أخطر ما يواجه إيران.. ليس تغيير النظام

ملاك عبد اللهالثلاثاء 2026/01/20
Image-1768918565
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في العاشر من يناير الجاري، نشر موقع "ذا أتلانتك" مقالاً تحليلياً مشتركاً لـ كريم سجاد بور وجاك إي. غولدستون تحت عنوان: هل النظام الإيراني على وشك الانهيار؟"، ويمكن اعتباره من أبرز التحليلات الاستراتيجية الحديثة عن الوضع الإيراني، على اعتبار أنه لا يتناول فقط الاحتجاجات أو الأوضاع الاقتصادية، بل يحاول تقديم عدة عوامل معاً لتقديم رؤية تاريخية حول مدى احتمالية تغيير النظام الإيراني في المستقبل القريب.

يخلص التحليل إلى أن إيران قد تستوفي شروط انهيار نظامها لأول مرة منذ عام 1979، وهي الشروط التي تلتقي بما يقرب من جميع العوامل التاريخية التي تسبق انهيار الأنظمة في التاريخ، والتي تجتمع في خمس: أزمة مالية حادة، انقسام داخل النخب الحاكمة، ائتلاف معارضة متنوع، سردية مقاومة مشتركة ("زندكى نورمال" أو حياة طبيعية)، وبيئة دولية غير داعمة للنظام. ويشير التحليل إلى أن النظام الإيراني يشبه اليوم ما يسمّى "النظام الزومبي"، أي أن شرعيته واقتصاده ونخبه الحكامة ميتة أو على وشك السقوط. 

وفي تقاطع نسبي مع هذا التحليل، كتب الباحث الأميركي في الشؤون الدولية والشرق الأوسط مايكل سكوت دولان في "معهد هادسون" بأن النظام الإيراني يواجه تآكلاً خطيراً في سلطته، ولا يوجد أي سيناريو يبقي الجمهورية الإسلامية كما هي في عام 2026. وقد حدّد ثلاث مسارات محتملة للاحتجاجات: إما سيناريو الانفجار الكامل الذي يؤدي إلى تصدّع النخبة، أو تغير جزئي في النظام عبر تغييب المرشد إما عبر الموت أو الإزاحة، ومن ثمّ صعود بديل من قادة الحرس الثوري لن يكون أمامه إلا أن يتبنى إصلاحات شكلية لتهدئة الداخل وطمأنة الخارج، ما يؤدي في النهاية إلى انتهاء سلطة رجال الدين في إيران، ويحول الدولة إلى دكتاتورية عسكرية صريحة. أما السيناريو الثالث فهو أن ينجو النظام ويبقى وينجح في إطفاء الشارع، لكنه ينجو ضعيفاً ومعزولاً تماماً، فتغدو إيران دولة فاشلة ومنتظرة للانفجار القادم الآتي لا محالة. 

 

فالي نصر، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة جونز هوبكنز، نشر بدوره مقالاً مؤخراً بعنوان: "لماذا هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران"، أبرز فيه عدة نقاط رئيسية تبرز اختلاف الاحتجاجات الحالية منذ 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 عن الاحتجاجات السابقة، معتبراً أن إيران اليوم في مأزق مسدود بين فكّي كماشة: التهديدي الأميركي الإسرائيلي والواقع الاقتصادي الخانق، وأن النظام لم يعد يبحث عن حلول بل عن طوق نجاة، وأنه حتى لو تمكن من تجنب حرب مباشرة وحتى لو هدأت موجة الاحتجاج، فإنّ الاقتصاد دخل في انزلاق حاد وهذا يعني أن الغضب الشعبي سيتصاعد حتماً على المديين المتوسط والطويل. وهو يعتبر أن الانهيار التام ليس بالضرورة وشيكاً لكن الثورة الإسلامية وصلت بالفعل إلى أيامها الأخيرة، ولم يعد السؤال إن كان النظام سيتغير أم لا، بل متى.

وفي تقرير نشر في إسرائيل هيوم الإسرائيلية حول الاحتجاجات في إيران، أورد الكاتب أن هناك قناعة لدى أجهزة الاستخبارات أن هذه الموجة ستؤدي إلى تغيير حقيقي في النظام، وأن القمع أصبح أقل فاعلية، وأنه حتى لو لم يسقط الآن فإن التقديرات تشي بأنه سيخرج من هذه الأزمة ضعيفاً بشكل كبير. وهو ما صرّح به أيضاً المستشار الألماني فريدرتش ميرز في الثالث عشر من كانون الثاني/يناير الحالي بأن العالم يشهد ما وصفه بالأيام والأسابيع الأخيرة للنظام الإيراني الحالي.

 

ليست كل هذه التحليلات مجرّد آمال سياسية عند متبنّيها كما قد يحلو للبعض أن يفسّر. ثمّة إيرانياً ظرف تاريخيّ استثنائي، لا يمكن إلا أن يكون مخاضاً لما هو مختلف، أياً كان شكله سواء ظلّ في قالب النظام الحالي أو بلغ مرحلة انتقالية، وهو اختلافٌ لا يمكن معه أن يُنظر إلى هذه الاحتجاجات الحالية بالعين الناظرة نفسها التي كانت في الاحتجاجات السابقة، وإن كانت الأقلام والتحليلات سابقاً قد قاربت المسألة بكثيرٍ من التنبّؤ بالتغيير كما هو الحال اليوم. غير أن الاحتجاجات الراهنة، واقعاً، تأتي في توقيت حرجٍ هو الأسوأ للنظام على الإطلاق منذ استتبابه في العام 1979، وذلك لأسباب موضوعية، تترواح بين بلوغ العقوبات الاقتصادية ذروتها مع عودة ترامب وإعادة تفعيل العقوبات الدولية، وتداعيات العدوان الأخير الذي استهدف قيادات بارزة ومنشآت حيوية، ووصول أزمة الجفاف في المدن الكبرى بما فيها طهران إلى ذروةٍ غير مسبوقة (دفعت برئيس الدولة إلى الإشارة أكثر من مرة لاحتمالية إخلاء العاصمة)، بالإضافة إلى تآكل المحور وتقلص قدرة البرنامج النووي على الردع.

وإذا كانت الحكومات السابقة قد واجهت الاحتجاجات ببعض سياسات الترغيب لاستمالة المتظاهرين، فإن ضيق هامش المناورة أمام الحكومة الحالية وعجزها عن سلاح الترغيب، مع صعوبة إيجاد حلول إقتصادية، يجعل الواقع الإيراني أمام أزمة تراكم تاريخي يمكن القول إنه بلغ حدّه الأقصى، بل أنه أمام حالة استعصاء وانسداد سياسي غير مسبوقين، ما دفع رئيس الدولة بزشكيان إلى التصريح في كانون الأول/ديسمبر الفائت، بأن الحكومة مأزومة بشدة، متوجّهاً إلى طلّاب الجامعات بأنه لو كان بمقدور أي شخص أن يفعل شيئاً فليفعل، أنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً فلا تلعنوني!

 

في صلب كل هذا المشهد، لا يبدو الاستثمار الأميركي–الإسرائيلي بظروف إيران الحالية ناتج عن قرارات ارتجالية أو ردود فعل آنية، بقدر ما يعكس نمطأً من إدارة الأزمات يعتمد التخطيط طويل النفس وتقليل الكلفة السياسية المباشرة. فالتنسيق بين الجانبين، بغضّ النظر عن الطابع المسرحي للمواقف الترامبية، يوحي بأن الضغوط على إيران ليست ظرفية ولا مرتبطة بحدث بعينه، بل هي جزء من مقاربة ترى في إنهاك الخصم وتآكل شرعيته وإضعاف سرديته مسارأً أكثر جدوى من المواجهة المباشرة، ولعلّ خطوة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو تصبّ بشكل مباشر في مسألة إضعاف سردية إيران بشكل أساس بعد خسارة "معسكر محاربة الهيمنة"، وهو ما ينعكس تباعاً أزمة ثقة داخلية حيال النظام؛ خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كلّ ما يُساق من ظواهر صوتية حول الاستثمار بالنفط الفنزويلي لن يكون له مفعوله المباشر واقعاً في المدى المنظور (أقله في العشر سنوات المقبلة) بسبب تهالك قطاع النفط في فنزويلا نفسها. علماً أن دروس العراق وأفغانستان أسهمت في ترسيخ حذر أميركي مزمن من سيناريوهات مكتملة لتغيير الأنظمة لا سيما في حالات معقّدة مثل إيران (وهو ما ترجم في الحالة الفنزويلية مثلاً على شكل نصف خطوة ونصف سيناريو، لا على شكل خطوة مكتملة)، على الرغم من الظرف التاريخي المستجدّ عالمياً والذي يشكل فرصة أميركية-إسرائيلة ثمينة.

 

ولا ينبع اللعب على وتر التردد الأميركي/ الترامبي في الذهاب نحو تدخل مباشر من نقص في القدرة، بل من غياب بعض الشروط السياسية المواتية التي بدأت تظهر علناً في الكتابات التحليلية بل وفي بعض التصريحات المسؤولة والتقارير، وقد نشرت قناة "سي إن إن" الأمريكية تقريراً أشار إلى أن إسرائيل أيضاً طلبت من واشنطن تأجيل أي هجوم محتمل، لإتاحة الوقت أمامها للاستعداد لسيناريو رد إيراني. هذا فضلاً عن أن المعارضة حتى الآن لا تزال غير قادرة على تشكيل بديل حكم على الرغم من تعويم ابن الشاه، فضلاً عن قناعة تبدو أنها لا تزال فاعلة راهناً (وهي ربما تُدرس بعناية وبتحديث شبه يومي وفقاً للمستجدات والفرص) بأن احتواء البرنامج النووي يبقى خيارأً أقل مخاطرة من الدخول في مسارات تغيير مفتوحة ومخاوف من انفجار إقليمي واسع إذا ما انهارت إيران دفعة واحدة، لأن أي انهيار غير مُدار في إيران سيعيد فتح ملفات قومية وعرقية حساسة تمتد من تركيا والخليج إلى باكستان وأذربيجان، فيما حتى إسرائيل نفسها قد تخشى أن يتحول الفراغ إلى فوضى مسلحة تهدد الأقليات وتعيد إنتاج العداء بأشكال أكثر انفلاتأً. سقوط النظام الإيراني سيفتح مرحلة سيولة استراتيجية عميقة تُختبر فيها مجمل الترتيبات الإقليمية؛ والخشية الإقليمية لا تكمن في سقوط النظام بحد ذاته، بل في انفلات ما بعده. لذلك، تفضّل العواصم الكبرى مقاربة تقوم على الاحتواء وإدارة التآكل بدل المجازفة بانهيار مفاجئ.

غير أن ما صرّح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً، بأن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة لإيران، وأن سوء الإدارة والقمع جعلا البلاد "أسوأ مكان للعيش في العالم"، داعياً القادة الإيرانيين إلى التركيز على إدارة شؤون شعبهم بدل الاعتماد على العنف، دفع بالبعض إلى توقّع تدخل أميركي محدود لكن مؤثر، بحيث توقع دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل والمسؤول البارز في البنتاغون، أن يحاول الرئيس دونالد ترامب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي هذا الأسبوع.

 

لكن أياً يكن المسار والمصير إيرانياً وإقليمياً، فإن المعضلة تكمن في أن الأزمة الإيرانية رغم دقّتها وتداعياتها لم تعد داخلياً أزمة نظام فحسب، بل أزمة دولة، خصوصاً أن الاستقطاب في إيران لم يعد محصورأً بين السلطة ومعارضيها، بل تحوّل إلى تصدّع اجتماعي ينزع عن الأزمة طابعها السياسي القابل للاحتواء، ويفتحها على مخاطر أعمق، تحيل توصيف الأزمة من الزاوية السياسية إلى زاوية ثقافية واجتماعية تمتد إلى قلب العلاقة بين الدولة والمجتمع. الشعور الجماعي بالإرهاق والإنهاك سيعكس تدريجيا انسحابأً نفسيأً وثقافيأً من الدولة نفسها، وهو انفصال يجعل أي تغيير سياسي مؤقت غير كافٍ، ويتطلب لإعادة بناء الدولة أبعد من مسألة نظام إلى مسألة استعادة الثقة، وإعادة تأسيس معنى الولاء الوطني، وإلا فإن الفراغ الاجتماعي والثقافي المتأثر مباشرة بأزمة المعيشة سيستمر في تهديد استقرار البلاد على المدى الطويل. ومن هنا تُفهم تصريحات الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي الذي قال إن "العودة إلى فهم الجمهورية الذي جرى نسيانه، وإلى فهم إسلامي يقبل بالجمهورية، ستكون الطريق الأقل كلفة والأكثر فائدة للخروج من الوضع الراهن". وهو كان في الأسابيع الماضية قد أشار إلى أن الحضارة الغربية باتت جزءأً من الحياة اليومية في إيران من التكنولوجيا، إلى نمط المدن، وحتى مفهوم الدولة الحديثة نفسه، بما في ذلك فكرة الجمهورية التي تستمد جذورأً فكرية من التجربة الغربية، لكنه أثار أن هذا التأثر حدث بدون فهم عميق لجذور الفكر الغربي وأزماته، ما أدى إلى حالة اغتراب حضاري داخل المجتمع الإيراني منذ فترة طويلة.

 

من هذا المنطلق، قد تفضي الضغوطات الخارجية والداخلية إلى إعادة تأسيس جديد لمفاهيم بنيوية في صلب إيران الثورة، من بينها أيضاً مفهوم التنمية نفسه الذي لم يكن غائباً عنها لكنه كان خاضعاً للسياسة الثورية لا قائداً لها، وهو الأمر الذي تبدّى بالكلمة الشهيرة للإمام الخميني بعد نجاح الثورة بقليل، حيث قال على إثر تظاهرات عمالية آنذاك ما مضمونه أننا لم نقم بثورتنا من أجل بطيخ رخيص، لقد قمنا بها من أجل الإسلام. هو تأسيس نظريّ قد يستتبعه إعادة صياغة رؤية جديدة للعلاقة مع كل الغرب والمحيط، يدفع بها المنطق البرغماتي إن سَلِم الحال من أي دفع خارجي نحو التغيير الصلب للنظام ومحاولات إخضاعه بالقوة، والذي يبدو حتى الآن أنه أمر عصيّ أو ممتنع.

قد يسقط النظام الإيراني، وقد ينجو ضعيفأً، وقد يدخل في مرحلة انتقالية طويلة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في أي من هذه السيناريوهات بحد ذاتها، بل في أن يسبقها أو يرافقها سقوط فكرة الدولة ومعناها في وعي المجتمع. حينها، لن يكون السؤال من يحكم إيران، بل أي إيران ستبقى، وأي فراغ سيملأ ما بعدها، ليس داخل حدودها فقط، بل في محيط عربي هشّ أصلاً. وبين الانهيار والإصلاح، يبدو أن نافذة الخيار الثالث تضيق بسرعة، ومعها تضيق فرص إنقاذ الدولة قبل فوات الأوان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث