"الغارديان": إيران تخطط لتحويل الانترنت إلى امتياز حكومي

المدن - عرب وعالمالسبت 2026/01/17
GettyImages-1182866014.jpg
طهران تخطط لقطع الانترنت عن مواطنيها باستثناء فئات محددة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، أن إيران تخطط لقطع دائم عن الإنترنت العالمي، بحيث لا يُسمح بالوصول إليه إلا لأفراد يخضعون لتدقيق أمني وموافقة مباشرة من النظام، فيما يُحرم عموم المواطنين من الاتصال بالشبكة الدولية ويُحصر استخدامهم بما يُعرف بـ"الإنترنت الوطني".

ونقلت الصحيفة عن منظمة "فلتر ووتش"، المتخصصة في مراقبة الرقابة الرقمية في إيران، قولها إن "خطة سرية جارية لتحويل الوصول إلى الإنترنت الدولي إلى امتياز حكومي"، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام الرسمية والمتحدثين الحكوميين "أرسلوا بالفعل إشارات واضحة بأن هذا التحول دائم، وأن الوصول غير المقيّد لن يعود حتى بعد عام 2026".

وبحسب التقرير، فإن الخطة تقوم على تقسيم المستخدمين إلى فئتين الأولى تضم الأفراد الذين يحصلون على "تصريح أمني" أو يجتازون اختبارات حكومية خاصة، وهؤلاء سيسمح لهم بالوصول إلى نسخة خاضعة للرقابة ومفلترة من الإنترنت العالمي.
أما الفئة الثانية، وهي الغالبية العظمى من الإيرانيين، فلن يُسمح لها إلا باستخدام "الإنترنت الوطني"، وهو شبكة داخلية محلية منفصلة بالكامل عن العالم الخارجي.

وقال أمير رشيدي، مدير منظمة "فلتر ووتش"، للصحيفة البريطانية "ما يجري هو تحويل الإنترنت الدولي إلى امتياز حكومي. السلطات تبدو راضية عن المستوى الحالي من الاتصال، وتعتقد أن هذا النوع من القطع ساعدها في السيطرة على الوضع".

وتأتي هذه الخطوة في سياق الإغلاق الواسع للإنترنت الذي بدأ في إيران في 8 كانون الثاني/يناير 2026، بعد 12 يوماً من تصاعد الاحتجاجات المناهضة للنظام. وذكرت "الغارديان" أن آلاف الأشخاص قُتلوا خلال الاحتجاجات، التي تراجعت حدتها لاحقاً تحت وطأة حملة قمع وصفتها الصحيفة بـ"الوحشية".

وبسبب التعتيم الرقمي، لا تتسرب إلا معلومات محدودة جداً من داخل البلاد. ووصفت "الغارديان" هذا الانقطاع بأنه "واحد من أشد عمليات قطع الإنترنت في التاريخ"، مشيرة إلى أنه أطول حتى من الانقطاع الذي فرضته مصر عام 2011 خلال احتجاجات ميدان التحرير.

ونقلت الصحيفة عن متحدث حكومي إيراني قوله لوسائل إعلام محلية إن الإنترنت الدولي سيظل مقطوعاً "على الأقل حتى عيد النوروز"، الذي يصادف 20 آذار/مارس.

 

سيناريو مرعب

ونقلت "الغارديان" عن مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية عمل في ملف الرقابة على الإنترنت قوله إن فكرة سعي إيران إلى انفصال دائم عن الشبكة العالمية "مرعبة، لكنها في الوقت نفسه محتملة". وأضاف: "ليس مستبعداً أن يفعلوا ذلك، لكن الأثر الاقتصادي والثقافي سيكون هائلاً. وقد يبالغ النظام في تقدير قدرته على السيطرة".

وأشار المسؤول السابق إلى أن العبء الأكبر لهذه الخطوة سيقع على عاتق السلطات نفسها، نظراً لما ستسببه من أضرار مباشرة للاقتصاد الإيراني والعلاقات التجارية والثقافية.

ولا يعتبر ما يحدث اليوم إجراءً طارئاً، بل هو تتويج لمسار بدأ قبل 16 عاماً، هدفه إحكام سيطرة النظام على الإنترنت داخل إيران، ويرتكز المشروع على محورين هما نظام متطور لتصفية حركة البيانات، ويعتمد على ما يُعرف بسياسة "القائمة البيضاء"، أي السماح لفئات محددة فقط بالوصول إلى الإنترنت العالمي، ومنع الجميع الآخرين.

وبحسب باحثين فإن هذه القدرة التقنية ربما اعتمدت على تكنولوجيا جرى تصديرها من الصين، تشمل أجهزة تُعرف باسم "Middleboxes"، وهي معدات عالية السعة تُركّب على كابلات الشبكة لمراقبة البيانات والتحكم بها.

وقال هؤلاء الباحثون، الذين طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم خوفاً من انتقام السلطات الإيرانية لـ"الغارديان"، إن "هناك معدات رقابة موجودة على كل شبكة تقريباً، ويمكن للحكومة عبرها منع الاتصال في الاتجاهين، ومراقبة المستخدمين، وحجب المواقع والبروتوكولات، وحتى أدوات تجاوز الحجب مثل بعض شبكات الـVPN".

وأضافوا: "الأنظمة التجارية المتاحة حالياً يمكن توسيعها لتفحص حركة الإنترنت لدولة كاملة، بما يشمل التجسس على الأفراد وحجب الأدوات الرقمية بدقة عالية".

المحور الثاني من الاستراتيجية الإيرانية هو بناء "الإنترنت الوطني"، وهو شبكة داخلية لا يمكن الوصول إليها إلا من داخل البلاد، ولا تكاد تكون مرتبطة بالعالم الخارجي.

وتتيح هذه الشبكة للمواطنين استخدام عدد محدود من الخدمات التي أنشأها النظام، من بينها تطبيقات مراسلة إيرانية، ومحركات بحث محلية، وتطبيقات خرائط وملاحة، ومنصة بث فيديو تشبه "نتفليكس".

لكن هذه الخدمات تخضع للمراقبة الصارمة، ولا توفر أي اتصال فعلي بالإنترنت العالمي.

وبدأت إيران التفكير الجدي في هذا المشروع عام 2009، بعد أن أقدمت السلطات على قطع الإنترنت بشكل كامل أثناء احتجاجات إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، ثم اكتشفت أن الإغلاق الشامل ألحق بها أضراراً جسيمة.

 

من القطع الكامل إلى القطع الانتقائي

وأنشأت الحكومة الإيرانية في عام 2012، "المجلس الأعلى للفضاء السيبراني"، وبدأت تخطط لإنترنت محلي منفصل. وفي الوقت نفسه طورت أساليبها في الإغلاق الجزئي، فصارت تحجب مواقع مثل فيسبوك وتويتر وغوغل أثناء الاحتجاجات، لكنها تُبقي خدمات اقتصادية أخرى تعمل لتقليل الخسائر.

وخلال العقد التالي، استخدمت السلطات سياسة "العصا والجزرة" لإجبار الشركات والبنوك ومزودي خدمة الإنترنت على نقل بنيتهم التحتية إلى داخل إيران، عبرإعفاءات ضريبية للممتثلين، ومنع الشركات الرافضة من العمل داخل البلاد.

وفي عام 2015، استخدم باحثون عملة "بيتكوين" لاستئجار خوادم داخل إيران وبدأوا بمسح عناوين IP الخاصة بالشبكة الإيرانية. وكانت النتيجة، بحسب الغارديان، "مذهلة"، حيث كانت إيران تبني شبكة داخلية متكاملة، منفصلة تماماً عن الإنترنت العالمي، تعمل بالطريقة نفسها التي تعمل بها الشبكات الداخلية في الشركات والمؤسسات.

وقال أحد الباحثين: "يشبه الأمر شبكة مكتبك الداخلي. لا يمكنك الوصول إليها من مقهى أو من خارج الشركة، لأنها غير قابلة للتوجيه إلى الخارج أصلاً".

وبحسب "الغارديان"، نجحت إيران فعلاً في إنشاء هذه الشبكة، وهي اليوم تعمل بشكل كامل، وكانت فعالة طوال فترة الاحتجاجات، وأصبحت الخيار الوحيد المتاح لمعظم الإيرانيين للاتصال الرقمي.

وأكد المسؤول الأميركي السابق إن ما أظهرته إيران من قدرة على التحكم بالإنترنت يفوق قدرات كثير من الأنظمة السلطوية الأخرى، لكنه شدد على أن نجاح النظام في فرض "واقع رقمي دائم" لا يزال موضع شك.

وأضاف: "مجتمع الحقوق الرقمية محق في دق ناقوس الخطر. لكن التأثيرات ستكون شديدة القسوة على السلطات نفسها، التي ستتحمل مسؤولية الضرر الاقتصادي العميق الذي سيلحق بالبلاد".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث