أنهت الإمارات العربية المتحدة وجودها العسكري في اليمن مطلع كانون الثاني/يناير 2026، في خطوة سريعة عكست حجم التحول الذي طرأ على موقعها داخل التحالف الذي تقوده السعودية، وعلى حساباتها الإقليمية الأوسع. ولم يكن الانسحاب مجرد إجراء ميداني محدود، بل مثّل خسارة متراكمة لنفوذ عسكري، وأوراق ضغط سياسية، ومصالح اقتصادية كانت أبو ظبي قد بنتها تدريجياً منذ تدخلها في الحرب عام 2015.
ويرى محللون أن ما خسرته الإمارات يتجاوز الجغرافيا اليمنية ذاتها، ليطال طموحها البحري في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وشبكة نفوذ إقليمية صُممت بعناية على مدى سنوات. ويقول المحلل الاقتصادي، بشير سعد، إن "اليمن كان بالنسبة للإمارات منصة متقدمة لإدارة نفوذ بحري وأمني واسع، وليس مجرد ساحة حرب عابرة".
ويحتلّ اليمن موقعاً استراتيجياً على طول خليج عدن عند تقاطع بحر العرب والبحر الأحمر، ما أكسبه أهمية جوهرية في الطموحات الإقليمية والبحرية. فالسيطرة على السواحل اليمنية لا تؤثر فقط على حركة الشحن العالمية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بل تسمح أيضاً بتجاوز مضيق هرمز المضطرب، الذي هددت إيران بإغلاقه في أكثر من مناسبة.
وفي هذا السياق، تقع الطموحات البحرية للإمارات في صُلب مساعيها لتكريس نفسها مركزاً اقتصادياً يربط شرق أفريقيا بجنوب آسيا، وهو ما دفعها خلال سنوات الحرب إلى إبرام اتفاقيات والتحكم في سلسلة من الجزر والموانئ الواقعة في جنوب اليمن وتشغيلها.
أرخبيل سقطرى
في أرخبيل سقطرى، الذي يُنظر إليه عسكرياً كنقطة ارتكاز متقدمة بين المحيط الهندي ومدخل البحر الأحمر، خسرت الإمارات موطئ قدم ظل لعقود خارج سيطرة الدولة المركزية اليمنية.
وخلال سنوات وجودها ربطت الإمارات سقطرى اقتصادياً بها عبر رحلات سياحية حصرية من أبو ظبي.
وبحسب مصادر محلية، جرى إنهاء المشروع العسكري الإماراتي في كامل أرخبيل سقطرى، حيث عادت جزيرتا عبد الكوري وسمحة – اللتان بدأ الإماراتيون بتشييد مدارج وقواعد فيهما دون علم الحكومة – بالكامل إلى سلطة الدولة اليمنية. ويصف باحث يمني في الشؤون العسكرية هذا التطور بأنه "إغلاق لواحد من أهم أبواب النفوذ الإماراتي في المحيط الهندي".
جزيرة ميون
أما جزيرة ميون (بريم)، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، فقد شكّلت الخسارة الأكثر حساسية لأ بوظبي. فالجزيرة الصغيرة تتحكم عملياً بحركة الملاحة بين البحر الأحمر وخليج عدن، ما جعلها هدفاً للقوى الكبرى عبر التاريخ.
وسعت أبو ظبي مبكراً إلى ترسيخ وجود طويل الأمد في ميون، وشرعت بشكل سري في بناء مدرج طيران عسكري. وكشفت صور أقمار صناعية عام 2021 عن اكتمال إنشاء مدرج بطول نحو 1800 متر، ما اعتُبر حينها مكسباً استراتيجياً يتيح للإمارات مراقبة مضيق باب المندب عن كثب والتحكم بحركة السفن، بل وتنفيذ عمليات عسكرية أو اعتراضية عند الحاجة.
لكن مع أزمة كانون الثاني/يناير 2026، انتهى الوجود الإماراتي في الجزيرة. وأفادت مصادر حكومية يمنية بأن السيادة الكاملة على ميون عادت إلى اليمن فور خروج العناصر الإماراتية، حيث تسلمت وحدات من الجيش وخفر السواحل الجزيرة بإسناد سعودي لمنع أي فراغ أمني.
ويرى خبراء أمنيون أن فقدان سقطرى وميون معاً يعني تراجع قدرة الإمارات على التأثير في معادلات الملاحة الدولية خارج الخليج العربي. ويقول خبير ملاحي إن "هاتين النقطتين كانتا تمنحان أبو ظبي قدرة استثنائية على مراقبة خطوط التجارة العالمية، بعيداً عن حدودها المباشرة".
الموانئ
تمحورت الطموحات البحرية الإماراتية حول السعي للسيطرة على سلسلة من الموانئ في جنوب اليمن والقرن الأفريقي، في إطار مشروع أوسع للاستحواذ على حصص سوقية جديدة في التجارة البحرية العالمية. ويبرز في هذا السياق ميناء عدن الاستراتيجي، الذي كان يُنظر إليه بوصفه حجر زاوية في هذا المشروع.
غير أن مصادر حكومية أكدت لـ"المدن" أن أي اتفاق بشأن ميناء عدن بات بحكم الملغي، وأن الميناء سيظل تحت إدارة الدولة اليمنية، التي تسعى إلى تطويره بالتعاون مع شركاء دوليين وفق شروط تضمن السيادة والمصلحة الوطنية.
كما خسرت الإمارات إدارة ميناء حولاف في محافظة أرخبيل سقطرى، الذي كانت مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان قد أعادت تأهيله. وامتدت الخسائر إلى ميناء المخا غربي اليمن، الذي حُوّل خلال سنوات إلى قاعدة عسكرية مغلقة تستقبل شحنات أسلحة وعتاد، إضافة إلى ميناء المكلا ومطار الريان الدولي في حضرموت، الذي استُخدم قاعدة جوية ومركز عمليات مغلق، وقاعدة العند الجوية، وصولاً إلى منشأة بلحاف الغازية في شبوة على ساحل بحر العرب، التي حُولت منذ نحو عشر سنوات إلى قاعدة عسكرية مغلقة.
إلغاء اتفاقيات
لم تقتصر خسائر الإمارات على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى مصالح اقتصادية واتفاقيات تجارية وأمنية كانت قد أبرمتها في المناطق الخاضعة لنفوذ حلفائها في اليمن، ووُصفت بأنها مجحفة بحق السيادة والمصلحة الوطنية.
ومن أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية الاتصالات، التي قضت بشراكة بين مؤسسة "عدن نت" الحكومية وشركة إماراتية لتشغيل خدمات الاتصالات والإنترنت في مناطق الشرعية.
وخسرت الإمارات أيضاً عقد استثمار ميناء قشن بمحافظة المهرة لمدة 50 عاماً لاستخدامه في تصدير المعادن. وبعد مراجعة الاتفاق، تقرر إبطاله بالكامل استجابة لتوصيات برلمانية واحتجاجات شعبية.
كذلك أُلغيت اتفاقيات في قطاع النفط والغاز كانت تمنح شركات إماراتية أفضلية في تشغيل مصافي نفطية في المكلا ومناطق أخرى بحضرموت، إضافة إلى إلغاء اتفاق لتسويق النفط والغاز اليمني لمدة 50 عاماً.
خسارة نفوذ أوسع
ويرى مراقبون أن هذه التطورات مجتمعة تعني أن الإمارات خسرت في اليمن أكثر من مجرد وجود عسكري. فقد تراجعت قدرتها على التأثير في أمن الملاحة الدولية، وتقلص مشروعها البحري الإقليمي، وفقدت شبكة مواقع كانت تشكل ركيزة لنفوذها السياسي والاقتصادي.
ويخلص المحلل السياسي عبد الملك عزيز إلى القول إن "ما حدث في (كانون الثاني) يناير 2026 لا يمكن قراءته كانسحاب تقني، بل كنهاية مرحلة كاملة من الدور الإماراتي في اليمن، بخسائر استراتيجية ستنعكس على توازنات البحر الأحمر وجنوب شبه الجزيرة العربية لسنوات مقبلة".
