جاءت تركيبة مجلس السلام العالمي الذى أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب صباح السبت، مفاجئة لجهة غياب زعماء بارزين عرب ومسلمين وأوروبيين عنه كما كان متوقعاً، واقتصاره على ترامب وفريقه الحكومي ومستشاريه ومبعوثيه، في حين جاء المكتب التنفيذي للمجلس موسعاً وضم إضافة إلى فريق ترامب ممثلين عرب ومسلمين برئاسة الدبلوماسي البلغاري الوسيط الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف، باعتباره الممثل والمندوب السامي للمجلس، والذي سيعمل كحلقة وصل مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة التي كانت قد أعلنت رسمياً الجمعة وسيكون ميلادينوف عملياً رئيسها الأعلى مع تعيين الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز لقيادة قوة الاستقرار الدولية في وصاية أجنبية موصوفة لا يمكن تجاهلها أو انكارها، أو حتى السعي للتخفيف من وقعها دون أن يعنى ذلك الاستسلام أو الياس أمامها، وإنما السعي الجاد لإنهائها في أقصر وقت ممكن، وهو للأسف محدد بعامين، مع ضرورة العمل الفلسطيني المدعوم عربياً وإسلامياً وحتى أوروبياً وأممياً لعدم تمديد هذا التفويض الزمني لها وفق قرار مجلس الأمن الدولي 2803 الذي شرعن خطة ترامب واتفاق وقف إطلاق النار والحرب بغزة المنبثق عنها.
كبح جماح ترامب
إذن وعلى عكس ما قيل ونشر سابقاً، اقتصر مجلس السلام العالمي برئاسة ترامب عليه شخصياً ومجموعة من مرؤوسيه ومبعوثيه ومستشاريه، مع اعتبار رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير واحداً منهم. حصل هذا رغم تسريبات سابقة عن تلقي رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر عرضاً للانضمام إلى المجلس مع زعماء فرنسا والمانيا وإيطاليا ودول عربية وإسلامية مركزية أخرى، إلا إن هذا لم يحدث، وحسب مصادر مطلعة، فقد كان ولا يزال ثمة مزاج عربي وإسلامي وأوروبي ودولي للتواجد بمجلس السلام، وتنسيق المواقف لكبح جماح ترامب ومرؤوسيه، وحصر مهام المكتب التنفيذي المكلف بالإشراف المباشر على تنفيذ الاستراتيجيات والسياسات العامة التي يضعها المجلس دون أي اجتهادات أو تجاوزات منه.
من جهته جاء المكتب التنفيذي وإلى حد كبير بمثابة نسخة مصغرة عن مجلس السلام المتخيل عربياً واسلامياً ودولياً، حتى بحضور مبعوثي ترامب ومستشاريه بمن فيهم بلير وبرئاسة ميلادينوف الذى وصف بالممثل "المندوب" السامي للمجلس بغزة للعمل المباشر واليومي مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ولكن بمشاركة عربية وإسلامية وأممية بارزة، لا يمكن الاستغناء عنها أصلاً، للوساطة مع حماس والفصائل وتمويل عمليات التعافي وإعادة الإعمار والقوات الدولية عدة وعتاداً. من هنا يمكن فهم التمثيل الوزاري الرفيع المستوى للوسطاء الثلاثة، تركيا وقطر ومصر، إضافة إلى الإمارات والمنسقة الأممية سيخريد كاخ، بغياب لافت وغير مستغرب للأردن الذي لم يكن ضمن الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف النار وبات دوره مقتصراً دوره على الدعم الأمني والمساعدات الانسانية فقط.
إلى ذلك يجب الانتباه لحضور مريب ومثير لكم كبير من الصهاينة، يهوداً وغير يهود، كمستشارين لمجلس السلام وعضوية مستهجنة لمليونير إسرائيلي (قبرصي) في المكتب التنفيذي بخطوة زائدة وغير ضرورية، خصوصاً بغياب فلسطيني رسمي وغير رسمي مدوي عن المجلس والمكتب على حد سواء.
استدراك
وعليه كرست المعطيات السابقة مجتمعة وصاية أجنبية موصوفة على غزة لا يمكن انكارها، خصوصاً مع التسمية الفظة والصادمة لميلادينوف كممثل (مندوب سامي)، وجاء هذا معطوفاً على إعلان ويتكوف عن الانتقال رسمياً إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، والتركيز على ما اعتبرها الأسس الثلاث للمرحلة المتمثلة بنزع سلاح غزة وإعادة الإعمار، واللجنة الوطنية لإدارة غزة في تجاهل للانسحاب الاسرائيلي كما بقية استحقاقات المرحلة الاولى.
مساء اليوم نفسه "السبت" جرى الاستدراك عبر إعلان البيت الأبيض عن توجيه دعوات إلى قادة تركيا ومصر والبحرين ثم باكستان ودول أوروبية وغربية أخرى-فرنسا وألمانيا وكدنا وأستراليا- ما يعيد التوازن إلى مجلس السلام، المكلف أساساً رسم الاستراتيجيات والسياسات العامة كي يضع المكتب التنفيذي خطط ووسائل وطرق تطبيقها من اللجة الوطنية لغزة وفق اتفاق وقف النار نصاً وروحاً.
وحسب مصادر مطلعة ثمة توافق فلسطيني عربي إسلامي على إبقاء بند الانسحاب الإسرائيلي على جدول الأعمال، رغم غيابه عن إعلان وأجندة ويتكوف، مع توافق مماثل على نزع السلاح ولكن بسيرورة فلسطينية مدعومة عربياً وإسلامياً، وتفاهم على دعم لجنة إدارة غزة مع احترام أعضائها وقدراتهم، وعدم التشكيك في وطنيتهم وكفاءتهم، حتى مع النقاش والجدل حول الترشيحات الأخرى التي قدمتها حماس والفصائل للوسطاء، تحديداً الوسيط المصري الذي عمل مباشرة مع فريق ترامب على اختيار أعضاء اللجنة.
بالسياق لا يجب التوقف والانشغال كثيراً بمناورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه اللجنة والمكتب التنفيذي، وهي تأتى لأغراض دعائية داخلية ولابتزاز الجهتين، بما يشبه اعتراض فريق ما على تعيين حكم ما لمباراة كرة القدم، كما عدم الالتفاف إلى موقف الميليشيات العملية في غزة التي عارضت اللجنة وحتى خطة ترامب بحد ذاتها في موقف يخدم السياسات والأهداف الإسرائيلية لجهة بقاء الواقع الراهن على حاله.
بالعموم ووفق مصادر مطلعة، ثمة إرادة للعمل وفق الأهداف والمصالح والحقوق الوطنية، وإنجاز اللجنة هذه الأهداف، تحديداً فيما يتعلق بالتعافي وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية الشاملة خلال مدة تفويضها وبموازاة ذلك القيام بالإصلاحات الضرورية بالسلطة الفلسطينية لتسلم مسؤولياتها كاملة بغزة والضفة الغربية بنهاية المدة الزمنية، بمعنى أن تتحول اللجنة الوطنية إلى جسر للوحدة وإنهاء الانقسام وشق المسار نحو الدولة وتقرير المصير لا ممر للانفصال وسلخ غزة عن الضفة الغربية، وبالتالي إفشال المخططات الإسرائيلية المعلنة بظل تغول الاستيطان وإبقاء مشروع بل مشاريع التهجير على الطاولة ليس فقط في غزة وإنما الضفة الغربية لتحقيق الهدف غير الخفي أيضاً تصفية نهائية للقضية الفلسطينية.
