ليس ترفاً سياسياً ولا تطوراً يمكن وصفه بأنه خارج السياق، أن تراقب بغداد ومعها أربيل بكثير من القلق والترقب تطور الأحداث التي شهدتها سوريا في الأيام الماضية. فقد أثبتت أحداث السنوات الماضية، خصوصاً منذ إنطلاق الثورة السورية في العام 2011، أن البلدين اللذين يرتبطان بشريط حدودي يصل إلى 600 كيلومتر، يتاثران كثيراً بما يجري خلف الحدود، ليس سياسياً فحسب بل أمنياً واجتماعياً.
في بغداد، كان الجميع يراقب عن كثب ما يجري في مناطق شرقي نهر الفرات في سوريا التي لا تبعد سوى مرمى حجر عن الحدود المشتركة. فقد خضعت هذه المناطق لسنوات لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وتكتسب هذه المناطق أهمية خاصة لأنها تضم سجون يتواجد فيها الآلاف من عناصر تنظيم "داعش" الذين تم اعتقالهم في سنوات سابقة. قسم كبير من هؤلاء كان قد تمكن من الفرار من العراق بعد نجاح القوات العراقية من استعادة كل الاراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم قبل نحو عقد من الزمن.
شكل تطور الأحداث داخل سوريا والمواجهات المسلحة بين القوات الحكومية التي سعت إلى استعادة هذه المناطق من سيطرة "قسد" بحسب إتفاق العاشر من آذار بين الطرفين، قلقاً كبيراً للسلطات العراقية التي كانت تخشى أن يتسبب هذا الأمر بفقدان السيطرة على هذه السجون وفرار السجناء.
درء الخطر باحتوائه
كان الموقف الرسمي العراقي واقعياً، حافظت فيه بغداد على تواصل مع دمشق وعبرت عن موقف متفهم لما يجري. أعلنت الحكومة العراقية أن الاستقرار في سوريا يمثل "أولوية وطنية وإقليمية" وأن "تعايش المكونات السورية بسلام هو ضمانة لأمن المنطقة".
إلا أن الموقف "غير الرسمي" لم يكن كذلك، وهو الموقف الذي تمثله أطراف سياسية يمتلك بعضها قوى مسلحة لا تتطابق مواقفها مع الموقف الرسمي، خصوصاً فيما يتعلق بالشأن السوري. فقد عبّرت هذه القوى في بدايات الأزمة عن موقف متشنج تسبب بتحشيد إعلامي واضح ساهم بشحن وتوتر الداخل العراقي، وهو موقف لا يختلف كثيراً عن كل المواقف السابقة لهذه القوى ومنذ انتصار الثورة السورية قبل أكثر من عام.
وتحسباً لأي تداعيات غير محسوبة، عمدت السلطات العراقية إلى نشر قوات عسكرية على طول الشريط الحدودي بين البلدين، التي تم تحصينها باجراءات أمنية مشددة منذ سنوات تحسباً لمثل هذا اليوم.
وفي تطور شكل خطوة متقدمة ومفاجئة في سير هذه الازمة، وافقت بغداد على نقل سجناء تنظيم "داعش" إلى أرضيها.
وإذا كان الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة قد وصف القرار بأنه محاولة "لتطويق انتشار هؤلاء الذين يُعدّون من قيادات المستوى الأول" في التنظيم، فإن وكيل وزارة الهجرة العراقية كريم نوري قال إن هذا القرار يمثل "أفضل الخيارات" حيث ستتم محاكمة هؤلاء وفق القانون العراقي.
بلغ عدد الذين تمت إعادتهم في الوجبة الأولى، 150 شخصاً، بينهم عراقيون وأجانب. ولم يعلن حتى الآن فيما إذا كان العراق قد وافق على استقبال كافة السجناء. لكن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) قالت إنها معنية بنقل هؤلاء الذين يصل عددهم إلى سبعة الاف، وهذا يعني كل المحتجزين.
الموقف القانوني
تحفظت قوى عراقية على القرار، ورأت في تواجدهم داخل العراق تطوراً غير محمود العواقب. لكن قوى أخرى قالت إن نقلهم إلى العراق، إضافة إلى كونه "فرصة مؤاتية" لمحاكتهم والتخلص منهم، فهو يمثل أيضاً خطوة بالاتجاه الصحيح تجنباً لما قد يحدث من مضاعفات وتداعيات مستقبلية بشأن هذا الملف داخل سوريا، خصوصاً مع احتمال استمرار الصراع الحالي وتصاعده.
أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي، أنه سيباشر اتخاذ الإجراءات القضائية ضد من سيتم نقله إلى العراق وبغض النظر عن جنسياتهم، لأنهم أصبحوا "خاضعين لسلطة القضاء العراقي".
ومن شأن هذه الخطوة أن تتسبب بتعقيدات قانونية، خصوصاً وأن الكثير من هؤلاء لا يحملون الجنسية العراقية، وأن القضاء العراقي سبق وأصدر العديد من الأحكام المتشددة ضد عناصر من التنظيم كانت القوات العراقية قد اعتقلتهم في سنوات سابقة. ووصلت العديد من تلك الأحكام إلى الإعدام والسجن المؤبد.
وبعيداً عن موضوع السجناء من عناصر التنظيم، فالعراق لا يزال ينظر بكثير من القلق إلى مخيم الهول بمحافظة الحسكة السورية، والذي يضم عشرات الآلاف من عائلات مقاتلي التنظيم من الأجانب ومعظمهم من النساء والأطفال، ويقع وعلى مسافة لا تبعد سوى مسافة 13 كيلومتراً عن الحدود العراقية.
مثّل هذا المخيم لسنوات عديدة، مشكلة كبيرة للسلطات العراقية التي دعت في أكثر من مناسبة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته، وإلى سحب رعاياه الذين ينتمون ألى أكثر من ستين دولة. والرغم من أن عدد من الدول استجابت للدعوة، ألا أن الكثير من الدول، خصوصاً دول أوروبا، رفضت سحب رعاياها.
موقف أربيل
قدمت أربيل نفسها لتكون طرفاً فيما يجري في سوريا وحل الأزمة فيها. استضافت أربيل مع أول أيام تفجر الأزمة، اجتماعاً ضم مبعوث الرئيس الأميركي إلى سوريا ولبنان توم باراك، وحضره الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ورئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني، إلى جانب زعيم "قسد" مظلوم عبدي.
تحدثت مصادر عن أن الاجتماع لم يكن ودياً، وأن باراك كان حاداً في موقفه، وأنه عرض على الحضور وبالذات على عبدي، أن يقبل بتسليم كل الأراضي التي كانت تقع تحت سيطرة "قسد" إلى الحكومة السورية، والى القبول بدمج أفراد قواته مع القوات الحكومية كمواطنين يتمتعون بكامل الحقوق في سوريا الجديدة، وكما تضمنه إتفاق 18 كانون الثاني/يناير الجاري.
لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، فقد صرح باراك بعد الاجتماع، أن "قسد" لم تعُد قوة رئيسية لأميركا ولا للتحالف الدولي، وأن دمشق باتت الشريك المؤهل للعب هكذا دور.
شكل هذا الموقف الأميركي صدمة ليس فقط لـ"قسد"، بل لأكراد العراق أيضاً، الذين رأوا في هذا الموقف تخلٍ أميركي عن حليف مهم لهم لطالما قاتل معهم في محاربة "داعش" وقدّم الكثير من التضحيات.
وفي محاولة لاحتواء الموقف، دعا مسعود البارزاني أطراف الازمة في سوريا، إلى الحوار والتفاوض باعتبارهما السبيل الوحيد لتجاوز الأزمة. ويؤكد مقربون أن أربيل تدعم أي مسار تفاوضي يضمن حصول مواطني "كردستان سوريا" على حقوقهم شريطة تضمينها للدستور السوري باعتبارهم مكون من مكونات الشعب السوري. ومصطلح "كردستان سوريا" يستخدمه بعض زعماء الأكراد في كردستان العراق، في إشارة إلى المناطق التي يتواجد فيها الأكراد في سوريا.
تعقيدات هذا المسار لن تنتهِ عند هذا الحد. فالعراق الرسمي الذي أعلن قبل أكثرمن عام دعمه المتحفظ للتحولات التي شهدتها سوريا، لا يزال يقف داعماً لسوريا ولوحدتها وإستقرارها، وهو يرى في هذا الموقف تطوراً لا بد منه لضمان عدم حدوث أية انزلاقات في بلد يتفق كثيرون على أن أي تداعٍ فيه، سيؤثر سلباً على كل الإقليم، خصوصاً الداخل العراقي.
هذا الموقف لا يحظى بما يستحق من الدعم، خصوصاً من قبل قوى سياسية عراقية لها امتداتها المسلحة، ولا تزال تنظر بعين الريبة إزاء ما يحدث في سوريا، حيث تقف العقيدة والأيدلوجية لهذه القوى في الطرف النقيض لسوريا الجديدة، وحيث باتت القوات الحكومية لسوريا تسيطر على كامل أراضيها التي تقع على الحدود المشتركة بين البلدين.
وإذا كانت بغداد قد عبّرت عن موقف متفهم مع دمشق ومتضامن بشكل أو بآخر، فإن الموقف الكردي في أربيل كان مختلفاً تماماً. فقد أعلنت أربيل منذ البداية رفضها لما انتهت إليه الأزمة، خصوصاً موقف دمشق من "قسد". كما عبرت عن رفضها وصول الأزمة إلى حد المواجهة المسلحة.
ودعا زعيم الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني إلى العودة للاتفاقيات التي كانت قد أُبرمت في وقت سابق بين "قسد" والحكومة السورية. ووصف بارزاني المرسوم الذي أعلنه الرئيس السوري بشأن حقوق الأكراد، بأنه خطوة إيجابية للمضي بالاتجاه الصحيح، ويمكن أن تمثل "ركائز تضمن حقوق الشعب الكردي في سوريا على أسس قانونية ودستورية".
