في السياسة، ليست كل الهزائم هزائم، وليست كل المواجهات شرفاً. أحياناً، يكون الامتناع عن القتال هو عين الحكمة، ويكون القبول بخسارة آنية هو الشرط الوحيد لتفادي هزيمة استراتيجية لا يمكن التعافي منها. هذه ليست فلسفة استسلام، بل خلاصة تاريخ طويل من التجارب القاسية في هذه المنطقة، خصوصاً في تاريخ الدروز السياسي.
حين يكون امتصاص الخسارة شرطاً لتفادي الهزيمة
عندما اغتال النظام السوري كمال جنبلاط عام 1977، ثم دخلت إسرائيل إلى بيروت عام 1982 بتفاهمات واضحة مع النظام السوري، هدفها الأساسي تحطيم منظمة التحرير الفلسطينية، بموافقة عربية ودولية صريحة أو ضمنية، كان من السهل جداً – بل ومن المشروع سياسياً وأخلاقياً – أن يقول دروز لبنان إن العرب خانوهم، وإن النظام السوري البعثي عقد تسوية مع إسرائيل على حساب لبنان والقضية الفلسطينية. ولم يكن هذا القول ليكون خاطئاً في سياقه الزمني. بالعكس، كان توصيفاً دقيقاً لموازين القوى وللخيانات الكبرى التي حكمت تلك المرحلة.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن: من خان من؟ بل: كيف تتصرف أقلية سياسية – لا عددية فقط – في لحظة انهيار إقليمي شامل؟ هل تنجرّ إلى معركة كسر عظم مع أنظمة ودول تفوقها حجماً وعدّة، أم تمتص الصدمة، وتحفظ تموضعها، وتؤجل الحساب إلى لحظة تاريخية أكثر ملاءمة؟
ما حصل لاحقاً يجيب على هذا السؤال. الانتقام من حزب البعث السوري لم يُلغَ، بل أُجّل. وجاء بعد ثلاثين عاماً، حين سقط النظام في مستنقعه الخاص، وتفككت شرعيته، وانكشف عجزه أمام شعبه والعالم. في تلك الأثناء، لم يخسر الدروز تموضعهم الوطني التاريخي في لبنان، ولم يدخلوا في مغامرة استراتيجية مع النظام السوري أو الإيراني، ولم يُدفعوا إلى مواجهة عبثية مع الأكثريات في الإقليم. هذا ليس ضعفاً، بل سياسة باردة، طويلة النفس، تعرف الفرق بين المعركة والتوقيت.
من مظلومية محقّة إلى ورقة في لعبة
من هنا، يصبح من الضروري قراءة ما يجري اليوم في السويداء، ليس من زاوية الغضب أو المظلومية فقط، بل من زاوية الاستراتيجية. ما نشهده ليس "ثورة كرامة" مكتملة الأركان، ولا تمرّداً محسوباً على نظام محاصر، بل مساراً ارتجالياً وانفعالياً يفتقد لأي أفق سياسي واضح، ويقود الطائفة الدرزية في سوريا نحو تهلكة استراتيجية حقيقية. يزداد هذا الخطر في ظل واقع جديد يتمثل في أن النظام السوري الحالي يحظى بدعم غير مسبوق إقليمياً وعربياً ودولياً، ما يجعل كلفة المواجهة المفتوحة معه أعلى بكثير مما كانت عليه في أي مرحلة سابقة.
هناك من يحاول تبرير هذا المسار تحت عناوين أخلاقية أو عاطفية: "الدفاع عن الكرامة"، "رفض الخضوع"، "الوقوف بوجه النظام". لكن السياسة لا تُدار بالشعارات، بل بقراءة دقيقة لموازين القوى وحسابات المصالح. والسؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح هنا ليس أخلاقياً، بل سياسياً بامتياز: إلى أين يأخذ الشيخ حكمت الهجري الدروز؟ ولحساب من؟
الأكثر خطورة أن الشيخ الهجري يخوض مواجهة مباشرة مع النظام من دون أي غطاء عربي أو إقليمي أو دولي، وفي الوقت نفسه نجح – عن قصد أو عن سوء تقدير – في توحيد غالبية السوريين ضده، لا خلفه. فمن المشروع سياسياً أن تكون معارضاً للنظام الجديد، لكن الكارثي تكتيكياً هو أن تفشل في قراءة التوازنات داخل سوريا نفسها، وأن تحوّل اعتراضك إلى موقع عزلة وطنية، بدلاً من أن يكون جزءاً من معادلة ضغط أوسع.
الأدهى من ذلك أن هذا المسار يبدو وكأنه بُني على افتراض وجود دعم إسرائيلي يمكن الاتكاء عليه. لكن ما تبيّن حتى الآن أن هذا الدعم ليس سوى سراب سياسي: لا حماية حقيقية، ولا التزام طويل الأمد، ولا استعداد لتحمّل كلفة مواجهة مع النظام أو مع البيئة السورية الأوسع. إسرائيل لا تحمي أحداً إلا بقدر ما يخدم مصالحها الآنية، وعندما تنتفي هذه المصالح، يُترك “الحليف” لمصيره.
هل هناك حاجة دولية مضمرة لتحويل الجنوب السوري إلى منطقة فض اشتباك بين النفوذ التركي والنفوذ الإسرائيلي؟ ربما. المؤشرات الإقليمية لا تنفي ذلك، خصوصاً في ظل إعادة رسم خرائط النفوذ في سوريا بعد سنوات من الحرب. لكن حتى لو صحّ هذا التحليل، يبقى السؤال الأخطر: لماذا يُدخل الشيخ الهجري الدروز في بازار النفوذ الدولي والإقليمي؟ وما مصلحة الدروز في أن يكونوا ورقة تفاوض أو منطقة عازلة أو ساحة صراع بالوكالة؟
الدروز ليسوا دولة، ولا يملكون عمقاً جغرافياً أو ديموغرافياً يسمح لهم بلعب هذه الأدوار الخطيرة. تاريخهم السياسي، منذ خمسة قرون، قائم على مبدأ واحد بسيط وواضح: الحياد في الصراعات الدولية، والانحياز فقط إلى حماية الجبل وأهله. هذا التموضع لم يكن صدفة، بل خياراً استراتيجياً واعياً، وضع أسسه الأمير السيد عبدالله التنوخي، وسار عليه معظم السياسيين الدروز حتى يومنا هذا.
ما يفعله الشيخ الهجري هو نقيض هذا الإرث. إذ حوّل الدروز إلى كبش فداء في لعبة أكبر منهم بكثير. فجأة، باتوا متهمين – ظلماً ولكن واقعياً – بتحمّل مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري، وهي مسألة تفوق قدرة الدروز والدولة السورية نفسها. وفي الوقت نفسه، باتوا رهائن، أمنياً، للجيش الإسرائيلي، الذي يتحكّم عملياً بأمن المنطقة، ويملك قرار التصعيد أو التهدئة متى شاء.
بهذا المعنى، نجح الشيخ الهجري وفريقه في أمر واحد فقط: حصار أنفسهم بأنفسهم. فلا النظام السوري يبدو راغباً أو قادراً على إعادة احتواء السويداء، ولا الإقليم يرى في الدروز شريكاً استراتيجياً يمكن الاستثمار فيه، ولا المجتمع الدولي مستعد لتحمّل كلفة حمايتهم أو تبنّي قضيتهم. النتيجة واضحة: عزلة سياسية، هشاشة أمنية، واستنزاف اجتماعي واقتصادي متسارع.
الحياد كخيار وجودي: العودة إلى عقيدة الجبل السياسية
فك الحصار عن السويداء لا يبدأ بالشعارات ولا بالرهان على الخارج، بل بالعودة إلى التموضع الاستراتيجي التاريخي للدروز. الحياد ليس جبناً، بل فن البقاء. هو القدرة على قراءة موازين القوى، وعلى معرفة متى تصمت، ومتى تفاوض، ومتى ترفع السقف، ومتى تخفضه. الدروز أهل حرب وقتال، نعم، لكن المقاتل الحقيقي ليس من يطلق النار أولاً، بل من يعرف متى يطلقها، ولماذا، ومتى يتوقف.
التاريخ مليء بأمثلة عن جماعات اندفعت خلف قيادات انفعالية، فدفعت أثماناً وجودية. ما يجري اليوم يذكّر، بشكل مقلق، بمهاترات سياسية عرفها لبنان في مراحل سابقة، أبرزها تجربة الجنرال ميشال عون في نهاية الثمانينات: خطاب عصبي، مواجهة مع الجميع، رهان على الخارج، وانتهى الأمر بالهزيمة والنفي والدمار.
السويداء لا تحتمل تجربة مماثلة. الجبل ليس ساحة لتصفية حسابات إقليمية، ولا منصة لخطابات بطولية فارغة. المطلوب اليوم مراجعة شجاعة، داخلية، تعيد الاعتبار للعقل السياسي الدرزي، وتفصل بين الكرامة والانتحار، وبين المقاومة والحماقة.
التموضع الاستراتيجي ليس خيانة، بل حماية للناس. والتسوية ليست دائماً استسلاماً، بل أحياناً الطريق الوحيد للبقاء.
رحم الله من نظر فاعتبر!
