قال مسؤول إيراني، إن السلطات تحققت من مقتل ما لا يقل عن 5 آلاف شخص خلال الاحتجاجات الأخيرة في البلاد، من بينهم نحو 500 من أفراد قوات الأمن، متهماً "الإرهابيين والمشاغبين المسلحين" بقتل "إيرانيين أبرياء".
وأوضح المسؤول، في تصريح لوكالة "رويترز"، أن بعضاً من أعنف الاشتباكات وأعلى أعداد القتلى سُجلت في المناطق الكردية شمال غربي إيران، وهي مناطق تنشط فيها جماعات كردية انفصالية، وكانت تاريخياً من أكثر المناطق عنفاً خلال فترات الاضطرابات السابقة.
وأضاف أن "عدد القتلى النهائي لا يُتوقع أن يرتفع بشكل حاد"، مشيراً إلى أن "إسرائيل والجماعات المسلحة في الخارج" دعمت وزودت من خرجوا إلى الشوارع بالسلاح. وهي رواية تكررها السلطات الإيرانية بانتظام في تحميل أطراف خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، مسؤولية أي اضطرابات داخلية.
المناطق الكردية: بؤرة العنف الأشد
وبحسب المسؤول الإيراني، فإن المناطق الكردية في شمال غرب البلاد شهدت بعضاً من أعنف الاشتباكات وأعلى أعداد القتلى.
وهذا ما أكدته أيضاً جماعة "هينغاو" الحقوقية الكردية الإيرانية، ومقرها النرويج، التي قالت إن الاحتجاجات التي اندلعت أواخر كانون الأول/ ديسمبر كانت أشد عنفاً في المناطق الكردية مقارنة ببقية أنحاء البلاد.
ويعيد ذلك تسليط الضوء على الحساسية الأمنية والسياسية الخاصة لهذه المناطق، التي لطالما اعتبرتها طهران بيئة خصبة لنشاط جماعات معارضة مسلحة، وتربط اضطراباتها غالباً بدعم خارجي.
وتزامنت تصريحات المسؤول الإيراني مع إقرار غير مسبوق من المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي قال إن "عدة آلاف" قتلوا في الاحتجاجات المناهضة للحكومة هذا الشهر، في أول اعتراف رسمي بحجم الخسائر البشرية.
وقال خامنئي في كلمة بثها التلفزيون الرسمي إن بعض القتلى سقطوا "بشكل وحشي وغير إنساني"، من دون تقديم تفاصيل إضافية، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل بالمساعدة في عمليات القتل، ومؤكداً أن لدى إيران "أدلة" على ذلك.
وأضاف أن إيران "لا تنوي دفع البلاد نحو الحرب"، لكنها في الوقت نفسه "لن تسمح للمجرمين في الداخل أو الخارج بالإفلات من العقاب".
هجوم مباشر على ترامب
وذهب خامنئي أبعد من ذلك حين حمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية "الوفيات والأضرار والاتهامات التي ألحقها بالشعب الإيراني"، معتبراً أن السياسة الأميركية تهدف إلى وضع إيران تحت الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية.
ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الضغوط الأميركية على طهران منذ اندلاع الاحتجاجات، وسط حديث متكرر في واشنطن عن خيارات عسكرية محتملة، وإن ظل القرار النهائي معلقاً.
وتتطابق أرقام خامنئي تقريباً مع تقديرات المنظمات الحقوقية. فقد أعلنت منظمة "هرانا" الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، أن عدد القتلى المؤكد بلغ 3 آلاف و308 أشخاص، في حين يجري التحقق من أنباء عن مقتل 4 آلاف و382 آخرين.
وقالت المنظمة إن ألفين و170 شخصاً أصيبوا بجروح بالغة خلال 21 يوماً من الاحتجاجات، إضافة إلى اعتقال 24 ألفاً و266 شخصاً.
وتمثل هذه الأرقام إحدى أعلى حصائل القمع الدامي في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979.
القضاء الإيراني
وتوعدت السلطة القضائية الإيرانية بالتعامل بحزم مع المتورطين في الاحتجاجات.
وقال المتحدث باسمها أصغر جهانغير إن "الأحداث الأخيرة لم تكن مجرد اضطرابات أو احتجاجات، بل أعمالاً إرهابية مدفوعة من دول غربية"، معلناً إلقاء القبض على "بعض مثيري الشغب المسلحين"، ومتهماً بعضهم بالعمل لصالح جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد".
وأضاف أن السلطات كشفت عن "قادة الخلايا الإرهابية في الداخل وروابطهم في الخارج"، مؤكداً أن القضاء "لن يتعجل في المحاكمات"، وسيميز بين من "خُدعوا" للمشاركة في العنف، وبين "الإرهابيين العملاء للاستخبارات الأجنبية".
ووصف جهانغير ما جرى بأنه "أكثر وحشية من إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية".
من جانبه، قال المدعي العام في طهران علي صالحي إن السلطة القضائية ستتعامل "بحزم وسرعة" مع الملفات المرتبطة بالاحتجاجات.
وأضاف أن عدداً كبيراً من القضايا أُحيل إلى المحاكم، وصَدرت لوائح اتهام بحق المتهمين فيها.
واندلعت الاحتجاجات في 28 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بإضراب لتجار بازار طهران على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، قبل أن تتحول سريعاً إلى حركة احتجاج واسعة رفعت شعارات سياسية، مطالبة بتغييرات جذرية في بنية الحكم.
غير أن منظمات حقوقية خارج إيران قالت إن زخم الاحتجاجات تراجع لاحقاً "بعد حملة قمع أسفرت عن مقتل الآلاف"، ترافقت مع حجب واسع لشبكة الإنترنت.
في 8 كانون الثاني/ يناير، أغلقت الحكومة الإيرانية الإنترنت وخدمات الهاتف المحمول في محاولة لاحتواء الاحتجاجات.
وقالت وكالة "مهر" شبه الرسمية إن "الإنترنت أُعيد لبعض المشتركين"، من دون تحديد طبيعة القيود التي رُفعت أو ما إذا كان الوصول إلى المنصات العالمية قد استُعيد.
كما أفادت وكالة "فارس" بإعادة تفعيل الرسائل النصية القصيرة بعد حجبها. لكن منظمة "نت بلوكس" لمراقبة الإنترنت قالت إن الزيادة في الاتصال كانت "طفيفة جداً"، وإن مستوى الوصول لا يزال عند نحو 2% من معدله الطبيعي، من دون أي مؤشر على عودة حقيقية للخدمة.
وأضافت أن هذا الانقطاع تجاوز في مدته إغلاق الإنترنت الذي فُرض خلال احتجاجات عام 2019، ليصبح الأطول في تاريخ إيران.
إسرائيل تفضل التأجيل
في المقابل، أفادت هيئة البث العبرية الرسمية بأن إسرائيل تفضل في المرحلة الحالية تأجيل أي ضربة أميركية محدودة ضد إيران، لصالح الإعداد لهجوم واسع لاحقاً، خشية أن يؤدي أي تحرك محدود إلى "رد إيراني واسع".
وقالت قناة "كان" إن هذا الموقف يستند إلى تقديرات أمنية ترى أن القوات الأميركية المنتشرة حالياً في المنطقة غير كافية لتنفيذ عملية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني بالكامل.
وأضافت القناة أن ضباطاً إسرائيليين كباراً أجروا اتصالات مع نظرائهم في الجيش الأميركي لبحث تداعيات أي هجوم محتمل.
وفي مقابل الضغوط الأميركية والإسرائيلية، تتهم طهران واشنطن بالسعي، عبر العقوبات والضغوط وإثارة الاضطرابات ونشر الفوضى، إلى خلق ذريعة للتدخل العسكري وتغيير النظام.
