رئيس وزراء قطر من دافوس: المنطقة قد تنفجر إذا غابت الحكمة

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/01/20
Image-1768925119
رئيس وزراء قطر: لا نرغب بتصعيد جديد في المنطقة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطرية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، اليوم الثلاثاء، إن المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة "تمّت"، لكنها لم تُنفّذ بعد، محذراً من أن الأوضاع في المنطقة "قد تنفجر إذا لم يتم التعامل معها".

وأضاف رئيس وزراء قطر، خلال حوار في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، أن "هذا لا يعني أن الاتفاق نُفّذ"، مشيراً إلى أن وقف إطلاق النار القائم في غزة "غير مكتمل"، وأنه "يجب التأكد من انسحاب الجيش الإسرائيلي" لضمان استدامته.

وأوضح أن الوضع الإنساني في القطاع لا يزال خطيراً، قائلاً: "الوضع الإنساني في غزة ما زال يحتاج لكثير من التدخل، ويجب أن يتم رفع القيود لتسهيل دخول المساعدات". وتابع: "هناك وقف إطلاق نار في غزة، لكنه غير مكتمل، ويجب التأكد بانسحاب الجيش الإسرائيلي".

 

الدوحة لا ترغب بتصعيد جديد بالمنطقة

وحذّر رئيس الوزراء القطري من تصاعد التوترات في المنطقة، مؤكداً أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة حساسة، وقال: "المنطقة تمر بالكثير من التوتر، وأعتقد أنه يجب أن نلجأ للحكمة، ويجب تكاتف دول المنطقة لتعزيز الأمن". وأضاف: "نقوم دوماً بالدفع نحو الحلول السلمية، ونقول إن أي تصعيد ستكون له تبعات".

وفي ما يتعلق بمقترح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنشاء "مجلس سلام" بشأن غزة، شدد الشيخ محمد بن عبد الرحمن على ضرورة أن يكون لهذا المجلس دور فعلي، قائلاً: "مجلس السلام بشأن غزة يجب أن يكون فعالاً، وعنصر استقرار". ودعا الدول التي ستنضم إلى المجلس إلى الاضطلاع بمسؤولياتها، مضيفاً: "على الدول التي تنضم إلى المجلس أن تبذل جهدها نحو تعزيز الاستقرار".

وفي سياق آخر، قال رئيس وزراء قطر إن الدوحة لا ترغب في رؤية أي تصعيد جديد في المنطقة، مشيراً إلى أنها تدفع باتجاه الحلول الدبلوماسية في الملفات الإقليمية الحساسة. وأضاف: "لا نرغب في رؤية تصعيد"، لافتاً إلى أن قطر "نصحت واشنطن كشريك بالحل الدبلوماسي لملف إيران النووي".

ويأتي حديث رئيس الوزراء القطري في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متزايداً، في ظل هشاشة وقف إطلاق النار في غزة، واستمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، إلى جانب غياب مسار سياسي واضح لتثبيت التهدئة وإطلاق مرحلة إعادة الإعمار.

 

وفي ما يلي نص الندوة الحوارية في منتدى دافوس مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطرية الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني:


‏المحاور: دولة رئيس الوزراء، بالنسبة لكثيرين منا، تُعدّ إحدى أبرز محطات اجتماعنا السنوي هي هذه المناقشة معكم حول حال العالم وحال الشرق الأوسط، فهل حال العالم هذا العام أفضل مما كان عليه العام الماضي، أم أنه أسوأ من العام الماضي وأفضل من العام المقبل؟
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: حسنًا، إذا أردتُ أن أضع الأمر بطريقة أدق، فأعتقد أنه أكثر تعقيدًا.أعتقد أن العالم بأسره يمرّ في هذه اللحظة بمرحلة مفصلية. لقد رأينا وتيرة التغيّرات التي نمرّ بها تتسارع على نحو غير مسبوق. إنها لحظة نحتاج فيها فعلًا إلى قدر أكبر من الهدوء، وأن نفكّر مليًّا فيما يجري، وأن نحاول إيجاد طريقة للإبحار في خضمّ هذا الاضطراب على نحو يجعلنا أقوى وأكثر صلابة، وكذلك أكثر حكمة في كيفية معالجتنا لمشكلاتنا وصراعاتنا.
إذا نظرنا إلى كيفية عمل العالم منذ الحرب العالمية الثانية، كان هناك نظام عالمي، وكان هناك إطار عمل ظلّ قائمًا لعقود، لكن هذا النظام العالمي شهد تغيّرات جذرية في مناسبات وأحداث كثيرة خلال العقدين الماضيين، إلى حدّ أن آليات الضبط والتوازن التي كنّا نعرفها لم تعد موجودة اليوم، وهذه التغيّرات كانت تحدث على مدى سنوات طويلة، لكننا لم نكن نلاحظها بسبب الفواصل الزمنية بينها وبسبب بطئها النسبي، غير أننا خلال العامين الماضيين، ولا سيما هذا العام، شهدنا تسارعًا واضحًا لها، لذلك بات الجميع يلاحظ أن هناك شيئًا ما يحدث، وأن هذا النظام يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاحات التي لم نلتفت إليها خلال العقدين الماضيين.


المحاور: إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط أو إلى منطقة الخليج، كان من الممكن أن نشهد حربًا شاملة تقريبًا مع إيران، لكنها لم تتصعّد، ولدينا رئيس جديد في سوريا، وحكومة جديدة في لبنان، ولدينا تحدٍّ لم يُحلّ بعد في اليمن، ولدينا أيضًا الوضع في غزة، ما الذي ترونه أكبر مصدر قلق لكم في الشرق الأوسط خلال العام المقبل؟ وأين تكمن أكبر نقاط التفاؤل لديكم، باستثناء الاقتصاد في قطر الذي يسير على نحو ممتاز جدًا، وسنعود إلى ذلك لاحقًا.

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: حسنًا، شكرًا جزيلًا. أعتقد أن هناك الكثير من الأمور الجيدة التي حدثت العام الماضي، والتي كانت إيجابية لمنطقتنا أكثر مما كانت سلبية، ولا يمكنني إنكار ذلك، وكما ذكرت، لدينا رئيس في سوريا، وحكومة جديدة في لبنان، ويمكن القول إن الحرب في غزة توقفت تقريبًا، وإن كنا، للأسف، ما زلنا نرى القتل مستمرًا، لكنه أصبح في وضع أفضل مما كان عليه سابقًا، لكن هذا لا يعني أن الوضع في المنطقة بات مستقرًا بالفعل أو أنه يتجه بثبات نحو الاستقرار.
ما زال هناك قدر كبير من عدم اليقين بشأن ما يجري حتى الان، وما يقلقني حقًا هو تصاعد التوتر في هذه المنطقة، سواء بسبب تَبِعات الحروب أو ما يحدث مع إيران، أو أي جبهات أخرى في المنطقة يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا لم نتعامل معها بحكمة.
نحتاج إلى التفكير بعناية في كيفية النظر إلى هيكلية الأمن الإقليمي لدينا، وأن نعمل كمنطقة واحدة معًا، وأن نبدأ في إعادة بناء الثقة فيما بيننا.
كل دولة في منطقتنا تحتاج إلى حماية نفسها، ولها الحق في ذلك، لأن الدول لا تصل إلى هذا الاستنتاج إلا عندما تشعر بأنها مهدَّدة، وهناك أمرٌ ما يُحرّك، كما تعلمون، هذا الإحساس بانعدام الأمن، وأعتقد أننا بحاجة إلى معالجة الجذور الحقيقية لهذه المشكلة، وقد حان الوقت لكي تجتمع المنطقة معًا وتفكّر في كيفية إعادة تشكيل هيكلها الأمني، على الأقل بما يضمن ألّا يُشكّل أيٌّ منا تهديدًا للآخر.


المحاور: نحن نعلم أن الرئيس ترامب سيُطلق يوم الخميس "مجلس السلام" والمرحلة الثانية من تثبيت الاستقرار في غزة. ما رأيكم في ذلك؟
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: حسنًا، إن التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بحدّ ذاته كان اختراقًا كبيرًا حققناه، وبالطبع…


المحاور: وتهانينا لقطر تحت قيادتكم، وكذلك لمصر والولايات المتحدة. 
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: شكرًا جزيلًا، فيما يتعلّق بذلك، أعتقد أن ما مررنا به علّمنا الكثير من الدروس، وأرى أن مجلس السلام يقدّم مسارًا للمضي قدمًا، وقد اقترح الرئيس ترامب هذا المسار، لكن تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق لا يعني أن الاتفاق قد اكتمل، فلا يزال أمامنا الكثير من العمل، وأعتقد أن جميع الدول المنضمّة إلى هذا المجلس بحاجة إلى العمل بجدّ، وضمان أن يعمل مجلس السلام على نحو يحقّق الغاية منه، وأن يصبح عاملًا للاستقرار.

 

‏المحاور: وقطر عضو في المجلس؟ 
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: نعم، لقد وُجّهت إلينا دعوة للانضمام إلى هذا المجلس. وبالطبع نحن سعداء بأن نكون مساهمين في تحقيق السلام والاستقرار في منطقتنا.
هناك تحدّيات كثيرة في التنفيذ، لكن لا توجد أمامنا مسارات بديلة في الوقت الراهن، وأعتقد أن الأمر الأهم الآن هو ضمان استقرار غزة، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية في أقرب وقت ممكن، وتمكين الناس من استعادة حياتهم بأسرع ما يمكن، وهذا يجب أن يكون محور التركيز الأساسي لمجلس السلام.
المحاور: قرأت للتو أن نصف غزة لا يزال تحت سيطرة الإسرائيليين، والنصف الآخر تحت سيطرة حماس، فهل هذا توصيف دقيق أم غير صحيح؟
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: في الواقع، نعم، وأعتقد أنه حتى أكثر من النصف لا يزال تحت سيطرة القوات الإسرائيلية.
كان هناك اتفاق حدّد ما يُسمّى بالخط الأصفر في تلك المرحلة الأولى من الانسحاب، لكن للأسف لم يتم احترام هذا الخط كما ورد في الخريطة، وأكثر من نصف القطاع بات مُحدّدًا فعليًا كمنطقة انتشار للقوات الإسرائيلية، وللأسف فإن ما يتجاوز هذا النطاق يخلق الكثير من نقاط التوتر، حيث نشهد بين الحين والآخر إطلاق نار حيًّا وسقوط قتلى من المدنيين، وهذه الأحداث اليومية، والقتل، ما زالت مستمرة.
هناك وقف لإطلاق النار، نعم، لكنه ليس وقفًا كاملًا تُسوده السكينة في كل مكان، وما زلنا نواجه هذه التحدّيات، وعلينا أن نضمن عودة القوات الإسرائيلية والتزامها بالانسحاب من أجل تفكيك نقاط التوتر هذه.


المحاور: الوضع الإنساني، هل هو أفضل؟
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: لا، لا.. إذا قارنّاه بالعام الماضي، فقد يكون أفضل نسبيًا، لكنه ما زال بحاجة إلى تدخّل كبير.
لا تزال كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية غير مسموح بدخولها بسبب المواد ذات الاستخدام المزدوج وقيود أخرى، ونحن بحاجة إلى وصول إنساني غير مقيّد للسكان، وما زالت الملاجئ مفقودة، والاحتياجات كبيرة، لكننا نعمل بشكل وثيق جدًا مع زملائنا في الولايات المتحدة ومصر وتركيا لضمان وجود آلية تدعم الحكومة التكنوقراطية التي جرى تشكيلها مؤخرًا، بما يمكّنها من مساعدة الناس وتحسين مستوى حياتهم.


المحاور: دعونا ننتقل قليلًا شرقًا: ما السيناريو الأكثر ترجيحًا لإيران بعد عام من الآن؟  
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: حسنًا، لا أستطيع التنبؤ بسيناريوهات تخصّ دولًا بعينها، لكنني أعتقد أن ما ذكرته لكم للتو بالغ الأهمية؛ فالمنطقة تمرّ بقدر كبير من التوترات، وبالطبع، لا يمكننا استبعاد ما يجري في إيران، وما يتصل بإيران، من هذه التوترات في المنطقة، وأعتقد أنه، في ظل كل هذا الاضطراب من حولنا، نحتاج إلى التحلّي بمزيد من الهدوء واللجوء إلى الحكمة، وأرى أن هناك العديد من السبل لإيجاد حلول تعالج المشكلات والقضايا، وتوفّر لنا الضمانات الأمنية التي تجلب لنا وللشعب الإيراني الازدهار في المستقبل. هذا هو ما نسعى إليه.
نحن نؤمن دائمًا بأن هناك مجالًا للدبلوماسية، وهذا كان نهجنا في دولة قطر، وسنواصل دائمًا الدعوة إلى الحلول السلمية، ويجب أن نفهم أن أي تصعيد ستكون له عواقب، وقد جُرّب هذا في العراق قبل عشرين عامًا ولم ينجح، ولا تزال العراق والمنطقة تتحمّل تبعات ذلك.


المحاور: وربما يجادل الأميركيون بأن هذا هو الدرس الذي تعلّموه من العراق، وكذلك من فنزويلا. 
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: حسنًا، أنا لا أتحدث باسم الولايات المتحدة، لكننا في حوار مستمر معهم، وأعتقد أن الإدارة الأمريكية كانت دائمًا منخرطة بإيجابية عندما يتعلّق الأمر بمحاولات إيجاد حلول دبلوماسية، وأعتقد أن الرئيس ترامب رجل صفقات، وهو من ساعدنا على تجميع الاتفاق بأكمله ودفعنا إلى خط النهاية.
وأرى أن الوضع مع إيران ليس معقّدًا إلى هذا الحد، لكنه يحتاج إلى مقاربة متعددة المسارات لمعالجة القضية النووية أولًا، ثم مسألة الأمن الإقليمي، وهي مسألة ينبغي أن تُناقَش داخل الإقليم نفسه.


المحاور: لكن، كما تعلمون، فإن إيران اليوم أكثر هشاشة مما كانت عليه سابقًا؛ فعندما كان حزب الله أقوى في لبنان، وحماس أقوى في غزة، وكان الأسد في الحكم في دمشق، كانت لدى إيران أوراق ضغط أكبر. ومع ذلك، لا تزال تمتلك نفوذًا، بمعنى أنها تملك مئات الآلاف من الصواريخ الباليستية، وما قرأته في الصحف، على الأقل، هو أن دول الخليج، السعودية والإمارات وقطر، كانت تجادل الأمريكيين بعدم مهاجمة إيران بسبب الاحتجاجات وأعمال القتل التي وقعت في الشوارع.. هل هذا صحيح؟
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: لا، في الواقع لم يحدث ذلك. نحن منخرطون مع الأمريكيين ومع الإيرانيين، ونحن لا نريد أن نشهد تصعيدًا عسكريًا في منطقتنا. لم نجادل الأمريكيين في هذا الشأن، وما نقدّمه، بصفتنا شريكًا وحليفًا للولايات المتحدة، هو نصيحة صادقة حول ما يجري، ونصيحتنا الصادقة هي أن أفضل طريق إلى الأمام يتمثّل في إيجاد حل دبلوماسي للمشكلة النووية.
نحن لا نريد أن ننتهي إلى منطقة تشهد سباقًا نوويًا، وقد رأينا كيف يهتزّ العالم اليوم، وأعتقد أن هناك فرصة، وأن هذا هو الوقت المناسب لكي تجتمع المنطقة معًا، وأن نحرص على فهم مظالم بعضنا البعض ومخاوفنا المتبادلة، وأن نضمن أن يشعر الجميع بالأمان والحماية، وهذا يشمل الإيرانيين، ويشمل الفلسطينيين والإسرائيليين، ويشمل الجميع في المنطقة.


المحاور: للانتقال إلى موضوع آخر، لكنه ما زال ضمن الإقليم، سنشهد حضور الرئيس السوري إلى دافوس للمرة الأولى في التاريخ، وهناك تطورات تجري هناك، وسنرى كيف ستتبلور، لكن فيما يتعلّق بسوريا، أعتقد أن موقف قطر كان واضحًا في اعتبار ما يجري تقدّمًا، وأظن أن السعودية تتبنّى الرأي نفسه. إذا نظرنا إلى وضع سوريا اليوم وآفاقها، كيف ترون الفرص المتاحة أمام الرئيس لجمع البلاد، والتعامل مع المجموعات المختلفة، وكسب الدعم؟ أم أنكم قلقون من أن هذا المسار قد لا ينجح؟
الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: أولًا، أعتقد أن سوريا مرّت بالفعل بخمسة عشر عامًا صعبة للغاية، وخمسة عشر عامًا من هذا الاضطراب والصراعات لا بدّ أن تترك آثارها، ونحن نعلم أن العودة إلى بلد خرج من حرب أهلية والبدء بإعادة بناء المؤسسات، وإعادة بناء الدولة، وإعادة بناء الأنظمة، مهمة ليست سهلة، بل إنها مهمة شاقّة، والحكومة السورية تحتاج إلى المساعدة، وقد طلبت هذه المساعدة، ونحن جميعًا نحاول مساعدتها للوصول إلى تلك المرحلة.
بالطبع، ستكون هناك العديد من التحديات، لكن في نهاية المطاف، جمال سوريا يكمن في تنوعها، في النسيج الاجتماعي الذي ظل قائمًا فيها لقرون طويلة، وليس شيئًا جديدًا، وأعتقد أن الجميع في سوريا يريدون رؤية سوريا واحدة، مستقرة، ويرغبون في ضمان المساواة في المعاملة وحماية حقوقهم، وهذا حقهم الطبيعي، وأرى أن مساهمتنا كمنطقة أو كمجتمع دولي تجاه سوريا تتمثل في مساعدتهم على بناء دولتهم، وبناء مؤسساتهم، وإنشاء نظام شامل يضمّ الجميع، لكن لا يمكن بناء دولة دون بناء نظام مؤسسي سليم يشمل الجميع.


المحاور: وهل يتم ذلك الآن؟ هل ترون هذا الهيكل يُبنى؟ 
‏ الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: نحن نرى بعض التقدّم، مع العلم أن هناك الكثير من التحديات على الطريق، لكن علينا التأكد من أننا نوفر لهم الدعم الصحيح لتحقيق ذلك.


المحاور: إذا تحوّلنا قليلًا شرقًا، نجد العراق، بلد يمكنه إنتاج ملايين البراميل من النفط يوميًا. لماذا ما زال فقيرًا إلى هذا الحد؟

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: العراق ليس فقيرًا. أولًا، أعتقد أن العراق غني بالفعل، لكن، كما ذكرت، هذا هو نتيجة العمل العسكري، وهذه هي التبعات التي تحملتها المنطقة، وإذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أن هناك نقاط تحول كبيرة في منطقتنا، مثل حرب العراق وإيران، وغزو العراق للكويت، وكل الأحداث التي تراكمت في منطقتنا، ونعتقد أن لحظة التحوّل الكبرى كانت غزو الكويت، الذي شكّل نقطة تحول للمنطقة بأسرها، ووضعها في مسار من الاضطراب، وللأسف، لم نتمكن حتى الآن من تصحيح هذا الوضع.

‏وعندما يتحدث الناس عن العراق اليوم، على الرغم من كل هذه الموارد وثروته، يعتقد الخارج أنه بلد فقير، لأن الكثير من الناس لا يزالون لا يتمتعون بهذه الثروة، وهو ما نراه نتيجة الانقسامات والاستقطابات داخل المجتمع بسبب الحرب، وهذا ما نأمل أن تتجنبه سوريا في المستقبل.

 

‏المحاور: وبالنسبة لسوريا، للأسف، لا تمتلك الموارد الطبيعية المتعلقة بالنفط والغاز كما العراق، لكنكم على حق، هناك موارد أخرى بالطبع، ولا يزال الوضع الإنساني قائمًا في العراق، وهناك أيضًا الكثير من الفساد في البلاد.

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: نعم، للأسف، الفساد يُعدّ آفة آكلَة لكثير من مؤسسات الدولة.

 

‏المحاور: واليمن، هل تريدون الحديث عنه؟

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: حسنًا، سياستنا كانت واضحة منذ البداية، ونحن ندعم الشرعية هناك في اليمن، وندعم حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم بأنفسهم، وأعتقد أن ما تم تحقيقه منذ سنوات طويلة في إطار الحوار الوطني كان نموذجًا جيدًا لليمنيين، وقد قبله الجميع، وللأسف، لم يُنفَّذ هذا الحوار، مما أدى إلى وضع يشعر فيه بعض الأطراف أن الانفصال هو الحل، بينما يراه آخرون بطريقة مختلفة.

‏أعتقد أن القرار النهائي يعود للشعب اليمني، لكن سياسة دولة قطر تظل داعمة للشرعية، ونرغب في رؤية اليمن موحدًا، ونريد أن نرى تنفيذ نتائج الحوار الوطني التي اتفق عليها جميع اليمنيين، لمعرفة ما إذا كانت ستلبّي احتياجات الشعب اليمني أم لا. قطر قامت بالكثير من جهود السلام والمصالحة.

 

‏المحاور: قطر قامت بالعديد من الوساطات، هل تعتقد أن هناك طريقة في اليمن لإدماج الحوثيين ضمن خطة مستقبلية شاملة ومستقرة؟

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: وجهة نظرنا هي أنه لا يمكن استبعاد أي جزء من أي مجتمع، سواء الحوثيون أو غيرهم، فهم جميعًا جزء من النسيج الاجتماعي اليمني، ويجب أن يجدوا حلًّا للتعايش معًا، ولهذا أعود إلى نتائج الحوار الوطني، التي عالجت بالفعل معظم مخاوف كل مجموعة في اليمن.

‏أعتقد أن هذا هو المفتاح لاستقرار اليمن ومستقبله، فالجميع يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا، واستقرار اليمن يعني استقرار دول مجلس التعاون، واستقرار الخليج، واستقرار شبه الجزيرة العربية، واستقرار شبه الجزيرة العربية يعني أيضًا استقرار المنطقة ككل، وهذا هو السبب الذي أكرّر فيه دائمًا أهمية أن هذه هي اللحظة المناسبة لنا جميعًا لنجتمع ونتحدث بصراحة ووضوح عن مخاوفنا الأمنية، وأن نحاول وضع إطار أمني يشعر فيه الجميع بالأمان والحماية.

 

‏المحاور: بدأنا النقاش، سيدي رئيس الوزراء، بالجغرافيا السياسية، والجغرافيا السياسية تبدو اليوم أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في العام الماضي، وربما لم نكن نعتقد أن هذا ممكن، لكن هذه هي الحقيقة، والمفاجئ أن صندوق النقد الدولي أعلن مؤخرًا عن نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.3% متوقع لهذا العام، والاقتصاد قوي جدًا، والتجارة تتوسع، وما يغذّي ذلك هو أيضًا الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، فكيف تفسرون هذا؟ لماذا الاقتصاد العالمي مرن جدًا وقد تأقلم مع الواقع الجديد للجغرافيا السياسية كما هو الحال مع الماء الذي يجد طريقه في النهاية؟

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: ليس تمامًا، لكنه يتأقلم في النهاية، لكن ليس الآن.. ليس مسألة تأقلم، بل الأمر يتعلق بأن آثار هذا الاضطراب الجيوسياسي لم تصل بعد إلى المؤشرات الاقتصادية التي نراها، وأعتقد أن أي تعقيدات جيوسياسية على المستوى العالمي سنرى آثارها وتبعاتها ربما بعد عام أو عامين.
‏نعم، هناك نمو كبير في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يدفع هذا النمو العالمي، لكن إذا نظرنا إلى القطاعات الأخرى، نجد أن هناك مناطق تضررت بسبب الوضع الجيوسياسي.

 

‏المحاور: أما بالنسبة لقطر، فنحن نعرفكم جيدًا كوزير للخارجية، ومررتم بمراحل مختلفة كوزير خارجية، وهي وظيفة لم تكن سهلة، لكنكم أدّيتموها بشكل ممتاز، لدرجة أن الأمير عيّنكم رئيسًا للوزراء، وأنتم أيضًا مسؤولون عن الاقتصاد، وعندما نزور الدوحة ونرى التطور والاستثمارات، كيف ترون مساركم الآن؟ الإمارات لها مسارها، والسعودية لها مسارها، فأين ترون تميز قطر، وأين سنرى النمو الاقتصادي في السنوات القادمة؟ كنت في اجتماع اليوم حيث قال وزير المالية السعودي، الجدعان، إن 56% من اقتصادهم الآن ليس قائمًا على النفط، وقد تحقق ذلك خلال عقد من الزمن تحت قيادة ولي العهد.

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: في الواقع، إذا نظرنا إلى الاقتصاد، نرى نموًا سريعًا سنويًا، وهذا العام سجّلنا نموًا بحوالي 2.9%، ونتوقع تسارع هذا النمو بسبب توسع قطاع الطاقة، ما يجعل مهمة التنويع أكثر تحديًا بسبب زيادة إنتاج الغاز.


‏المحاور: لكن هذا شيء جيد، أليس كذلك؟

‏الشيخ محمد بن عبد الرحمن ال ثاني: نعم، إنه شيء ممتاز، وأعتقد أن قطر تتمتع بموقع فريد فيما يتعلق بالطاقة وإمدادات الغاز الطبيعي المسال، والتي ستظل قاعدة أساسية لتلبية احتياجات الثورة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لتشغيل مراكز البيانات والحوسبة، وقطر هي في قلب هذا التقدّم والتنمية.

‏ثانيًا، جدول أعمال التنويع يسير في الاتجاه الصحيح، والآن أكثر من 60% من الناتج المحلي غير النفطي، ونتطلع لزيادة هذا الرقم، ونرى زيادة في الاستثمار الأجنبي المباشر، ونحقق تقدمًا جيدًا جدًا.

‏التضخّم تحت الواحد بالمئة وقد تمّ إدارته مع كل هذا النمو الجاري، ونحن نؤمن بأن الطاقة هي قوتنا، والتنويع هو صمودنا، والتكنولوجيا هي المستقبل، ودمج كل هذا معًا يوفّر مسارًا ممتازًا نحو المستقبل، وأعتقد أنه خلال السنوات القليلة القادمة، ستشهدون أن قطر أصبحت معروفة في تأسيس شركات متعددة الجنسيات وعلامات تجارية عالمية مثل الخطوط الجوية القطرية وبنك قطر الوطني و44 علامة تجارية عالمية أخرى استثمرت فيها وأنشأتها قطر، وما نهدف إليه هو دعم أبطالنا الوطنيين وزيادة عددهم، ونتطلع هذا العام إلى منصات جديدة تشجع هؤلاء الأبطال الوطنيين ليكونوا لاعبين عالميين أكثر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث