منذ عام 2019، لم تعد منظومة الاحتجاز التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مجرد ترتيب أمني مؤقت لمعالجة بقايا تنظيم "داعش" بعد انهيار سيطرته المكانية، بل تحوّلت تدريجياً إلى أحد أثقل ملفات مرحلة ما بعد الحرب في سوريا. ما بدأ كإجراء إسعافي يهدف إلى منع عودة التنظيم عبر عزل مقاتليه وتفكيك بيئته وبنيته الاجتماعية، تطوّر إلى مؤسسة أمر واقع تُنتج توازنات جديدة، وتفرض على مختلف الفاعلين المحليين والدوليين التعامل معها باعتبارها جزءاً بنيوياً من معمار السيطرة والشرعية في شرق الفرات. فهذه المنظومة، التي جمعت بين سجون مخصصة لمقاتلي "داعش" ومخيمات واسعة لعائلات مرتبطة بالتنظيم، لم تُصمَّم أصلاً كنظام عدالة مكتمل أو كسلطة قضائية ذات اختصاص محدد، بل كحل ميداني قائم على منطق الضرورة الأمنية أكثر من كونه قائماً على منطق القانون.
غير أن التحولات السياسية العميقة التي أعقبت سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، وما رافقها من إعادة توزيع للأدوار وموازين القوى داخل سوريا، و العمليات العسكرية التي شنّها الجيش السوري ضد قوات سوريا الديمقراطية، نقلت هذه السجون من خانة العبء الأمني إلى خانة الأصل الاستراتيجي القابل لإعادة التوظيف السياسي و إعادة تدويل مسألة "داعش"؛ إذ أنه من كان يمتلك مفاتيح هذه المنظومة يمتلك ورقة ثقيلة في إدارة ملف مكافحة الإرهاب، وفي تنظيم العلاقة مع التحالف الدولي، وفي التفاوض مع دمشق حول السيادة والترتيبات الأمنية والإدارية. من هنا، لم يعد مستقبل هذه السجون سؤالاً تقنياً يتعلق بإدارة معتقلات أو تأمين تمويل إنساني، وأصبح سؤالاً سياسياً مباشراً حول من يتحكم بشرق الفرات بوصفه فضاءً أمنياً دولياً، ومن يتحمّل أعباءه القانونية، ومن يقرّر مآلاته السيادية.
بنية احتجاز مزدوجة
مع التطورات السريعة للمعارك بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، أصبحت السجون التي تشكل نموذجاً مزدوجاً للاحتجاز يقوم على فصلٍ وظيفي بين المقاتل والبيئة الحاضنة في مهب الريح، بعد الانفلات الأمني الكبير و هروب الآلاف من معتقلي "داعش" من براثن نموذج الاعتقال المزدوج هذا. في المستوى الأول، توجد السجون ومراكز التوقيف التي تضم آلاف العناصر المنتمية إلى تنظيم داعش، من بينهم مقاتلون سوريون وآخرون يحملون جنسيات أجنبية. وتكمن خطورة هذه السجون ليس في أعداد المحتجزين فقط، بل في نوعيتهم؛ حيث هناك كوادر متمرّسة تمتلك خبرات قتالية وتنظيمية، وما يزال قسم كبير منها محتفظاً بقناعة أيديولوجية وروابط شبكية داخلية، الأمر الذي يجعل السجن ذاته كتلة تنظيمية كامنة أكثر منه مجرد فضاء لعزل أفراد. ويبرز في هذا السياق مجمع الحسكة/غويران المعروف بسجن الصناعة، الذي بات يُنظر إليه بوصفه الخزان المركزي لخبرات داعش وقياداته، أي القلب الصلب لمنظومة الاحتجاز بأكملها.
وفي المستوى الثاني، تظهر المخيمات التي تجمع بين النزوح والاحتجاز، وعلى رأسها مخيما الهول وروج، حيث تقيم عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين اجتماعياً أو عائلياً ببيئة التنظيم. هذه المخيمات لم تكن تؤدي وظيفة السجن بالمعنى القانوني، ولا تمثّل تجمعات مدنية قابلة للاندماج الطبيعي، بل شكلت فضاءات لتعليق الوضع القانوني والاجتماعي، حيث يتأرجح المقيمون بين صفة اللاجئ وصفة المحتجز، وبين الحماية الإنسانية والرقابة الأمنية. في هذه المناطق الرمادية تستمر مظاهر التطرف والضغط الاجتماعي، وتتشكل شبكات إكراه وتجنيد غير معلن، وتبرز أنماط حوكمة غير رسمية، ما يحوّل المخيم من أداة تفكيك إلى بيئة إعادة إنتاج بطيئة للتطرف.
كشفت هذه الثنائية حقيقة أساسية مفادها أن منظومة الاحتجاز ليست جهاز عدالة يسعى إلى الحسم، بل هندسة احتواء تُبقي المشكلة في حالة تجميد طويل، وكانت تؤجل انفراجها، بدل معالجتها عبر محاكمات واضحة ومسارات قانونية معترف بها؛ كل هذا إلى حين اشتداد المعارك بين قسد والجيش السوري وهروب الآلاف من المقاتلين وأسرهم من هذه السجون و المخيمات.
البعد الأمني
كان البعد الأمني في ملف السجون محكوماً بعاملٍ مركزي واحد: الهشاشة البنيوية. فالسجون الكبرى لم تكن تُدار بوصفها مرافق احتجازٍ فقط، بل بوصفها أهدافاً عالية القيمة في حسابات تنظيم "داعش"؛ لأن نجاح أي عملية كسر واسعة أو تهريب منظّم كان سيعني إعادة إدخال كوادر مدرّبة إلى المشهد القتالي، واستعادة التنظيم لقدرته على المبادرة والانتشار. وقد كرّس هجوم عام 2022 على سجن غويران درساً بالغ الدلالة حين أظهر أن الجمع بين هجوم خارجي وتمرد داخلي يمكن أن يقترب من إسقاط السيطرة ويفرض تدخلاً واسعاً لاستعادة النظام. منذ تلك اللحظة، أصبحت السجون تُعامل كنقاط اشتعال كامنة: تبدو مستقرة في ظاهرها، لكنها قابلة للانفجار عند أول خلل في التمويل أو الاستخبارات أو الغطاء الجوي أو المعنويات القتالية، أو عند أول لحظة ارتباك في سلسلة القيادة نتيجة تبدّل الجبهات.
مطلع كانون الثاني/يناير 2026، كان هذا النوع من الهشاشة يقترب من لحظة التعرية؛ فقد تصاعد الضغط العسكري على قوات سوريا الديمقراطية على خطوط غرب الفرات وفي محيط حلب، بالتزامن مع انهيار سريع لسيطرتها في دير الزور و الرقة وانسحابها شرق الفرات بعد تحرك واسع لمقاتلي العشائر العربية الذين بسطوا نفوذهم على الأرياف الشرقية والغربية والشمالية، ما أدى عملياً إلى خروج مساحات واسعة من يدها. تزامن ذلك مع عبور وحدات من الجيش السوري نهر الفرات من الضفة الغربية إلى الشرقية باستخدام عبارات نهرية وآليات مزودة بأسلحة متوسطة وثقيلة، لتقديم إسناد مباشر لمقاتلي العشائر، خصوصاً في محيط مناطق الطاقة الاستراتيجية، وعلى رأسها حقلا العمر النفطي وكونيكو للغاز. ومع اتساع رقعة السيطرة المضادة، انسحبت قسد باتجاه الحسكة، وبقيت لها جيوب محدودة في بعض المناطق الصناعية شمال دير الزور؛ إلا أن المسار العام كان يتجه نحو تآكل خطوط الدفاع وتبدّل أولويات الانتشار من ضبط الأرض إلى حماية ما تبقى من مراكز الثقل.
وبالتوازي، انتقلت المواجهة إلى مدينة الرقة، حيث اندلعت انتفاضة عشائرية داخل الأحياء الشرقية وأفضت إلى السيطرة على مناطق مهمة أبرزها حي المشلب، وسط تقدم متزامن للجيش السوري من عدة محاور من بينها محور تل أبيض. في تلك المرحلة، بدت الانشقاقات في صفوف "قسد" وانضمام مجموعات إلى صفوف العشائر عاملاً مُسرّعاً لتفكك خطوط الدفاع داخل المدينة. وعلى محاور أخرى، دارت اشتباكات عنيفة عند سد تشرين شرق حلب، فيما واصلت العشائر تقدمها جنوباً باتجاه الحسكة بعد السيطرة على مناطق واسعة كان أبرزها الشدادي. في المقابل، حاولت "قسد" احتواء الموقف عبر عمليات تمشيط محدودة وإلقاء المسؤولية على خلايا "داعش" التي قيل إنها تسعى لاستغلال الفوضى، لكن التراجع الميداني كان يفرض معادلة أكثر قسوة؛ فكل خطوة انسحاب كانت تُنتج فراغاً أمنياً يملؤه الجيش السوري، وكل إعادة انتشار كانت تُعيد ترتيب قائمة الأولويات على حساب مهمات الحراسة الثقيلة وفي مقدمتها السجون والمخيمات.
عند هذه النقطة تحديداً، لم تعد هشاشة السجون مسألة تقنية بل تحولت إلى أداة خطابية وسياسية بامتياز، فحذَرْ قسد المتكرر من أن "داعش" سيستثمر التصعيد لم يكن يُقرأ كإنذار محلي فقط، بل كرسالة استراتيجية تقول إن أمن السجون جزء لا يتجزأ من معادلة توازن القوى؛ أي إضعاف "قسد"، أو دفعها إلى إعادة انتشار واسع، أو استنزاف مواردها البشرية واللوجستية، يفتح نافذة تنظيمية لـ"داعش" تشكل خطراً على التحالف و دول المنطقة. هكذا أصبحت السجون خزان تهديد مزدوج الوظيفة؛ مستقرة بما يكفي لمنع الانهيار الفوري، وغير مستقرة بما يكفي لردع خصومها عن الذهاب إلى الحسم الكامل، لأن أي حسم غير محسوب قد يمر عبر بوابة السجون ويعطي داعش فرصة إعادة التموضع.
ثم جاءت لحظة الانفلات لتضع هذه المعادلة تحت الضوء الفاقع. ففي سياق تراجع السيطرة وتبدّل خطوط الانتشار، برزت حادثة الفرار من سجن الشدادي بأرقام تداولت بين نحو 120 إلى قرابة 200، مع الحديث عن ملاحقة وإعادة اعتقال عدد كبير ممن فرّوا لاحقاً. لم تكن دلالة الحادثة في رقم الهاربين وحده، بل في كونها كشفت كيف يتحول السجن في لحظة الانتقال إلى عقدة رخوة؛ لا يحتاج الأمر إلى قرار صريح بفتح الأبواب كي يقع الفرار؛ يكفي أن تُسحب الحراسة أو تنكسر السيطرة أو تتشوّش سلسلة القيادة، فيتحول المكان إلى ثغرة. في تلك اللحظة، انفجرت حرب الروايات: اتهامات متبادلة، نفي القصد، وتوظيف سياسي فوري للحدث، لأن الفرار من السجن لا يُقرأ كفشل أمني فحسب، بل كإدانة لأهلية الجهة التي كانت تدير الملف أو الجهة التي تتسلمّه، حسب زاوية النظر.
وبموازاة ذلك، جاء دخول القوات الحكومية إلى مخيم الهول بوصفه انتقالاً رمزياً شديد الكلفة، لأن المخيم لم يكن مجرد مساحة إنسانية، بل بنية احتجاز اجتماعي واسعة قابلة لإعادة إنتاج التطرف كلما اختل الضبط أو ارتبكت الإدارة. وقد اكتسب الهول قيمة تتجاوز كونه مخيماً بحكم حجمه وتركيبته: إذ يضم نحو 24 ألف شخص، معظمهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى قرابة 10 آلاف من جنسيات أخرى، مع تقديرات تفصيلية تشير إلى نحو 14,500 سوري وحوالي 3,000 عراقي، ونحو 6,500 في قسم منفصل شديد الحراسة يُعد الأكثر حساسية من حيث الولاءات والتشدد. وإلى جانب الهول، يبرز مخيم الروج الذي يضم قرابة 2,400 امرأة. أما على مستوى منظومة الاحتجاز الأوسع، فتشير الأرقام المتداولة إلى شبكة تتجاوز اثني عشر سجناً تضم قرابة 9,000 من عناصر داعش، تتصدرها منشآت كبيرة مثل سجن غويران الذي يُقدَّر أنه يحتجز نحو 4,500 شخص.
ومع انتقال السيطرة، بدا أن الدولة لا ترث موقعاً فقط، بل ترث مجتمعاً احتجازياً كاملاً بتحديات أمنية وقانونية وأخلاقية ودبلوماسية، في لحظة لم تكن فيها شروط الاستقرار كاملة ولا سلاسل القيادة قد استقرت بعد. لذلك، فإن دخول المخيم لم يكن إعلان سيادة فحسب، بل اختباراً فورياً لمعنى السيادة التشغيلية؛ وهو القدرة على فرض قواعد إدارة يومية ومنع الانفلات داخل مخيم كثيف السكان متعدد الجنسيات شديد الحساسية.
تشابك خريطة السجون
في ضوء ذلك كله، اتضح أن خريطة السجون في المنطقة الشرقية لم تكن مجرد شبكة احتجاز، بل منظومة متعددة المستويات تشكلت كامتداد للحرب أكثر مما كانت نتاج نظام عدالة. فقد كان سجن غويران في الحسكة عقدة أمنية إقليمية حقيقية تضم آلاف المعتقلين، من بينهم أجانب من عشرات الدول، ما يجعلها مخزن خطر استراتيجي مرتبطاً مباشرة بأمن المنطقة. وإلى جانبها، كانت هناك سجون ومنشآت أخرى اكتسبت حساسيتها من قربها من مناطق النفوذ الدولي أو من خطوط الطاقة، ومن كونها تُدار داخل بيئات عسكرية مغلقة تجعلها أقرب إلى نموذج السجن القاعدة. كما انتشرت سجون أصغر للاحتجاز المؤقت أو التحقيق، ما عزز الطابع الشبكي المرن لمنظومة الاحتجاز وأكد أنها كانت أداة ضبط وإدارة مخاطر أكثر من كونها بنية عدلية متماسكة.
التعليق القانوني
من الناحية القانونية، عاشت منظومة الاحتجاز في مساحة رمادية واسعة؛ فقوات سوريا الديمقراطية ليست دولة ذات سيادة قضائية، لكنها كانت تدير احتجازاً طويل الأمد في سياق نزاع غير دولي، ضمن إطار إداري–أمني لا يحظى باعتراف دولي كامل بوصفه سلطة قضائية شرعية. هذا الواقع يخرج الملف تلقائياً من نماذج العدالة الجنائية التقليدية، إذ يصبح سؤال من يملك حق المحاكمة سابقاً على سؤال من ارتكب الجريمة. وتتفاقم الإشكالية مع وجود آلاف الأجانب الذين ترفض دولهم استعادتهم لأسباب سياسية وأمنية وقانونية، ما يحوّل الاحتجاز من إجراء مؤقت إلى نظام إقامة قسرية طويل الأمد.
تنظر منظمات حقوقية إلى هذا الواقع بوصفه احتجازاً تعسفياً، خصوصاً في المخيمات حيث تُحرم شرائح واسعة من إجراءات قانونية فردية واضحة، وتتآكل ضمانات المحاكمة العادلة. ورغم أن القانون الدولي الإنساني يفرض معايير دنيا للمعاملة، فإنه لا يحسم جوهر الأزمة المتعلق بسلطة الاتهام، وجمع الأدلة، وإصدار الأحكام، وحق الإفراج أو النقل أو التسليم. هكذا يتحول الاحتجاز إلى تعليق قانوني طويل الأمد، تبرره الضرورة لا القانون، وتتضاعف كلفته الأمنية والسياسية كلما طال أمده، ويزداد قابلية توظيفه كورقة ضغط في ظل غياب مخارج عدالة واضحة.
ورقة ضغط على التحالف
بالنسبة لواشنطن وشركائها، كانت منظومة الاحتجاز عبئاً لا يمكن التخلي عنه ولا يمكن إنهاؤه بسهولة؛ لا سيما وأن توم باراك كان قد أعلن أن دور قسد قد انتهى في المعركة ضد داعش، وأنها جزء مهم لكن عبر الاندماج مع الدولة السورية. فالاعتراف الأمريكي بعدم إمكانية تمويل وإدارة المخيمات والسجون إلى ما لا نهاية يعكس ضغطاً واقعياً ناتجاً عن كلفة مالية مستمرة، وضغط سياسي داخلي بعد دعم قسد لمدة طويلة، وإشكاليات أخلاقية وقانونية مرتبطة بوضع غير محسوم. وفي الوقت ذاته، تدفع الولايات المتحدة الدول إلى استعادة رعاياها، بما يعني عملياً نقل المشكلة من شرق الفرات إلى العواصم الغربية.
في المقابل، تمتلك قوات سوريا الديمقراطية حجة حاسمة مفادها أن أي تقليص في الدعم او رفع الغطاء، سواء كان مالياً أو استخباراتياً أو عسكرياً، قد يقود إلى انهيار السيطرة، وهو انهيار لن يبقى محلياً، بل سيرتد إقليمياً عبر شبكات عابرة للحدود. بهذا كانت السجون إلى وقت قريب آلية تأمين استراتيجي للتحالف، حيث يصبح استمرار الشراكة إدارةً لمخاطر الانفصال لا خياراً سياسياً حراً، وتعمل السجون كرافعة ضغط سلبية تلوّح بخسائر كارثية بدل تقديم مكاسب.
ملف السجون بعد اتفاق الدمج
تحوّل ملف السجون، بفعل التطورات المتسارعة، إلى مِفصل سيادي يختبر معنى الدولة في لحظة انتقال، لا سيما وانه بعد اتفاق الدمج وما رافقه من حديث عن تثبيت وقف إطلاق النار، وترتيبات الاندماج، وتسليم المعابر وحقول النفط والغاز، ودمج عناصر قوات سوريا الديمقراطية فردياً ضمن وزارتي الدفاع والداخلية مع وعود بالتمثيل المحلي، بدا وكأن ملف السجون ينتقل من خانة المساومة إلى خانة الالتزام التنفيذي.
غير أن الهروب من سجن الشدادي وتزامنه مع تقدم قوات الحكومة ودخولها إلى مخيم الهول أظهر أن الانتقال لا يحدث في فراغ مؤسسي؛ بل في بيئة احتكاك عسكري وتبدّل خطوط سيطرة، حيث تكفي فجوة قصيرة في الحراسة أو ارتباك في سلسلة القيادة لتحويل منشأة الاحتجاز إلى ثغرة تُقوّض الثقة بالدمج كله. في شمال شرقي سوريا، لم تكن السجون والمخيمات منشآت حراسة فقط، بل كانت على مدى سنوات جزءاً من بنية سيطرة تنتج شرعية عبر الأمن. فالجهة التي كانت تدير ملف سجون داعش كانت تملك ثلاث أدوات قوة متداخلة تبدأ من أداة أمنية تضبط خطر التنظيم، وأداة سياسية تُعرّف نفسها بوصفها الضامن ضد عودته، وأداة تفاوضية تفرض نفسها على الخارج والداخل باعتبارها شريكاً لا يمكن تجاوزه.
وبالتالي الدولة السورية أمام منظومة احتجاز بحجم مدينة أمنية، لا تُدار بمنطق الحراسة التقليدية، بل بمنطق تشغيل يومي كثيف يحتاج إلى تموين، وتبديل حراس، وضبط عنابر، وفرز قانوني، وإدارة مخاطر التطرف داخل المخيمات، وحماية المحيط من الاختراق، وتنسيق استخباري، وإدارة ملف أجانب يتداخل فيه الأمني بالقانوني بالدبلوماسي. لذلك، فإن انتقال هذه المنظومة من جهة إلى أخرى ليس تسليماً إدارياً؛ بقدر ما هو نقل قدرة تشغيلية، وأي ضعف في نقل القدرة يعني أن الدولة ترث العبء من دون أن ترث الأدوات الكافية لضبطه.
دخول القوات السورية إلى المخيمات
تطور دخول قوات الحكومة إلى مخيم الهول بعد انسحاب القوات التي كانت تديره لسنوات حمل دلالتين متعارضتين في آن واحد؛ فالدولة تقول إنها تستعيد مسؤولية ملف سيادي شديد الحساسية، وإنها باتت المرجعية القانونية والأمنية الكاملة له؛ بينما الدلالة الثانية تشغيلية معنية على اعتبار ان انتقال السيطرة يتم في لحظة توازن هش، مع هدنة قصيرة الأجل (أربعة أيام) جاءت بعد اشتباكات استمرت نحو أسبوعين وخسارة "قسد" مساحات واسعة، بما فيها مناطق عربية كبرى. هنا تظهر حساسية فقدان المخيم مقابل فقدران الارض. تسليم الأرض يمكن أن يتم عبر رفع أعلام ونقاط تفتيش وخطوط انتشار؛ أما تسليم المخيم فيتطلب إعادة بناء منظومة كاملة من إدارة الدخول والخروج، إلى ضبط التواصل داخل المخيم، إلى حماية الأقسام الأكثر حساسية، إلى التعامل مع التزامات قانونية وأخلاقية تخص النساء والأطفال، وإحكام السيطرة دون تحويل المخيم إلى مولّد دائم للغضب والتطرف. أي اختلال هنا لا ينتج اضطراباً محلياً فقط، بل يفتح أزمة سياسية خارجية لأن المخيم يضم آلافاً من غير السوريين والعراقيين، ما يعني أن أي فوضى ستُقرأ فوراً دولياً بوصفها فشلاً في إدارة خطر عابر للحدود.
المغزى السياسي للتطورات لا يقتصر على الداخل السوري. فحين يبرز خطاب أميركي مفاده أن الصيغة السابقة لدعم قسد في ملف مكافحة داعش لم تعد قائمة بالمعنى ذاته، وأن فعالية الشراكة السابقة ارتبطت بغياب دولة مركزية فاعلة، فهذا يعني عملياً أن مكافحة داعش لم تعد تُدار كتحالف مع قوة شبه مستقلة، بل تتحول إلى اختبار لسيادة الدولة المركزية. هنا تحديداً يصبح ملف السجون منظومة قياس؛ إذا نجحت الدولة في ضبط السجون والمخيمات، فإنها لا تثبت قدرتها الأمنية فحسب، بل تثبت أنها قادرة على إدارة التنوع، وتوحيد سلسلة القيادة، وتحويل السيطرة من رمزية إلى فعل يومي مستدام. وإذا فشلت أو تعثرت، فإن فشلها لن يُقرأ كحادث أمني، بل كفشل سيادي يفتح الباب على ثلاثة مخاطر متزامنة فيها عودة الخطر الداعشي عبر الفراغات، اهتزاز شرعية الدمج، وتدويل الملف من جديد تحت عنوان منع الانهيار.
