تعود الحياة إلى طبيعتها في أحياء الأشرفية وبني زيد والشيخ مقصود التي دخلتها القوات الحكومية أخيراً في مدينة حلب، بعد السماح بعودة الأهالي إلى منازلهم وافتتاح المراكز التجارية والحيوية وبدء المؤسسات الحكومية بإزالة مخلفات وآثار الحرب، وبذلك يعاد افتتاح هذه الأحياء بعد نحو عشر سنوات من عزلتها عن محيطها من مناطق مدينة حلب.
وحتى اليوم، لا تزال تتوافد قوافل النازحين التي تسيرها الهيئة المركزية في حلب، وعودة للأهالي الذي خرجوا باتجاه الأحياء المحيطة، بعد إعلان قوات الجيش السوري فتح ممرات آمنة للسكان قبل اقتحام المنطقة وإخراج وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي.
وخلافاً لما شهده حي الشيخ مقصود شمال مدينة حلب من اشتباكات عنيفة استمرت عدة أيام، فإن الحركة السكانية في حي الأشرفية الذي دخلته "المدن" رفقة قافلة للنازحين العائدين من مدينة عفرين، نشطت بشكل ملحوظ، بعد انفتاحها الكامل على حلب وإزالة الحواجز والتحصينات العسكرية التي ظلت لأكثر من عشر سنوات تفصله عن محيطه.
زوال الحواجز
وتظهر أحاديث وشهادات السكان الذين التقت بهم "المدن"، مدى أهمية هذا التغيير، خصوصاً وأن أول ما يبدأ فيه الأهالي حديثهم، بالإشارة إلى غياب النقاط الأمنية التي ظلت لسنوات تقطع أوصال المناطق التي كانت تخضع لحزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات الأمن الذاتي (الأسايش) داخل مدينة حلب، وحواجز التفتيش الفاصلة عن بقية أحياء المدينة، باعتبارها التغيير الأهم، لجهة تأثيرها على مختلف مناحي حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وما تمثله من قلق وخوف دائم من تعرض الكثيرين للاعتقال أو مساءلة المفارز الأمنية والاستخباراتية.
وبحسب أحمد الحوصلي، وهو سائق تكسي أجرة كان قد غادر المنزل مع أسرته وجيرانه إلى منطقة حلب الجديدة، قبل دخول القوات الحكومية، أن مدة الانتظار للخروج من حيي الأشرفية أو الشيخ مقصود باتجاه بقية أحياء المدينة، تتجاوز في الكثير من الأحيان الساعتين، خصوصاً في أوقات دخول أو مغادرة الموظفين والعمال، وساعات الليلة المتأخرة.
ويقول: "رغم معرفتهم بعملي ومروري الدائم على حواجزهم الداخلية والخارجية، كانوا دائمي المطالبة بتقديم أوراقي الرسمية، وفتح تحقيق عن أماكن تنقلي في حلب والمنطقة التي صعد فيها الركاب في سيارتي، عدا عن تفتيش السيارة والتدقيق على المحروقات بشكل خاص". ويضيف أن "هذا الأمر كانت تتشارك فيه حواجز النظام البائد والأسايش، قبل أن يستمر مع الأسايش، ما جعلني أرفض أي طلب إلى المنطقة خلال فترة عملي في شوارع المدينة".
أما اليوم، يقول حوصلي: "صار التنقل سلساً ومريحاً حتى للزبائن، بعد أن انخفضت الأجرة بمقدار الثلث بسبب سهولة التنقل والحصول على البنزين وغياب الحواجز الأمنية التي أنهكت الأهالي".
اللغة الكردية تتوهج
وخلال التجول داخل حي الأشرفية، تسيطر الأغاني والموروثات الكردية المنطلقة من شرفات المنازل والمحال التجارية على الأجواء، لتغطي على أصوات الباعة، والأحادث العالية بين الشباب عند مداخل الأسواق، والتي غالباً ما تكون باللغة الكردية الأم أيضاً.
ويشير جوان وهو في نهاية عقده الثالث، ويعمل في محل لبيع القهوة قرب الدوار الثاني، إلى أن الحديث باللغة الكردية في الشوارع صار عادة، بعد أن كان الناس يخشون مجرد التحدث بالكردية في زمن حزب البعث، وهذا الأمر الذي خلق حالة من القلق من عودة القيود الجائرة ومنعهم من التحدث بلغتهم، أو إلزامهم بعادات وأفكار لا يريدونها، في حال خروج قوات "قسد" ودخول الحكومة الجديدة المحسوبة على العرب السنة.
ويتحدث جوان أثناء تحضيره فنجاة قهوة "الأكسبرس" المنتشرة في سوريا، عن استمرار الناس بالتحدث بالكردية بعد خروج "قسد"، كنوع من التحدي بداية الأمر، لكن تجاوب قوى الأمن ووجود عناصر أكراد خفّف من هذا الشعور وترك انطباعاً جيداً.
ويقول: "الآن هناك نوع من التعايش مع الواقع الجديد، وتقبل المؤسسات الحكومية وأجهزتها الأمنية، بعد دخولها المنطقة ورحيل قوات الأسايش وقسد، خصوصاً وأن القوة الجديدة لم تتدخل بالناس ولم تفرض أي أفكار قد تخلق احتقان معنا".
ويكشف حديث جوان، المخاوف الموجودة اتجاه الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية، وهي مخاوف متفهمة، خصوصاً وأن شريحة واسعة من السكان ظلوا حبيسي المنطقة دون مغادرتها لسنوات طويلة، فضلاً عن شعور السيطرة الذي قدمه وجود قسد وتبني الخطاب القومي الشعبوي والتخويف من القوى الأخرى.
مرسوم الشرع
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر الجمعة الماضي، المرسوم رقم "13" المؤكد على حقوق المكون الكردي في المواطنة، ومنح الجنسية السورية لمكتومي القيد وإلغاء آثار إحصاء العام "1962" وتبني أعيادهم القومية والثقافية عطلاً رسمية في البلاد، إلى جانب ضمان حق التحدث وتعلم اللغة الكردية داخل المدارس والمعاهد في المناطق التي يتواجد فيها ثقل كردي، باعتبارها لغة وطنية.
ويتفق علي الغندور وهو مدرس وأحد وجهاء حي الأشرفية، مع الشهادة السابقة، إلا أنه أشار أيضاً إلى فشل محاولات "قسد" بحشد المدنيين وتحريضهم ضد الجيش السوري خلال فترة التوترات لاستخدامهم كورقة ضاغطة ضد دمشق، وهو ما ظهر من خلال خلوّ الحي بشكل شبه كامل فور إعلان الدولة السورية عن ممرات خروج آمنة للمدنيين، قبل بدء مرحلة الاقتحام والدخول الذي تحقق.
ويؤكد أن الحركة عادت إلى طبيعتها بعد يوم فقط من دخول قوى الأمن العام، دون تسجيل حالات احتكاك ملحوظ مع السكان، ما سهّل عودة الحياة إلى طبيعتها بشكل أسرع، خصوصاً وأن دخول القوات الحكومية دون معارك تذكر، قد جنّب الناس مشاكل وخسائر كبيرة كنا نخاف وقوعها.
ويوضح الغندور، أن حي الأشرفية يُعدّ من الأحياء المتنوعة قومياً وثقافياً بوجود عرب وكرد ومسيح وغيرهم، كما أنه يُعتبر أيضاً امتداداً للأحياء المجاورة وسكانها، ما يمنحه قدرةً أكبر على التعافي والنهوض.
وفي حديثه عن الوضع العام داخل الحي، يعتبر الغندور أن أحد أبرز الأمور التي تخص السكان وأفرحتهم، تمثلت بسهولة التنقل والحركة داخل مدينة حلب وخارجها، وحالة الارتياح وأمان الأهالي على أبنائهم من التجنيد والتطويع ضمن صفوف حزب الاتحاد الديمقراطي والأسايش.
ويقول: "بعد اتفاق نيسان تنفس حي الأشرفية وبدأت البضائع والسلع بالتوافر بشكل واضح، إضافة إلى الخدمات العامة التي تقدمها المؤسسات الحكومية مثل الكهرباء والماء، ورفع الحصار الذي كان يفرضه نظام الأسد، وبالتالي فإن هذه الخدمات ظلت متوافرة ولم تشهد أي تغيير يذكر".
لكن النشاط التجاري لم يجد طريقه إلى جيوب السكان، الذين يعيشون قلة فرص العمل، وتردد الكثيرين بالعودة واستثمار عقاراتهم المدمرة، أو افتتاح الورش الصناعية المغلقة منذ سنوات.
قلق من عودة التمييز
لكن هذا التفاؤل الذي يبديه كثير من كبار السن، لا يشاركه غالبية الشباب والفتية الذين تحدثوا عن هواجسهم من تعرضهم للعنصرية أو التضييق على حرياتهم ولغتهم خارج مناطقهم، أو من قبل العناصر الأمنية ومؤسسات الدولة التعليمية أو الخدمية، رغم مرسوم الاعتراف بالهوية القومية للأكراد.
ويتحدث علي وهو شاب في الـ16 من عمره، عن قلقه بشأن "تغير آلية التعليم ودخول كوادر تدريسية جديدة لا تتقبل هويتنا، أو تغير الوضع الحالي بعد تثبيت الدولة سلطتها لتقوم بملاحقة الأكراد أو سجن من يتحدث هذه اللغة".
ويتشارك مصطفى مع فكرة صديقه، ويضيف أن "الوضع بوجود الأسايش كان يمنح الشباب حريةً مطلقة، عدا عن شعورنا بقوة السلطة، أما الآن فإننا نجد أنفسنا أمام واقع وتحديات كبيرة وكثيرة علينا التعامل معها، والاستعداد لمواجهة العنصرية التي كان أهالينا يواجهونها سابقاً".
الصورة العامة بحسب ومن تحدثت إليهم "المدن"، تظهر محاولات السكان التماهي مع واقع الحياة الجديد الذي دخلوه في سوريا جديدة وسلطة وليدة تقدم بوادر معبرة عن التغيير، إن في الخطاب الوطني الذي تُرجم بصورة مراسيم اعتراف بحقوق المكون الكردي، كانت حتى الأمس القريب حلماً صعباً، أو إعادة الملكيات الخاصة وعمل السلطة على حفظ أرواح السكان وتأمين خروجهم وعودتهم.
