الكشف عن 18 سجنًا سريًا باليمن.. إرث ثقيل للمجلس الانتقالي

Image-1768681423
قضية سجون جنوب اليمن تعود إلى الواجهة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ العام 2016، تعيش أسرة سعيد عمر مقدح القميشي انتظارًا مفتوحًا بعد اختفاء نجليها قسرًا في مدينة عدن جنوب اليمن، حيث كانا يعملان في مطعم، ولا معلومات عن مصيرهما. كان صالح، البالغ حينها 24 عامًا، متزوجًا وأبًا لأربعة أطفال، في حين كان شقيقه محمد قاصرًا، وفق إفادة الأسرة، مؤكدةً امتلاكها وثائق رسمية صادرة عن قيادات أمنية، بينها مدير أمن عدن السابق اللواء شلال علي شائع، ومدير سجن المنصورة نقيب اليهري، ونائب مدير أمن عدن عبدالدايم، تفيد باحتجازهما. وبعد مرور عشرة أعوام، لا يزال مصير الشقيقين مجهولًا، في قضية تقول الأسرة إن خلفيتها تعود لانتمائهما لمحافظة الحديدة، شمال البلاد.
تأتي هذه القصة في وقت دعا فيه الرئيس اليمني رشاد العليمي، في 12 كانون الثاني/يناير 2026، إلى إغلاق جميع السجون غير الشرعية في جنوب اليمن، والإفراج الفوري عن المحتجزين تعسفيًا. وقال العليمي إن هذه المواقع كانت خاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، إلى جانب جماعات مسلحة أخرى، طوال النزاع المسلح المستمر منذ نحو عشر سنوات.
وجاء بيان الرئيس بعد أيام من إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي، في 9 كانون الثاني/يناير 2026، حلّ نفسه، عقب شهر من القتال بين قواته والقوات المدعومة من الحكومة اليمنية والسعودية.


مرافق احتجاز سرية
خلال سنوات النزاع، وثّقت منظمات حقوقية دولية، من بينها "هيومن رايتس ووتش" وإعلامية بينها "أسوشيتد برس"، وجود مرافق احتجاز سرية تديرها الإمارات والقوات التابعة للمجلس الانتقالي المدعومة منها في المحافظات الجنوبية، إلى جانب اعتقالات تعسفية واسعة ارتكبتها مختلف أطراف الصراع، بما في ذلك الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي.
وقالت الباحثة في منظمة "هيومن رايتس ووتش" نيكو جعفارنيا، في تصريح لـ"المدن"، إن آلاف الأشخاص احتُجزوا ظلمًا في مختلف أنحاء اليمن منذ اندلاع الحرب، مؤكدة ضرورة أن تعمل السلطات اليمنية والأطراف المعنية معًا لضمان الإفراج الفوري عن المحتجزين تعسفيًا في جنوب اليمن، وتوفير المساءلة والتعويضات، والحفاظ على الأدلة، والسماح للمحققين المستقلين بالوصول إلى مرافق الاحتجاز غير الرسمية والسجون السرية التي تديرها الإمارات أو القوات المدعومة منها.
وقال مصدر أمني في مكتب وزير الداخلية التابع للشرعية، لـ"المدن"، إن الوزارة وثّقت ما لا يقل عن 18 مركز احتجاز سري في جنوب اليمن، تديرها قوات تابعة للمجلس الانتقالي أنشأتها ودربتها الإمارات، مشيرًا إلى أن هذه المراكز كانت إما سرية بالكامل أو محظورة على السلطات القضائية التابعة للحكومة الشرعية. وأضاف أن هذه السجون تقع داخل قواعد عسكرية كانت تتواجد فيها القوات الإماراتية، إضافة إلى موانئ، ومطار الريان، وفيلات خاصة.
من جهته، أكد توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات، لـ"المدن"، أن المنظمة وثقت منذ عام 2016 14 موقع احتجاز خارج إطار القانون في عدن وحضرموت، مع توسع لاحق شمل محافظات أبين وشبوة ولحج والخوخة. وأضاف أن شهادات الضحايا سجلت حالات تعذيب وسوء معاملة أدت في بعض الأحيان إلى وفاة محتجزين داخل مراكز الاحتجاز، مشيرًا إلى أن بعض هذه المواقع كانت تحت إشراف ضباط إماراتيين قبل أن تنتقل السيطرة إلى تشكيلات محلية تتبع المجلس الانتقالي ومدعومة إماراتيًا.
وأفادت خمس منظمات حقوقية محلية ودولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، في حديثها مع "المدن"، بأن نحو 2000 شخص اختفوا قسرًا في المحافظات الجنوبية، ما دفع أسرهم إلى تنظيم احتجاجات شبه أسبوعية للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم وإخوتهم وآبائهم.


شهادات حية
وتروي شهادات نزلاء سابقين في معتقل في مطار الريان بمدينة المكلا شرقي اليمن ممارسات وُصفت بالقاسية، شملت حشر المحتجزين في حاويات شحن ملطخة بالبراز، وتعصيب أعينهم لأسابيع، إضافة إلى الضرب والتقييد والاعتداء الجنسي.
وأشارت تقارير حقوقية إلى أن الإمارات أشرفت على المعتقلات السرية في الجنوب، ونقلت بعض المحتجزين خارج اليمن. ووفقًا لمحامين وناشطين، فإن نحو 150 شخصًا متهمين بالانتماء إلى تنظيمي القاعدة أو "داعش" نُقلوا إلى قاعدة عسكرية تطورها الإمارات في مدينة عصب الإريترية منذ ثمانية أعوام.
وقال الصحافي الجنوبي أحمد ماهر، وهو معتقل سابق، إنه مطلع على نقل نحو 300 معتقل من عدن إلى جهات خارج اليمن، موضحًا أنه سلّم وزير الداخلية اليمنية إبراهيم حيدان ملفًا يوثق أكثر من 200 حالة اختفاء قسري ومواقع سجون يُتهم فيها المجلس الانتقالي بارتكاب انتهاكات، مطالبًا بإحالة جميع السجناء إلى النيابات والمحاكم ومحاسبة القيادات الأمنية المتورطة.
كما استخدمت قوات الحزام الأمني وقوات النخبة الحضرمية، بحسب منظمات حقوقية، القوة المفرطة خلال الاعتقالات والمداهمات، واعتقلت أقارب مشتبه بهم للضغط عليهم للاستسلام، واحتجزت رجالًا وشبانًا تعسفيًا، ولا يزال العشرات مخفيين قسرًا حتى اليوم.
من جانبه، أكد مكتب النائب العام اليمني، لـِ "المدن"، أن ملف السجون السرية والمخفيين قسرًا وقضايا التعذيب يُعد من الملفات المعقدة والشائكة في المحافظات الجنوبية والشمالية على حد سواء. وفي المحافظات الجنوبية، قال إن النيابة العامة لم تُخفق في فتح تحقيقات جدية بشأن هذه الملفات، إلا أن إجراءاتها القانونية كانت تصطدم برفض المجلس الانتقالي الجنوبي تنفيذ أي توجيهات صادرة عن السلطة القضائية، بما في ذلك أوامر الإفراج عن المعتقلين.
وكشف عن ترتيبات قانونية تبدأ بتشكيل لجنة تتولى التحقيقات الرسمية في بلاغات السجون السرية وحالات الإخفاء القسري في عدن وبقية المحافظات المحررة، مع إعداد قوائم بالمواقع غير القانونية، وإطلاق سراح المعتقلين، ومحاسبة القيادات المتورطة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث