انسحاب جزئي لقسد شرق حلب يعيد فتح مسارات التفاوض مع دمشق

خاص - المدنالأحد 2026/01/18
قسد
"قسد" ربطت أي انسحاب بضمانات سياسية وأمنية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار إعلان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الانسحاب من ريف حلب الشرقي جملة من التساؤلات السياسية والعسكرية، تجاوزت مضمون الإعلان ذاته إلى ما يحمله من دلالات على مستقبل العلاقة المتوترة بينها وبين الحكومة السورية. فالإعلان، الذي جاء عقب جولة مفاوضات غير معلنة عُقدت برعاية التحالف الدولي، لم يُقرأ على نطاق واسع بوصفه تحوّلاً استراتيجياً، بقدر ما عُدّ خطوة تكتيكية محدودة، فرضتها اعتبارات ميدانية أكثر مما عكست قناعة سياسية.

فالانسحاب، في صيغته المعلنة، لا يستجيب للمطالب الجوهرية التي طرحتها دمشق، ولا يقدّم مؤشرات جدية على استعداد "قسد" لإعادة النظر في بنية سيطرتها غرب نهر الفرات، ما يجعل منه إعلاناً قابلاً للتأويل أكثر من كونه مدخلاً إلى تسوية مستدامة.

 

جغرافيا الانسحاب وحدودها

يقتصر الانسحاب على محاور محددة في ريف حلب الشرقي، من دون أن يشمل سد تشرين، أحد أبرز مفاصل الأمن المائي لمحافظة حلب. فالسد، الذي يشكّل نقطة تحكم حيوية بتدفق مياه الفرات وتوليد الطاقة، يتجاوز دوره البعد الخدمي، ليغدو أداة ضغط استراتيجية في أي معادلة تفاوضية مقبلة.

وبقاء السد خارج إطار الانسحاب يعني أن عنصر التهديد البنيوي ما يزال قائماً، حتى مع إخلاء بعض النقاط العسكرية الثانوية. أما الانسحاب من محطة البابيري، فرغم أهميته التقنية، لا يُحدث تحوّلاً جذرياً في معادلة السيطرة، طالما بقيت البنية الأساسية لإدارة الموارد المائية خارج سلطة الدولة.

في هذا السياق، يبدو الإعلان أقرب إلى إعادة تموضع محسوبة منه إلى انسحاب شامل، يهدف إلى تخفيف الضغط عن جبهة ضعيفة، لا إلى تفكيك منظومة السيطرة القائمة.

الأكثر دلالة هو أن "قسد" ما تزال تحتفظ بسيطرتها على منطقة عين العرب (كوباني)، الواقعة على الضفة اليمنى لنهر الفرات، والتي تشكّل نحو 17 في المئة من مساحة محافظة حلب. هذه السيطرة تمنحها حضوراً جغرافياً متصلاً غرب النهر، وتُبقي المحافظة في حالة انقسام عملي بين سلطات متداخلة.

وبذلك، فإن الحديث عن انسحاب من غرب الفرات يبقى منقوصاً سياسياً، طالما استمر الاحتفاظ بنقاط ارتكاز تمنح "قسد" القدرة على التأثير والضغط في أي مسار تفاوضي لاحق. فالإعلان، في جوهره، لا يمسّ البنية الاستراتيجية للانتشار، بل يعيد ترتيب أطرافها فقط.

 

مطالب متعارضة وسقوف غير متطابقة

جاء الإعلان عقب جولة مفاوضات طالبت خلالها الحكومة السورية بانسحاب كامل من مناطق غرب الفرات، بوصفه خطوة تمهيدية لتثبيت اتفاق 10 آذار. غير أن "قسد" ربطت أي انسحاب بضمانات سياسية وأمنية، أبرزها تعهّد رسمي بعدم شن عمليات عسكرية ضدها في مناطق الجزيرة السورية.

من منظور دمشق، يمس هذا الشرط جوهر السيادة، ويحوّل التفاهم إلى صيغة شبيهة بوقف إطلاق نار طويل الأمد، لا إلى مسار لإعادة بسط سلطة الدولة. هذا التناقض البنيوي في المقاربات جعل فشل الجولة متوقّعاً، وأفرغ خطوة الانسحاب من مضمونها التفاوضي.

في هذا الإطار، يمكن قراءة إعلان الانسحاب بوصفه محاولة لتعويض الفشل السياسي بخطوة إعلامية مدروسة. فالانسحاب الجزئي يتيح لـ"قسد" الادّعاء بالاستجابة للضغوط، من دون تقديم تنازلات تمس جوهر مشروع "الإدارة الذاتية".

كما يعكس التوقيت رغبة في إعادة ضبط الانتشار الميداني، وتخفيف العبء عن جبهة هشّة، مقابل تعزيز التموضع في جبهات أكثر أولوية، ولا سيما في دير حافر والطبقة.

 

حزب العمال الكردستاني ومنطق الإشغال

لا يمكن فصل سلوك "قسد" عن الاستراتيجية العامة لـحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي ينظر إلى الساحات السورية بوصفها أدوات وظيفية ضمن مشروع إقليمي أوسع. فسياسة الحزب تقوم على الإشغال والاستنزاف واستخدام الوقت كأداة تفاوضية، لا على المواجهة الحاسمة.

ولو كانت لدى الحزب قدرة حقيقية على الدفاع طويل الأمد في ريف حلب الشرقي، لما سارع إلى الانسحاب منه. لكن افتقار الجبهة للتحصينات جعلها عبئاً أكثر منها ورقة ضغط.

وينظر الحزب إلى الجغرافيا السورية بمنطق وظيفي بحت فيعتبر حلب والرقة ساحات إشغال واستنزاف. أما الحسكة فهي المعقل الحقيقي وخط الإمداد بينما تشكل دير الزور مصدر تمويل أساسي بفعل الموارد النفطية.

هذا التقسيم يفسّر التمسك الشديد بالحسكة ودير الزور، مقابل مرونة أكبر في أطراف السيطرة.

في موازاة هذا المشهد، هناك تحركات سياسية موازية تقودها دمشق. إذ من المرتقب عقد اجتماع موسّع في دمشق يضم الرئيس أحمد الشرع ونحو 60 شيخاً من العشائر العربية (20 من الرقة، 20 من الحسكة، 20 من دير الزور)، في إطار بحث دعم العشائر لموقف الحكومة في مواجهة "قسد".

كما أن تم تداول مقترح لوزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، يتضمن دمج عناصر "قسد" كأفراد في الجيش السوري، وتسليم الرقة ودير الزور خلال شهر، مع الإبقاء على موظفي الإدارة الذاتية، ومنح مظلوم عبدي منصب محافظ الحسكة بصلاحيات موسعة، إضافة إلى إشراك "قسد" في ترشيح أسماء لمناصب حكومية.

 

الرهان على المتغيّرات الدولية

تندرج سياسة كسب الوقت ضمن رهان أوسع على تحوّلات دولية وإقليمية محتملة، من الانتخابات الأميركية النصفية، إلى التصدّعات الداخلية في إيران، وصولاً إلى الدور الإسرائيلي المتقلّب في دعم حركات انفصالية عند تعثّر التفاهمات مع دمشق.

ولا يبدو أن "قسد" دخلت مسار التفاوض بنيّة الوصول إلى تسوية نهائية، بل استخدمته كأداة لإدارة الوقت وإعادة التموضع. ومع الانسحاب المجتزأ من ريف حلب الشرقي، يتعزّز الانطباع بأن المسار القائم على اتفاق 10 آذار بلغ حدوده العملية.

غير أن التجربة السورية تُظهر أن المسارات لا تُغلق نهائياً، بل تُعلّق بانتظار متغيّرات كبرى. وحتى ذلك الحين، سيبقى هذا الانسحاب خطوة تكتيكية محدودة في صراع طويل على الجغرافيا والسيادة والشرعية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث