وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، في 18 كانون الثاني/يناير، اتفاقاً مفصلياً في مسار الصراع السوري، نصّ على وقف شامل لإطلاق النار ودمج "قسد" بشكل كامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، العسكرية منها والمدنية. جرى الاتفاق بوساطة أميركية مباشرة قادها المبعوث الخاص توماس باراك، وبضمانة سياسية من رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، في مشهد عكس حجم التحولات العميقة التي أصابت موازين القوى في شمال وشرق سوريا خلال فترة زمنية قصيرة.
غير أن الاتفاق، رغم طابعه الرسمي، لم يكن تتويجاً لمسار تفاوضي متكافئ، بقدر ما شكّل مخرجاً اضطرارياً فرضته وقائع ميدانية قاسية. ففي غضون أيام معدودة، خسرت "قسد" السيطرة على كامل الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات لصالح الجيش العربي السوري، كما انسحبت أو أُخرجت من معظم محافظة دير الزور على الضفة الشمالية الشرقية، إضافة إلى مدينة الرقة وأجزاء وازنة من محافظة الحسكة. وبهذا المعنى، لم تكن الخسارة جغرافية فحسب، بل بنيوية، أصابت جوهر المشروع السياسي والعسكري الذي قامت عليه "الإدارة الذاتية".
الهزيمة الخامسة… ولكن الحاسمة
تُعد هذه الخسارة العسكرية الخامسة لـ"قسد" منذ عام 2018، لكنها تختلف نوعياً عمّا سبقها. فبعد عفرين، ثم تل أبيض ورأس العين، ثم تل رفعت ومنبج، ثم الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، بدا أن "قسد" قادرة في كل مرة على امتصاص الضربة وإعادة التموضع، مع الحفاظ على نواة المشروع. أما خسارة 2026، فقد استهدفت القلب الجغرافي والسياسي للإدارة الذاتية، لا أطرافها، وأطاحت فعلياً بإطارها العام.
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة المشروع نفسه، ولا عن السياق الذي نشأ فيه وتوسّع ضمنه.
وتشكّلت "قسد" رسمياً في تشرين الأول/أكتوبر 2015، بوصفها مظلة عسكرية جامعة ضمّت عدداً من الفصائل العربية والكردية والسريانية، أبرزها "جيش الثوار"، و"لواء ثوار الرقة"، و"مجلس دير الزور العسكري"، إلى جانب نواتها الصلبة: وحدات حماية الشعب (YPG)، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD).
كان الهدف المعلن من تأسيس "قسد" تقديم إطار "متعدد المكونات" قادر على استيعاب الدعم الدولي في الحرب ضد تنظيم "داعش"، وتجاوز الحرج السياسي المرتبط بتصنيف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمنظمة إرهابية، الذي تُعد "YPG" امتداده السوري العضوي. بهذا المعنى، لم تكن "قسد" قطيعة مع "YPG"، بل غطاءً سياسياً وعسكرياً لها، أتاح توسيع السيطرة الجغرافية، واستجلاب الدعم الأميركي، وبناء مؤسسات أمر واقع.
غير أن التطورات الأخيرة، وانسحاب معظم التشكيلات العربية من بنيتها، وتفكك مجالسها العسكرية المحلية، يعيد "قسد" عملياً إلى حالتها الأصلية: قوة كردية صِرفة تتمحور حول "YPG"، بعد انهيار الإطار الائتلافي الذي قامت عليه منذ عام 2015. وبهذا المعنى، فإن الاتفاق لا يُنهي "قسد" بوصفها قوة عسكرية فحسب، بل يُسقط الفكرة التي قامت عليها: فكرة التمثيل المتعدد والشراكة العابرة للهويات.
من أربيل إلى الإدارة الذاتية
غالباً ما ارتبطت نشأة الإدارة الذاتية بالتحالف الدولي ضد "داعش" عام 2014، في محاولة لإضفاء شرعية "وظيفية" عليها. غير أن العودة إلى الجذور تكشف مساراً أقدم. فقد بدأ المشروع فعلياً مع توقيع اتفاقية أربيل (هولير) في 12 تموز/يوليو 2012، التي أسست "الهيئة الكردية العليا" بالشراكة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي، وبرعاية مسعود بارزاني.
كان الهدف المعلن حينها إدارة الشأن الكردي ضمن تفاهمات داخلية، بعيداً عن الصدام مع بقية المكونات السورية. إلا أن هذه الشراكة لم تعمّر طويلاً. سرعان ما انفرد حزب الاتحاد الديمقراطي بالقرار، وأقصى المجلس الوطني الكردي، وربط المشروع سياسياً وأمنياً بحزب العمال الكردستاني، ما أفقده توازنه الداخلي، ووضعه في مواجهة محيطه السوري والإقليمي.
منذ عام 2014، توسّعت جغرافيا الإدارة الذاتية من ثلاث مقاطعات إلى كيان واسع شمل سبع مقاطعات بحلول عام 2023. رافق هذا التوسع تضخم كبير في الأجهزة العسكرية والأمنية والمؤسسات المدنية، وتحولت الإدارة إلى دولة أمر واقع بضرائبها وسجونها وأجهزتها.
غير أن هذا الاتساع لم يقابله قبول اجتماعي مماثل، لا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية، حيث ظلت العلاقة مع "قسد" محكومة بمنطق القوة أكثر من الشراكة. ومع تراجع الغطاء الدولي وتغيّر موازين القوى، انفجر هذا التناقض عند أول اختبار جدي.
الحسكة: القطيعة النهائية
مع الهجوم الأخير، دخلت مناطق الحسكة والشدادي وجبل عبد العزيز مرحلة من الفوضى الأمنية غير المسبوقة. ومع انسحاب واسع للمقاتلين العرب من صفوف "قسد"، وتصاعد التمرّد العشائري، لجأت القوات الكردية إلى سياسات أمنية قاسية في محاولة أخيرة لضبط المشهد.
تتحدث مصادر محلية عن سقوط مئات الضحايا المدنيين في الحسكة وريفها وفي الشدادي، في عمليات اتسمت بطابع انتقامي، وعمّقت القطيعة النهائية بين "قسد" والمجتمع المحلي. ومع تأخر دخول وحدات الجيش السوري إلى بعض المناطق، تشكّلت وقائع ميدانية زادت من تعقيد المشهد، لكنها في الوقت نفسه سرّعت انهيار ما تبقى من شرعية الإدارة الذاتية.
في ضوء هذه الوقائع، لم يعد الاتفاق يدور حول تقاسم سلطة أو إدارة مشتركة، بل حول شروط الاندماج. فمع تفكك البنية متعددة المكونات لـ"قسد"، بات الدمج يطال أساسًا بقايا التشكيلات المرتبطة بـ"YPG"، وبأعداد يُرجّح أنها أقل بكثير مما كانت عليه القوة في ذروتها.
وبالتالي، فإن تطبيق الاتفاق يعني عملياً الحلّ الكامل للإدارة الذاتية، بكل مؤسساتها السياسية والمدنية، من "مجلس سوريا الديمقراطية" إلى المجالس المحلية والخدمية، وتحويلها إلى تجربة منتهية، لا إطاراً قابلاً للتطوير.
لا يتجاوز ما تبقى من المشروع سوى ما كُرّس في الإطار الدستوري والقانوني الجديد من حقوق ثقافية وسياسية للمواطنين السوريين الكرد، طالما طالبوا بها، إضافة إلى تسويات فردية قد تشمل بعض قيادات الصف الأول.
أما "قسد"، بوصفها كياناً جامعاً تشكّل عام 2015، فقد انتهت فعلياً. وما تشهده اليوم ليس اندماجاً متكافئاً، بل عودة إلى الأصل: تفكك الغلاف الائتلافي، وانكشاف النواة، ثم ذوبانها داخل الدولة السورية.
بهذا المعنى، لم يسقط المشروع بفعل الاتفاق وحده، بل نتيجة مسار طويل من العزلة، والرهان على القوة، وتجاهل التوازنات الاجتماعية والسياسية في سوريا، حتى جاءت الهزيمة الأخيرة لتضع نقطة النهاية.
