رفعت الأسد: صعود القوة وسقوط المال.. ونهاية بلا محاسبة

خاص - المدنالأربعاء 2026/01/21
IMG_7372.jpg
رفعت الأسد مشروع حكم فشل وبقي أثره (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكُن رفعت الأسد مجرد شقيقٍ لرئيسٍ حكم سوريا لعقود، بل كان مركزَ قوةٍ قائماً بذاته داخل بنية الحكم. منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، راكم أدوات سلطة شبه مكتملة: تشكيل عسكري يعمل خارج المنظومة التقليدية، نفوذ أمني مباشر، وشبكات مالية امتدت باكراً إلى خارج البلاد. ومع ذلك، ظلّ مشروعه السياسي مشروعاً معلّقاً؛ امتلك وسائل الفرض، لكنه عجز عن بلوغ لحظة التتويج. بين دمشق التي ارتبط اسمه فيها بمرحلة صعود قاسية، وباريس التي شهدت سقوطه القضائي، تتكوّن سيرة رجل حاول أن يفرض نفسه "وريثاً بالقوة"، قبل أن ينتهي عائداً إلى النظام نفسه الذي كاد يواجهه، لا من موقع الشريك ولا المنافس، بل هرباً من تبعات ملاحقات طاولت ثروته ومصادرها.

اليوم، تكتسب هذه السيرة معناها الأوضح مع وفاة رفعت الأسد في دمشق، بعد سنوات من عودته الصامتة إليها. موته لا يفتح فصلاً جديداً بقدر ما يُغلق ملفاً ظلّ معلقاً لعقود: ملف رجلٍ كان في قلب السلطة، ثم على هامشها، ثم خارجها، قبل أن يعود إليها شيخاً منزوع التأثير، وقد تآكلت الأدوات التي صنعت حضوره وخوفه في آن.

الوفاة لا تعيد كتابة الوقائع، لكنها تفرض إعادة قراءتها. فرفعت الأسد خرج من التاريخ السياسي السوري من دون محاسبة داخلية أو مساءلة وطنية عن دوره في واحدة من أكثر مراحل العنف دموية. انتهت حياته في لحظة فقد فيها كل ما شكّل سلطته ذات يوم: لا قوة تحميه، ولا صور تُستدعى لتأكيد حضوره، ولا جمهور يُعبّأ عند الحاجة، ولا قدرة حتى على الادعاء بدورٍ لم يعد قائماً.

بهذا المعنى، لا تُقرأ سيرة رفعت الأسد بوصفها سيرة رجل انتهى فحسب، بل كخلاصةٍ مكثفة لطريقةٍ في إنتاج السلطة داخل النظام: رموزٌ تصعد خارج آليات المساءلة، وتبقى محصّنة ما دامت مفيدة، ثم تُترك لتسقط تدريجياً لا عبر المحاكمات، بل عبر الاستنزاف البطيء ــ المنفى، العزلة، الشيخوخة، ثم الموت. ومن هذا المنظور، تتقاطع حوله روايات متناقضة صُنعت في مراحل مختلفة: "الرجل الضروري" في زمن القوة، ثم "المعارض" في المنفى، ثم العائد بدواعٍ "إنسانية" بعد تآكل النفوذ. وبين هذه الصور المتبدلة، تبقى الوقائع وحدها معياراً صالحاً للفهم: ما يثبت في السجلّ العام، لا ما صيغ لتبرير موقعٍ أو لتبرئة دور.

 

سرايا الدفاع… الدولة داخل الدولة

لم يشقّ رفعت الأسد طريقه داخل المؤسسة العسكرية السورية بوصفه ضابطاً تقليدياً تدرّج في الرتب وفق المسارات المعهودة، بل عبر تأسيس قوة موازية أعادت تعريف العلاقة بين الجيش والسلطة. فقد شكّلت "سرايا الدفاع" منذ أواخر السبعينيات كياناً عسكرياً شبه مستقل، نما خارج الأطر الدستورية والقانونية، وتمتّع بتسليح نوعي وامتيازات مالية وتنظيمية استثنائية، جعلت ولاءه مرتبطاً مباشرة بقائده، لا بسلسلة القيادة الرسمية ولا بمفهوم الدولة ذاته.

في بنية حكم قائمة على توازنات أمنية هشّة، لم تكن سرايا الدفاع مجرد وحدة إضافية، بل تحوّلت إلى ما يشبه "احتياط السلطة" أو ذراعها الضاربة خارج الضبط المؤسسي. امتلكت القدرة على التدخل السريع، وفرض الوقائع بالقوة، واستخدام العنف من دون المرور بقنوات المساءلة المعتادة، سواء في مواجهة خصوم النظام أو في ضبط مراكز القوة داخله. بهذا المعنى، مثّلت السرايا نموذجاً مبكراً لـ"الدولة داخل الدولة"، حيث تتقدّم القوة على القانون، ويتقدّم الولاء الشخصي على الانتماء المؤسسي.

مع مطلع الثمانينيات، انتقلت سرايا الدفاع من موقع الردع الضمني إلى أداة قمع مركزي مباشر. في تلك المرحلة، لم تعد القوة تُستخدم بوصفها تهديداً كامناً، بل فُعّلت ميدانياً في أكثر الملفات دموية. ارتبط اسمها بمجزرة سجن تدمر عام 1980، حين جرى قتل مئات المعتقلين داخل زنازينهم، كما كان حضورها حاسماً في أحداث حماة عام 1982، التي انتهت بتدمير واسع للمدينة وسقوط آلاف الضحايا بين قتيل ومفقود.

لم يكن هذا الاستخدام المكثّف للعنف مجرد تنفيذ آلي لأوامر صادرة من أعلى، بل كان جزءاً من معادلة سياسية أعمق: تثبيت رفعت الأسد بوصفه فاعلاً لا يمكن تجاوزه داخل النظام، و"رجل المهمات غير القابلة للتراجع". فمن خلال الدم، راكم شرعيته الخاصة، وبالعنف، فرض نفسه شريكاً قسرياً في توازنات الحكم، إلى أن تحوّلت هذه القوة نفسها لاحقاً إلى مصدر قلق داخل النظام، لا خارجه فقط.

 

كسر الخط الأحمر الاجتماعي

بلغ انفلات سرايا الدفاع ذروته في حادثة شكّلت منعطفاً بالغ الحساسية، حين انتشرت وحدات تابعة لها في الفضاء العام، وارتكبت انتهاكات علنية طاولت نساءً، من بينها التعرّض لملابسهن بالقوة، في مشهد صادم مسّ مباشرة البنية الاجتماعية المحافظة. لم يكن ما جرى مجرد تجاوز أمني عابر، بل كسرٌ فجّ لخط أحمر اجتماعي أدركت السلطة سريعاً أنه لا يحتمل التمادي، لما يحمله من قابلية لتفجير غضب يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية.

في أعقاب هذه الواقعة، خرج حافظ الأسد على غير عادته إلى العلن، وظهر عبر التلفزيون الرسمي مقدّماً اعتذاراً عمّا حدث، في خطوة نادرة عكست حجم القلق داخل النظام. لم يكن هذا الظهور موجهاً إلى الضحايا بقدر ما كان رسالة تطمين للمجتمع الأوسع، ومحاولة لاحتواء تداعيات حادثة فُهمت داخل دوائر القرار بوصفها "نقطة اللاعودة" إذا ما استمر انفلات القوة على هذا النحو.

كشفت هذه الحادثة حدود العنف بوصفه أداة حكم، وأظهرت أن القوة حين تصطدم بالبنية الاجتماعية تتحوّل من وسيلة ضبط إلى عامل تفجير داخلي. منذ تلك اللحظة، لم تعد سرايا الدفاع تُرى بوصفها ضمانة مطلقة للاستقرار، بل كقوة تحتاج إلى تحجيم قبل أن تتجاوز وظيفتها الأمنية وتتحوّل إلى عبء سياسي وأخلاقي على النظام نفسه.

 

الكاريزما المصنَّعة: الوجه الآخر للقوة

لم تقتصر سلطة رفعت الأسد على السلاح والتنظيم، بل جرى تعزيزها بعناية عبر صناعة صورة شخصية ذات حمولة رمزية واضحة. ملامحه القاسية، وحضوره الجسدي الطاغي، لم يكونا تفصيلاً شكلياً، بل جزءاً من بناء الهيبة. انتشرت صوره على نطاق واسع في مدن وقرى الساحل، لا بوصفه مسؤولاً عسكرياً فحسب، بل باعتباره وجهاً للقوة ذاتها. كانت الصورة امتداداً للدبابة، والملصق وجهاً آخر للسلطة المسلحة، في فضاء اعتاد ربط الأمن بالأشخاص لا بالمؤسسات.

إلى جانب ذلك، عُرف بسخائه على مؤيديه ومحيطه، سواء داخل تشكيلاته العسكرية أو في دائرته الاجتماعية الأوسع. لم يكن هذا السخاء تعبيراً عن كرم شخصي، بقدر ما كان أداة سياسية واعية لإدارة الولاء. المال، والامتيازات، والحماية تحوّلت إلى عملة نفوذ، تُستخدم لتثبيت الشبكات وضمان الاصطفاف، في نظام يقوم على المكافأة بقدر ما يقوم على العقاب.

في هذا السياق، تَشكَّلت حوله صورة "الرجل القوي" الذي لا يُختزل في دوره الأمني فقط، بل يمتد إلى المجال الاجتماعي والثقافي. أبدى اهتماماً بالغناء والطرب، وحرص على الظهور بوصفه راعياً للفن الشعبي في بيئته، فدعم أسماء معروفة مثل فؤاد غازي وأنهاه. لم يكن هذا الحضور الفني منفصلاً عن السياسة، بل شكّل وجهاً ناعماً لسلطة قاسية، تُستخدم فيه الثقافة الشعبية لتليين الصورة، ومنحها قدراً من القرب والقبول.

هذا الجمع بين العنف العاري والوجه الاجتماعي "الودود" أسهم في ترسيخ موقع رفعت الأسد داخل معادلة الحكم، بوصفه شخصية قادرة على الجمع بين القبضة الأمنية والشرعية الشعبية المصنَّعة. غير أن هذا التوازن ظلّ هشّاً بطبيعته، وقائماً على شخصه لا على موقع مؤسسي ثابت، ما جعله سريع الانكشاف عند أول اختبار حقيقي للصراع على السلطة.

 

1984... صدام الأخوة

مع دخول حافظ الأسد في أزمة صحية حادة أواخر عام 1983، دخل النظام السوري واحدة من أكثر لحظاته هشاشة منذ استقراره في السلطة. أُعلنت في تلك الفترة لجنة لإدارة شؤون الدولة، في خطوة عكست قلق الدائرة الضيقة من فراغ محتمل في مركز القرار. بالنسبة إلى رفعت الأسد، لم تكن هذه الترتيبات إجراءً مؤقتاً بقدر ما كانت إشارة إقصاء صريحة، وتجاوزاً لموقعٍ كان يرى نفسه الأجدر بوراثته.

في آذار 1984، خرج هذا التوتر المكتوم إلى العلن. انتشرت دبابات سرايا الدفاع في شوارع دمشق ومحيط مؤسساتها الحساسة، وظهرت شعارات وصور توحي بمرحلة انتقالية وشيكة. لم يُعلن انقلاب رسمي، ولم تُلقَ بيانات عبر الإذاعة، لكن الوقائع الميدانية حملت كل عناصر الانقلاب غير المُسمّى: قوة عسكرية مستقلة، انتشار مدروس، ورسائل سياسية موجهة إلى الداخل قبل الخارج. عاشت العاصمة أياماً من الترقّب، حيث بدا أن الصراع انتقل من الغرف المغلقة إلى الشارع.

انتهت المواجهة بتسوية عائلية ــ سياسية معقّدة، جرى بموجبها تحييد رفعت الأسد وإخراجه من البلاد، مقابل منحه منصباً فخرياً خالياً من الصلاحيات، وتسهيل انتقاله إلى الخارج بامتيازات مالية واسعة. لم تُعلن تفاصيل هذه التسوية، ولم تُوثّق رسمياً، لكن آثارها كانت واضحة: تفكيك التهديد المباشر للسلطة من دون الدخول في صدام دموي داخل العاصمة، وإبعاد مركز القوة المنافس إلى المنفى، مع الإبقاء على بنيته السابقة من دون محاسبة أو مساءلة.

شكّلت هذه اللحظة منعطفاً حاسماً في تاريخ النظام. فمن جهة، ثبّتت قدرة حافظ الأسد على إدارة الصراع داخل العائلة الحاكمة بأقل كلفة ممكنة، ومن جهة أخرى، كرّست منطق المعالجة الأمنية ــ العائلية للأزمات، حيث يُحتوى الخطر لا عبر القانون، بل عبر الإزاحة والاحتواء. أما رفعت الأسد، فقد خرج من دمشق آنذاك خاسراً المعركة، لكنه احتفظ، لسنوات طويلة، بوهم العودة والانتقام المؤجَّل.

 

معارضة المنفى… خطاب بلا قطيعة

في المنفى الأوروبي، أعاد رفعت الأسد تقديم نفسه بوصفه فاعلاً سياسياً معارضاً، لا امتداداً لمرحلة انتهت. أسّس تجمعات سياسية ذات عناوين قومية وإصلاحية، وأطلق من لندن قناة إعلامية سعى عبرها إلى إعادة صياغة صورته العامة، مقدّماً خطاباً "ديمقراطياً" يَعِد بالإصلاح والانفتاح، ويتحدّث بلغة حقوق الإنسان والدولة المدنية. غير أن هذا التحول ظلّ في حدوده الخطابية، إذ لم يُرافقه أي اعتراف علني بدوره السابق، ولا مراجعة لمسؤوليته عن العنف الواسع الذي ارتبط باسمه خلال سنوات صعوده داخل النظام.

هذا الانفصال بين الخطاب والسيرة أفقده سريعاً صدقيته لدى قطاع واسع من المعارضة السورية، التي رأت في معارضته امتداداً لصراع عائلي على السلطة، لا قطيعة سياسية أو أخلاقية مع بنية الحكم ذاتها. فرفعت، في نظر كثيرين، لم ينتقل من موقع الجلاد إلى موقع المعارض، بل من موقع الخاسر في الصراع الداخلي إلى موقع المنتظر لفرصة عودة، محتفظاً بالمنطق نفسه وإن بدّل اللغة.

بالتوازي مع نشاطه السياسي المحدود التأثير، انصرف رفعت الأسد إلى بناء إمبراطورية مالية واسعة، مستفيداً من المناخ الأوروبي السائد خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، حين كانت تدفقات الأموال القادمة من الشرق الأوسط تُستقبل بترحيب، في ظل رقابة ضعيفة على مصادرها. توسّعت استثماراته في العقارات والشركات، لا بوصفها نشاطاً جانبياً، بل كركيزة أساسية لحياته في المنفى، ومصدر نفوذ بديل عن القوة التي فقدها في الداخل.

هكذا، تكرّست معارضة رفعت الأسد في الخارج كحالة بلا قطيعة حقيقية: خطاب سياسي لا يلامس جذور التجربة، وثروة متنامية لا تُطرح أسئلتها علناً، وانتظار طويل للحظة لم تأتِ. وبينما كان يقدّم نفسه للغرب كـ"بديل محتمل"، كان واقعه الفعلي يبتعد أكثر فأكثر عن أي دور سياسي مؤثر، ليبقى حضوره محصوراً في هامش المعارضة، لا في قلبها.

 

سقوط قضائي لا سياسي

لم يأتِ التحوّل الحاسم في مسار رفعت الأسد من دمشق، حيث ظلّ خارج أي مساءلة داخلية، بل من العواصم الأوروبية التي شكّلت لعقود ملاذه الآمن. ففي باريس ومدريد تحديداً، بدأ المسار الذي سيقود إلى سقوطه الفعلي، لا بوصفه خصماً سياسياً للنظام، بل كمتهم في قضايا تتعلق بمصادر ثروة هائلة راكمها خلال سنوات نفوذه ومنفاه معاً.

ابتداءً من عام 2013، فُتح ملف ممتلكات رفعت الأسد على نطاق واسع، كاشفاً شبكة معقّدة من العقارات الفاخرة والشركات الواجهة، امتدت بين فرنسا وإسبانيا. أظهرت التحقيقات امتلاكه عشرات العقارات في مواقع مركزية وراقية، قُدّرت قيمتها بمئات الملايين من اليوروهات، ما طرح سؤالاً مباشراً حول التناقض الصارخ بين هذه الثروة وحصيلة دخله المعلنة طوال مسيرته الرسمية.

في عام 2020، صدر الحكم الأول بإدانته بتهم غسل الأموال واختلاس المال العام، في قرار شكّل سابقة نادرة بحق أحد أركان النظام السوري. وبعد مسار قضائي طويل، ثُبّت الحكم نهائياً عام 2022، متضمّناً عقوبة السجن ومصادرة الجزء الأكبر من ممتلكاته. خلال المحاكمة، حاول الدفاع تبرير الثروة باعتبارها "هبات" من قادة عرب وشخصيات نافذة، غير أن القضاء اعتبر هذه الرواية غير مدعومة بأدلة قانونية كافية، ورفضها بوصفها غطاءً لا يرقى إلى مستوى التفسير المشروع لمصدر الأموال.

بهذا الحكم، سقط رفعت الأسد للمرة الأولى خارج منطق التوازنات السياسية، لا بفعل صراع داخلي أو انقلاب فاشل، بل عبر أدوات القانون المالي وتتبع حركة المال. لم يكن ذلك سقوطاً سياسياً بالمعنى التقليدي، إذ لم يُساءل عن أدواره الأمنية ولا عن مسؤوليته عن العنف، لكنه كان السقوط الأكثر إيلاماً: تجريده من الثروة التي شكّلت، لسنوات طويلة، بديلاً عن السلطة التي خسرها.

في النهاية، كشفت هذه المرحلة مفارقة جوهرية في مسيرته. الرجل الذي أفلت من المحاسبة في بلاده، ونجا من صراعات السلطة، وجد نفسه محاصَراً بأدوات لم يعِرها يوماً اهتماماً: سجلات الملكية، التحويلات المصرفية، ومسار المال عبر الحدود. هناك، خارج السياسة، أُنجز سقوطه الحقيقي.

 

العودة… خاتمة بلا مجد

في تشرين الأول/أكتوبر 2021، عاد رفعت الأسد إلى سوريا بعد غياب امتد أكثر من ثلاثة عقود. لم تكن عودته عودة منتصر، ولا ثمرة تسوية سياسية، بل خطوة اضطرارية لرجلٍ استنفد خياراته في الخارج، وجاءت في سياق ملاحقات قضائية أوروبية انتهت بأحكام نهائية ومصادرة واسعة لممتلكاته. قُدّمت العودة آنذاك بغطاء "إنساني"، لكنها عكست عملياً نهاية أي دور سياسي أو عام.

منذ تلك اللحظة، غاب رفعت الأسد كلياً عن المشهد. لم يظهر في الفضاء العام، ولم يُمنح موقعاً رمزياً، ولم يُسمح له بإعادة إنتاج صورته السابقة، لا كقائد عسكري ولا كفاعل سياسي. عاش في عزلة صامتة، منزوع النفوذ، في موقع يعكس تحوّله من مركز قوة سابق إلى ملف مُجمَّد أُعيد إلى الداخل لإغلاقه بهدوء.

ومع الإعلان عن وفاته اليوم، تُغلق السيرة بيولوجياً قبل أن تُغلق سياسياً أو أخلاقياً. انتهت حياة سياسية طويلة من دون محاكمة داخلية، ومن دون مساءلة وطنية عن دورٍ محوري في واحدة من أكثر مراحل العنف دموية في تاريخ سوريا الحديث. لم تُحسم قضيته داخل بلده، ولم تُواجَه مسؤولياته علناً، بل انتهى حضوره بفعل الزمن، لا بفعل العدالة.

تمثّل نهاية رفعت الأسد، بهذا المعنى، خاتمة بلا مجد ولا تصفية حساب. رجل صعد بالقوة، وراكم النفوذ بالعنف، ثم خسر السلطة، فاستعاض عنها بالمال، قبل أن يُجرَّد من الاثنين معاً. خرج من التاريخ السياسي السوري لا باعتباره خصماً هُزم، ولا شريكاً أُقصي، بل نموذجاً مكتملاً لمسار سلطة لا تُحاسِب رموزها، وتترك نهاياتهم للشيخوخة أو المنفى أو الموت، فيما تبقى آثارهم الأثقل محفورة في ذاكرة البلاد بلا إنصاف.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث