زفّ الرئيس دونالد ترامب للعالم نبأ انطلاق المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة قبل أيام. والحقيقة أن المرحلة الأولى لم تنتهِ فعلياً، لكي تبدأ الثانية، وليس واضحاً متى وكيف ستبدأ. ومن الصعب الجزم بوجود المقومات المنطقية للتفاؤل ببلوغها غاياتها وبأن القطاع سيتحرر بفضلها من قبضة إسرائيل نهائياً.
لم يتحقق العديد من الأهداف الموعودة سابقاً. فلا المواد التموينية وغيرها تتدفق بحرية، ولا مَدافع إسرائيل وطائراتها سكتت منذ بداية المرحلة الأولى في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025؛ لا بل أوقعت قذائفها منذئذٍ أكثر من 460 قتيلاً بينهم 100 طفل.
هيئات ثلاث
ثمة ثغرة واسعة بين المديح الفضفاض للخطة المؤلفة من 20 نقطة والتي أقرها مجلس الأمن في 17 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وبين الفعل الذي اتُخذ لترجمتها إلى واقع عبر هيئات ثلاث متكاملة.
وهذه الكيانات هي أولاً، مجلس السلام، الذي قيل سابقاً إنه سيكون الهيئة العليا للإشراف على إدارة غزة. ولكن تسريبات زعمت بأن ميثاقه لم يأتِ على ذكر القطاع نهائياً. ويرى معلقون أن ترامب يريده أن يكون "نسخة أخرى من مجلس الأمن" تتعاطى مع شؤون دولية على نطاق أوسع من الشرق الأوسط.
وثانياً، مجلس التكنوقراط أو الجهاز التنفيذي على الأرض المؤلف من 15 من المهنيين ذوي الخبرة في شتى المجالات الحيوية من مالية وزراعة ومياه وشؤون اجتماعية الخ... وثالثاً، قوة الاستقرار الدولية واسمها يلخص دورها. و يتعذر الحديث عن مهماتها بالتفصيل لأن أياً منها لم يصبح حقيقة واقعة، ولا يزال عدد أعضاء كل من مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، مجهولاً.
وقال ترامب إن الهيئة التي سيرأسها هو، ويمثلها في غزة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، قد شُكّلت. إلا أن دعوات العضوية لا تزال تُوجّه لكثيرين.
وأُفيد بأن ما يُسمى "مجلس السلام" سيضم زعماء متطرفين بينهم الروسي فلاديمير بوتين والإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوبان للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
ويبدو أن عضويته معروضة للبيع، ولها مرتبتين: عادية مدتها ثلاث سنوات، و دائمة ثمنها 1 مليار دولار. وويل لمن يرفض الانضمام إليه كالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتذر عن عدم قبول الدعوة فقرر ترامب معاقبته بفرض رسوم جمركية 200٪ على النبيذ والشمبانيا الفرنسيين!
شعث.. الكفوء
بالمثل، لم تجرِ تسمية أعضاء مجلس التكنوقراط الذين تم اختيارهم بعد أخذ ورد طويلين. أما رئيسه فهو ابن غزة، الدكتور علي عبد الحميد شعث (68 سنة). وقد قضى أعواماً بعيداً عن فلسطين في الدراسة والعمل أولاً في مصر ثم في بريطانيا التي عاد منها بشهادة دكتوراه في الهندسة المدنية حين دعاه الرئيس الراحل ياسر عرفات 1994، ليبدأ 22 عاماً من العمل في خدمة بلاده. شغل مناصب منها وكيل وزارة التخطيط والتعاون الدولي. ثم صار وكيلاً لوزارة النقل والمواصلات. والوظيفة الأخيرة كانت خاتمة مسيرته المهنية وأتاحت له لعب دور في مفاوضات الوضع النهائي (2005) والتعاطي مع ملفات الحدود والمنافذ البحرية.
عارفو شعث يشهدون له بالمهنية العالية. المشكلة أن هذا كله لا يكفيه للنهوض بالمهمات الجسام التي تنتظره وتأمين الخدمات الأساسية بأنواعها للقطاع. ما يحتاجه قبل كل شيء هو الحماية اللازمة له ولزملائه ليستطيعوا الشروع بعملهم. بيد أن قوة الاستقرار الدولية المكلفة توفير المناخ الآمن، لم تبصر النور حتى الآن، علماً أن الخطة تنص على نشرها فور وقف اطلاق النار. وليس معروفاً من ستضم و أي دول ستشارك فيها والكثير من التفاصيل المتعلقة بعملها الميداني. كل ما فعله المعنيون حتى الآن هو تعيين الجنرال الأميركي غاسبار جيفرز قائداً لهذه القوة.
تحت رحمة إسرائيل
ويواجه شعث تحدٍ آخر لا يقل تعقيداً، وهو أن قدرته على إعادة الإعمار، أو "الإعمار" وفق ما قال في مقابلة أخيرة، مرهون بتعاون إسرائيل التي لا تزال تحاول لإفشال الخطة، وتمنعه هو وأعضاء المجلس من دخول غزة. وما لم تترك 58 في المئة من الأراضي التي لا تزال تحتلها في القطاع وتكف عن قصفه، كيف سيبني مجلس التكنوقراط ما خربته حتى الآن؟ وقد ترفض إعطاءه الضوء الأخضر ليستورد بحرية كل ما يحتاج إليه لإعادة المكان إلى الحياة. فهي لم تسمح بدخول البضائع والإمدادات في المرحلة الأولى، ولا تزال تستخدم الغذاء والدواء، سلاحاً ضد الغزيين.
فهل تتحرك واشنطن والقوى الأخرى للضغط على إسرائيل، أم تكتفي بالمضي في فرض الشرط تلو الشرط على السلطة الفلسطينية و"حماس"، من دون أن تحرك ساكناً مع حليفتها المدللة؟
وإذا لم تفعل، لن يستطيع شعث وفريقه تأدية المطلوب منهم وسيكونون كبش فداء لمشروع سلام ولد ميتاً. وستكون إسرائيل قد نجحت في قتل الخطة لأنها قادرة من حيث المبدأ أن تؤمن للفلسطينيين بقعة أرض تديرها هيئة دولية، ويمكن أن تكون نواة دولتهم المستقلة. لكن هل يمكن التكهن بنجاح خطة سلام وضعها ترامب المتقلب ويشارك في الاشراف على تطبيقها نتنياهو؟
