تقرير: "مجلس السلام" يضع العلاقات الأميركية الإسرائيلية بخطر

المدن - عرب وعالمالجمعة 2026/01/23
ترامب ونتنياهو Getty.jpg
مجلس السلام يعرض العلاقات الأميركية الإسرائيلية للخطر (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

رأت صحيفة "هآرتس" العبرية، أن قائمة الدول التي أعلنت استعدادها للانضمام إلى "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، آخذة في الاتساع، لكنها لا تزال بعيدة عن إشباع شهيته بالكامل. 

وفق الصحيفة، فإنه حتى صدور إعلان التأسيس الرسمي لـ"مجلس السلام"، ستنضم دول أُخرى إلى هذا المنتدى، غير أن المشاركة فيه باتت أقرب إلى كونها لفتة اعتراف بتفوّق سيطرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الدبلوماسية العالمية، وأقلّ من كونها إطاراً يمكن أن يفضي إلى حلّ واقعي لغزة، وهي السبب الجوهري لإنشاء المجلس.

 

"إنجاز قائم بذاته"

وأوضحت الصحيفة "عموماً، يبدو كأن إقامة هذا المنتدى تحولت إلى إنجاز قائم بذاته، في نظر ترامب: رافعة لإنشاء كيان منافس، موازٍ للأمم المتحدة، أو متفوق عليها، بقيادة الولايات المتحدة. فالخلافات بين ترامب والدول الأوروبية، وامتناع بعض هذه الدول، وفي مقدمتها فرنسا والسويد والنرويج، من الانضمام إلى المجلس بسبب أسلوب تعامُل الرئيس مع حلفائه، تتيح الاستنتاج أن غزة تحديداً، وفلسطين عموماً، باتتا قضيتَين ثانويتَين، مقارنةً بالتهديد الذي يمثّله ترامب حين يقسّم العالم إلى مَن معه ومَن ضده. هكذا تُدار لعبة شدّ الأذرع العالمية فوق رؤوس مئات الآلاف من سكان الخيام في غزة، الذين لا يعرفون أيّهم سينجو في الشتاء، ولا كيف يمكن لهرم المجالس واللجان والآليات، التي يُفترض أن تدير القطاع، أن يوفر أيّ أفق لحياتهم".

وأضافت الصحيفة أن الدول التي ستنضم إلى المجلس ليست كلها مستعدة لدفع رسم العضوية الضخم، البالغ مليار دولار، أو قادرة على ذلك، في مقابل الحصول على مقعد دائم في ذلك المجلس، ويعود ذلك، من بين أمور أُخرى، إلى عدم وضوح وجهة هذه الأموال، بعد أن أوضح البيت الأبيض أنها غير مخصصة لإعادة إعمار غزة؛ ترامب يأمل في الحصول على هذه الأموال من "مصادر أُخرى"، غير أن هذه "المصادر الأُخرى" لا تزال غامضة هي أيضاً. ولا يزال الافتراض الذي رافق المشروع منذ إعلان "خطة النقاط العشرين" بحاجة إلى إثبات، وهو افتراض مفاده بأن دول الخليج الغنية ستوافق على التمويل بمليارات الدولارات اللازمة لإعادة إعمار القطاع.

وبحسب "هآرتس"، فإنه حتى الآن، لا يستند هذا الافتراض إلى التزام رسمي وعلني، فضلاً عن دعم محدد بالأرقام والدولارات، وفي هذا السياق، من المهم التذكير بأن السعودية، الدولة التي أُطلقت فيها "خطة النقاط العشرين"، انضمت فعلاً إلى المجلس في اللحظة الأخيرة، لكن يجدر التوقف عند البيان الذي أصدرته الحكومة السعودية يوم الثلاثاء خلال الجلسة التي ترأسها الملك سلمان، ففي البيان المفصل، رحبت الحكومة بإعلان ترامب بشأن إنشاء "مجلس السلام"، وببدء المرحلة الثانية من "خطة السلام الشاملة"، إلى جانب "بدء عمل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة"، لكن البيان خلا تماماً من أي ذِكر لنية الانضمام إلى "مجلس السلام".

 

السعودية وتثبيت وقف النار

في المقابل، شددت السعودية على "ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف خروقاته (من جانب إسرائيل) وضمان دخول المساعدات الإنسانية من دون قيود، وتهيئة تسلُّم السلطة الفلسطينية مسؤولية إدارة غزة، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق قيام دولة فلسطينية مستقلة، وفق قرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية ومبدأ حل الدولتين." وأوردُ هذا البيان هنا بشكل شبه كامل، لأن السعودية ترسم فيه، بلغة واضحة، حدود الفجوة العميقة بين موقفها وبين الواقع الذي تطالب بتغييره على الأرض، إذا أراد ترامب أن تكون شريكاً مسؤولاً يتحمل أيضاً عبء تمويل حلّ المشكلة الغزية. يحتوي البيان السعودي على جميع العناصر التي تعارضها إسرائيل، وهو يذكّر ترامب، قبل كل شيء، بالتفاهمات التي تم التوصل إليها معه في واشنطن، وفي مقدمتها ضرورة وجود مسار قابل للاستدامة يقود إلى إقامة دولة فلسطينية.

وتابعت الصحيفة أن السعودية ليست طرفاً موقّعاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي وُقِّع في شرم الشيخ، وبخلاف قطر ومصر وتركيا، فهي ليست من الدول الضامنة لتنفيذه. ويبدو كأنها، حتى بعد إعلان انضمامها إلى "مجلس السلام"، ستنتظر لترى كيف سيواصل ترامب إدارة هذا العرض بعد انتهاء خطابات المديح والتملق في دافوس، قبل أن تحدّد طبيعة مشاركتها. ومن خلال تأجيل إعلان موقفها، أوضحت أنها لا تنوي أن تكون "دولة زينة" على حزام ترامب. وفي مقابل شراكتها الحيوية، لن تكتفي بمقعد في مجلس يحتفظ فيه ترامب بحق النقض لجميع قراراته. صحيح أن الإمارات وقطر قادرتان على ملء الفراغ الذي تتركه السعودية فيما يتصل بتمويل الخطة، لكن معنى ذلك عودة قطر لتكون المموِّل لغزة، بكل ما يحمله ذلك من تبعات سياسية.

ووفق "هآرتس" فإن المال ليس العائق الوحيد أمام "مجلس السلام"؛ ففي يوم الجمعة الماضي، أعلن البيت الأبيض قرار ترامب بشأن تعيين الجنرال جاسبر جيفرز، قائد القوات الخاصة في القيادة المركزية، على رأس "قوة الاستقرار الدولية" لغزة، وجاء في تعريف ولايته أنه "سيقود عمليات أمنية، ويساعد على نزعٍ شاملٍ للسلاح، ويضمن النقل الآمن للمساعدات الإنسانية ومواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار."

ولا يوضح مصطلح "العمليات الأمنية" طبيعة النشاط الأمني، ولا أسلوب العمل، ولا تعريف العدو، ولا قواعد فتح النار. والأكثر أهميةً منه تعبير "يساعد على نزع السلاح"، فنوع هذه "المساعدة" غير واضح، ولا الجهة التي ستقَّدم لها. وعبّرت دول عديدة في الأشهر الأخيرة عن استعدادٍ مشروط، متحفّظ، وغامض أساساً، للمشاركة في القوة المتعددة الجنسيات، وتراجعَ بعض هذه الدول لاحقاً، وعملياً، لا تزال هذه القوة غير قائمة، حتى إن تركيا، التي أفيدَ في تشرين الثاني/نوفمبر الفائت بأنها بدأت بتدريب 2000 مقاتل للمشاركة في القوة المتعددة الجنسيات، لم تتخذ قراراً نهائياً في هذا الشأن حتى الآن؛ أمّا بنغلادش، التي أعربت عن استعدادها للانضمام إلى القوة قبل أسبوعين، فلم توضح بعد الشروط، ولا عدد الجنود. وفي ظل غياب مصادر تمويل مضمونة ومتفق عليها، ومن دون قواتٍ تؤمّن النشاط الإداري لـ"مجلس الخبراء" الفلسطيني، يبدو "مجلس السلام" بتفرعاته الآن، كأنه هيكل من السقالات، لا يُعرف مدى ثباته.

 

"بناء ميغالوماني"

وأشارت الصحيفة إلى أن على هذه الخلفية، يحق التساؤل عمّا إذا كان هناك أصلاً حاجة إلى مثل هذا البناء الميغالوماني، المثقل بالتنافسات السياسية والتناقضات الإدارية، التي قد تفخخ الهدف الفوري: إعادة إعمار نصف غزة؛ فبعد فرض وقف إطلاق النار على إسرائيل، فإن البديل لإدارة القطاع المدنية موجود في رام الله، كما أن "خطة النقاط العشرين" نصّت أساساً على نقل السيطرة على غزة إلى السلطة الفلسطينية، بعد تنفيذ سلسلة من الإصلاحات، لكن إصرار إسرائيل على منع السلطة من إيجاد موطئ قدم لها في غزة أوصلها إلى وضعٍ باتت فيه الولايات المتحدة هي التي تحدد قواعد اللعبة والإنجازات التي تسعى للحصول عليها، وهي لا تتطابق بالضرورة مع مصالح إسرائيل.

وخلصت الصحيفة إلى ان تهديد "حماس" لم يزُل بعد، والتنظيم يواصل ترسيخ وجوده في منطقة ليست خاضعة لسيطرة إسرائيل، لكن شروط بقائه باتت الآن مرهونة بهامش المرونة الذي سيمنحه له ترامب، وبالطريقة التي سيعرَّف بها مصطلح "نزع السلاح" (أو تجريد التنظيم من سلاحه)، وهكذا يتعاظم احتمال التصادم بين إسرائيل وترامب، وبدلاً من أن يكون نزاعاً محلياً، ربما تجد إسرائيل نفسها في مواجهة جبهة دولية يكون تأثيرها فيها محدوداً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث