذج، لا مكان طويل الأمد لقوة مسلحة لا تستطيع ضبط مناطقها أو إدارة أخطر ملفاتها.

 

المهلة ونقل السجناء: ما وراء التأجيل

تأجيل معركة الحسكة ومنح "قسد" مهلة أربعة أيام لم يكن خطوة سياسية بحتة، بل إجراءً أمنياً محسوباً. الهدف الأساسي كان نقل سجناء "داعش" خارج مناطق التماس. فإعلان القيادة المركزية الأميركية عن نقل 150 عنصراً إلى العراق، وإمكانية نقل ما يصل إلى سبعة آلاف، يؤكد أن الملف خرج عمليا من يد "قسد"، وبات يُدار دوليا بالتنسيق مع دمشق وبغداد هذا التطور ينسف أي ادعاء بامتلاك "قسد" لورقة ضغط في هذا الملف.

تقف "قسد" اليوم أمام خيارين واضحين:

المسار السلمي الذي يضمن دخول الجيش السوري إلى الحسكة، وتسلّمه حماية السجون، وانتشار قوى الأمن العام وعودة مؤسسات الدولة.

والمسار القسري الذي يفرض السيطرة بالقوة، بدعم أميركي–تركي، في حال استمرار الرفض والتعنت.

الأمر ذاته ينطبق على القامشلي، حيث بات معبر نصيبين والملف الأمني جزءاً من معادلة سيادية لا تحتمل المراوحة أو المساومة.

 

ما بعد الورقة الأخيرة

لم تعد "قسد" تملك أوراق قوة حقيقية. فقدت معظم نفوذها الاقتصادي، تراجعت سيطرتها العسكرية، وسقطت ورقة "داعش". ما تبقى هو إدارة أزمة، لا صناعة حل. ومحاولة استخدام السجون والمخيمات كورقة ابتزاز أخيرة قد تتحول إلى اللغم القاتل الذي يسرّع انهيارها السياسي.

التحول جارٍ بصمت، نحو إعادة مركزية الملف الأمني. ومن يسيء إدارة القوة، يفقد شرعيته قبل أن يفقد أرضه. وفي سوريا ما بعد الأسد، لم يعد المجتمع الدولي مستعداً للتعايش مع "حراس الفوضى"، مهما طال أمدهم.

من يخسر ورقة "داعش"، يخسر القدرة على فرض الشروط. ومن يعجز عن إدارة السجون، يعجز عن ادعاء الشراكة. أما الدولة، حين تعود، فلا تفاوض على السيادة… بل تستعيدها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث