تماماً كما تقوم "إيباك" في واشنطن بدور مركزي في ترسيخ المصالح الإسرائيلية والدفاع عن سياساتها داخل مراكز القرار الأميركية، نشأت في أوروبا شبكات ضغط موازية اضطلعت بوظيفة مشابهة، لا سيما في اللحظات الأكثر حرجاً بالنسبة لإسرائيل. فخلال العامين الأخيرين من حرب الإبادة على قطاع غزة، تصاعدت الحملات الدبلوماسية والإعلامية المؤيدة لإسرائيل في العواصم الأوروبية، في محاولة لإعادة إنتاج صورتها وترويج سرديتها الأمنية والديمقراطية. وفي قلب هذا الحراك تبرز الشبكة الأوروبية للقيادات (ELNET) بوصفها إحدى أبرز شبكات الضغط الإسرائيلية في القارة. في هذا المقال، نحاول فهم وتفكيك الدور الاستراتيجي الذي تلعبه ELNET في تشكيل الموقف الأوروبي من الصراع، عبر تحليل أدواتها الإعلامية والدبلوماسية، وشبكات تمويلها، ومدى تأثيرها في السياسات الأوروبية على المستويين السياسي والأمني.
البعد الاستراتيجي: أهداف ELNET وأدواتها
يعرّف موقع ELNET رسالتها بأنها تعزيز "العلاقات بين أوروبا وإسرائيل على أساس القيم الديمقراطية المشتركة والمصالح الاستراتيجية"، وتطوير التفاهم السياسي بين الطرفين. غير أنّ هذه الصيغة الخطابية تخفي أهدافاً أكثر مباشرة، تتمثل في احتواء النقد الدولي المتزايد لإسرائيل، وتعزيز التنسيق الأمني، وتبييض أي انحراف عن سياساتها الرسمية داخل العواصم الأوروبية. فخلف لغة الشراكة والقيم، تعمل المنظمة على إعادة تقديم إسرائيل بوصفها "حليفاً ديمقراطياً" محاصراً أمنياً، لا طرفاً خاضعاً للمساءلة.
تعتمد ELNET (مقرها الرئيسي في بروكسل) في ذلك على تنظيم فعاليات ولقاءات رفيعة المستوى تجمع مسؤولين أوروبيين بنظرائهم الإسرائيليين، سواء داخل البرلمان الأوروبي أو في عواصم مثل لندن وبرلين وباريس. ومن بين هذه الأنشطة، تنظيم زيارة لوفد أوروبي ضم 11 نائباً وخبيراً برلمانياً اطّلعوا خلالها ميدانياً على ما سُمّي "التحديات الأمنية" التي تواجهها إسرائيل. وغالباً ما يتلقى المشاركون إحاطات ورسائل رسمية تُبرز إسرائيل كـ"حصن أمني" و"ديمقراطية مستقرة"، بما يوجّه النقاش ضمن إطار محدد سلفاً.
كما تشكّل رحلات الوفود والبعثات المعرفية أداة مركزية في عمل المنظمة، إذ تنظّم زيارات ميدانية إلى إسرائيل لنواب شبان، وأكاديميين، وحتى أئمة مساجد ومسؤولات مجتمعيات. وخلال هذه الزيارات، يُنقل المشاركون إلى مواقع عسكرية على حدود غزة، ويحضرون إحاطات يقدمها ضباط إسرائيليون حول "التزام الجيش بالقانون الدولي"، إضافة إلى عروض حول مشاريع عسكرية مثل نظام "القبة الحديدية"، ولقاءات مع قادة سياسيين يقدّمون سردية متكاملة عن التهديدات والإنجازات الإسرائيلية.
إلى جانب ذلك، تنظم ELNET ندوات متخصصة في الجامعات ومراكز الفكر الأوروبية، غالباً بمشاركة إسرائيلية مباشرة، تتناول قضايا حساسة مثل حقوق المرأة في زمن الحرب أو التقدم العلمي والتكنولوجي الأمني. ومن الأمثلة البارزة، كانت ندوة قد أقيمت في مجلس الشيوخ الفرنسي حول العنف الجنسي في الحروب بتمويل جزئي من الخارجية الإسرائيلية؛ ورغم طابعها "الإنساني"، كشفت وثائق داخلية عن أهداف سياسية تهدف إلى تحسين صورة إسرائيل دوليًا والتأثير في مسارات تشريعية تخدم موقفها.
من خلال هذه الأدوات، تعمل ELNET كمنصة منظمة لحشد الدعم السياسي للإجراءات الإسرائيلية داخل أوروبا، عبر إدماج السردية الأمنية والديمقراطية الإسرائيلية في النقاش العام. ومع كل تصاعد في الانتقادات الدولية، سواء عبر الدعوات لوقف إطلاق النار، قبل اتفاق شرم الشيخ في نوفمبر الماضي، أو الاتهامات بارتكاب جرائم حرب، تكثّف المنظمة نشاطها لإعادة تأطير الموقف في قالب "أمني". فالتذكير الدائم بـ"تهديد الإرهاب" وضرورة حماية "الديمقراطية الإسرائيلية" يُستخدم لتحويل النقاش بعيداً عن أدلة الانتهاكات، بما يجعل هذه الآليات خط الدفاع الأول لإسرائيل في الساحة الأوروبية، حيث يُستبدل منطق المحاسبة بمنطق "التفاهم".
البعد السياسي: التمويل وشبكات النفوذ
يعتمد نجاح أي شبكة ضغط، في جوهره، على عاملين حاسمين: حجم التمويل ونوعية العلاقات السياسية التي تنجح في بنائها. وفي هذين المجالين تحديداً، أثبتت ELNET قدراً لافتاً من الفاعلية. فعلى الرغم من ادعائها الاستقلالية ورفعها الدائم لشعار الشفافية، فإن التدقيق في ميزانياتها وروابط قياداتها يفتح باباً واسعاً للتشكيك في هذه المزاعم. ويبرز ذلك بوضوح عند النظر إلى مصادر تمويلها المتعددة، التي تشمل جهات مانحة أميركية يهودية، ومحافظين غربيين يُبدون اهتماماً خاصاً بدعم إسرائيل، إلى جانب دعم غير معلن يأتي من أوساط حكومية إسرائيلية.
فبالرغم من تقديم نفسها بوصفها مؤسسة "غير حكومية"، تكشف الوقائع عن علاقات وثيقة تربط ELNET بحلفاء داخل وزارة الخارجية الإسرائيلية، وهو ما يشير ضمنياً إلى تلقيها جزءاً من تمويلها لدعم أنشطتها وفعالياتها. ولا يقتصر أثر هذا التمويل على ضمان استمرارية الأنشطة، بل يمتد ليشكّل قاعدة لبناء شبكات تأثير واسعة داخل أوروبا. فالمتبرعون والداعمون للمنظمة غالباً ما ينشطون ضمن دوائر سياسية تمتد علاقاتها إلى اليمين الإسرائيلي، وأحياناً إلى مؤسسات سياسية غربية أخرى. ومن خلال هذه الشبكات، تنسّق ELNET علاقاتها مع مسؤولين سياسيين وأمنيين أوروبيين، مستفيدة من تداخل المصالح والأجندات.
وفي هذا السياق، لا تكتفي المنظمة بوجود مكاتب لها في دول مركزية مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بل تسعى إلى إقامة علاقات مباشرة مع أحزاب رئيسية ومستشارين محافظين، بما يضمن لها موطئ قدم دائم داخل دوائر صنع القرار. ويشبه هذا النهج إلى حدّ بعيد أسلوب AIPAC في الولايات المتحدة، القائم على بناء نفوذ ثنائي الاتجاه عبر إقامة روابط وثيقة مع المؤسسات المدنية والحزبية وتجنيدها لخدمة المصالح الإسرائيلية.
وأيضا يشارك وزراء ونواب أوروبيين بارزين في فعاليات ELNET، وهو ما يتيح لهم قنوات تواصل وتأثير تُستخدم لاحقاً للضغط لصالح إسرائيل داخل مؤسساتهم وإداراتهم. والأهم من ذلك، أن هذه الشبكة من العلاقات تمنح المنظمة نوعاً من "الحصانة" السياسية، إذ إن الدعم الشعبي والحزبي الذي تنسجه قادر على التأثير في صياغة المواقف الرسمية للدول الأوروبية، وتحويلها من فضاء المساءلة إلى فضاء التبرير أو الصمت.
البعد الأمني: ترويج السرد الأمني وتعزيز التعاون الدفاعي
تركّز ELNET في خطابها السياسي على إقامة رابط عضوي بين أمن أوروبا وأمن إسرائيل، باعتباره حجر الزاوية في رسالتها. وفق هذا المنطق، تُقدَّم تهديدات "الإرهاب الدولي" وإيران وغيرها بوصفها مخاطر مشتركة تفرض على أوروبا التعامل مع إسرائيل كشريك استراتيجي لا غنى عنه. وفي هذا السياق، برزت تصريحات ELNET–ألمانيا في مارس 2025، التي شددت على أن نظام "القبة الحديدية" وتقنيات الدفاع الصاروخي الإسرائيلية قادرة على تعزيز قدرات الردع الأوروبية. وبالتوازي، يعمل متحدثو المنظمة ومقالاتها على تهيئة الرأي العام الأوروبي لتقبّل فكرة التعاون الأمني المشترك مع إسرائيل. ومن الأمثلة الدالة على ذلك، مقال نشره رئيس ELNET– ألمانيا في حزيران/يونيو 2025، دعا فيه صراحة إلى توسيع التعاون العسكري الألماني– الإسرائيلي، معتبراً أن على ألمانيا أن تكون "شريكاً" في هذا التعاون، لا مجرد "مشترٍ" للسلاح.
ولا يبقى هذا الخطاب في حدود التنظير، بل ينعكس في خطوات عملية على الأرض. ففي ألمانيا، أُطلقت مبادرات أمنية وعسكرية مشتركة بمشاركة كبار ضباط الجيش وشركات الصناعات الدفاعية، سواء الإسرائيلية أو الأوروبية، بهدف دمج التكنولوجيا الإسرائيلية داخل البنية الدفاعية الأوروبية. كما يضمّ المجلس الاستشاري الخاص بـ ELNET أسماء سياسية وعسكرية بارزة محسوبة على التيارات المحافظة، بما يسمح باستمرار الضغوط المؤسسية باتجاه توسيع صفقات التسليح والتعاون العسكري.
وفي سياق موازٍ، تحرّكت بعض الأصوات الأوروبية بهدوء لدعم إسرائيل في صراعاتها، مستفيدة من إعادة توجيه الخطاب العام. ففي الوقت الذي كان فيه الرأي العام الأوروبي منقسما حول مفهوم حق المقاومة للفلسطينيين، ركّزت ELNET على إبراز المدنيين الإسرائيليين بوصفهم ضحايا مستهدفين بالرصاص والطائرات، وهو تصوير جرى توظيفه لتبرير الإجراءات الأمنية الإسرائيلية وتهميش السياق الأوسع للصراع.
كما تنطلق ELNET من قناعة مفادها أن أمن أوروبا لا يمكن فصله عن أمن إسرائيل، وأن التهديدات المشتركة، سواء تمثلت في تصعيد إيران أو الصواريخ العابرة، تشكّل حوافز دائمة للحفاظ على هذا التعاون. ونتيجة لذلك، تراجعت الشكاوى القانونية المتعلقة بانتهاكات الحرب داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، في مقابل بروز التعاون الأمني والتسليحي باعتباره أمراً شبه مفروغ منه. ويبدو أن هذا المسار دفع بعض العواصم الأوروبية إلى إعادة ترتيب أولوياتها؛ ففي البرلمان الأوروبي، جرى إقرار مبادرات تحافظ على التعاون الأمني والتكنولوجي مع إسرائيل، بينما تحوّلت النقاشات الدبلوماسية تدريجياً من "انتقاد الانتهاكات" إلى "تعزيز الشراكة".
وبالرغم من أن ELNET تعمل إلى حدّ كبير بعيداً عن الأضواء الإعلامية، فإن أثرها بات يُترجم إلى سياسات ملموسة على مستوى الاتحاد الأوروبي. فقد مالت موازين التمويل والتعاون الأمني لصالح تبنّي رؤية أكثر قرباً من الموقف الإسرائيلي، إلى درجة أصبح فيها الحديث عن جرائم الحرب مسألة ثانوية نسبياً داخل الدوائر الرسمية. وفي المقابل، تصاعدت الدعوات إلى تعميق التعاون التكنولوجي والأمني مع إسرائيل داخل دوائر صنع القرار، بما يعكس، جزئياً على الأقل، نجاح ELNET في إعادة صياغة أولويات الاتحاد الأوروبي بما يتوافق مع مصالح تل أبيب.
نهاية، تكشف تجربة ELNET في أوروبا عن طبيعة عمل شبكات الضغط الدولية التي تعتمد استراتيجيات طويلة الأمد وأدوات محسوبة لاحتواء أي تراجع في الدعم الممنوح لإسرائيل. وخلال حرب الإبادة على غزة، أثبتت المنظمة فاعليتها عبر توظيف دبلوماسية مدروسة، وموارد مالية مكثفة من دوائر موالية، وشبكة علاقات سياسية وعسكرية وثيقة، بما سمح لها بحفر خندق إعلامي وسياسي يحمي الخطاب الإسرائيلي داخل العواصم الأوروبية، ويعيد تسويق مفاهيم "الأمن" و"الديمقراطية" كمبررات جاهزة في الخطاب الرسمي. ومع ذلك، تبقى المعركة المعلوماتية والدبلوماسية حول جرائم وانتهاكات إسرائيل مفتوحة، إذ يظل وعي الرأي العام الأوروبي وصنّاع القرار بهذه الاستراتيجيات عاملاً حاسماً قد يعيد رسم الموازين كلما انكشفت الحقائق واصطدمت الحسابات المسبقة بحدود المصالح والضمير الأوروبي.
