نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصادر إسرائيلية وأميركية أمس الخميس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان على وشك اتخاذ قرار يوم الثلاثاء بشأن تنفيذ هجوم على أهداف تابعة للنظام في شتى أنحاء إيران. لكن ترامب تراجع، بحسب المصادر، بعد أن أُثيرت شكوك تتعلق بفرص الهجوم المخطط له في إحداث تغيير حقيقي لمصلحة الاحتجاجات في إيران، إلّا إن ترامب لم يتخلَّ عن خيار الهجوم، لكن يبدو كأن الأمر سيستغرق وقتاً قبل اتخاذ قرار جديد بهذا الشأن. لقد سبق تجميد الهجوم محادثات بين مسؤولين كبار في الولايات المتحدة ومسؤولين في إسرائيل ودول الخليج. إن إسرائيل تنظر بإيجابية إلى الجهد الأميركي لإسقاط النظام في طهران، لكنها قلِقة لسببين: الأول، الخشية من أن تردّ إيران بقوة ضد أهداف إسرائيلية؛ والثاني، الخطر المتمثل في أن الخطة الأميركية غير ناضجة بما يكفي، وبالتالي لن تُلحق الضرر المرجو بالنظام الإيراني.
خطط البنتاغون
وقال المحلل في الصحيفة عامو هرئيل، إن خططاً نوقشت في البنتاغون لشن ضربة جوية واسعة النطاق ضد أهداف مرتبطة بالنظام وشبكات القيادة والسيطرة التابعة لقوات الأمن الإيرانية، إلى جانب هجوم سيبراني واسع. وكان من المفترض تنفيذ هذه الخطط خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، لكن ترامب أعلن مساء أول أمس أنه تلقّى وعوداً بوقف القتل خلال الاحتجاجات في إيران، وأن السلطات الإيرانية ستوقف تنفيذ أحكام الإعدام المخطط لها بحق معارضي النظام. من المشكوك فيه أن يكون القتل توقف كلياً، لكن هناك تراجعاً واضحاً في حجم الاحتجاجات في أنحاء البلد، ومن المرجّح أن يكون السبب القمع الوحشي الذي مارسته قوات الأمن.
ووفق التقرير، بلغت الاحتجاجات ذروتها يوم الخميس الماضي، 8 كانون الثاني/يناير. خلال ذلك اليوم، على ما يبدو، شارك أكثر من مليون شخص في التظاهرات، وقُتل المئات بنيران قوات النظام؛ حتى الآن، ووفق التقارير الواردة من إيران، قُتل أكثر من 5000 شخص في موجة الاحتجاج الحالية، بينهم نحو 500 من أفراد قوات الأمن. هذا هو العدد الأعلى من الضحايا منذ الثورة الإسلامية في سنة 1979.
وأشار التقرير إلى أن نجاح السلطات في قطع شبكة الإنترنت داخل البلد، ساعد على فرض تعتيم شبه كامل على ما يحدث في إيران ومنع تسرُّب المعلومات إلى الخارج. وعندما بدأت المعلومات ومقاطع الفيديو القليلة بالظهور، كان النظام نجح فعلاً في قمع جزء كبير من الاحتجاجات؛ فقوات الباسيج والحرس الثوري تمارس العنف والقسوة ضد المتظاهرين، وتداهم منازل المدنيين لمصادرة معدات الاتصال الخاصة بشبكة الأقمار الصناعية "ستارلينك". وتشير التقديرات إلى إصابة نحو 30 ألف جريح في الاضطرابات، لم يتلقّ سوى جزء منهم علاجاً طبياً مناسباً.
وبحسب الصحيفة، يقدّر مسؤولون إسرائيليون أن ما يجري في إيران يمكن أن يستمر شهوراً طويلة، لكنهم يعتقدون أن بقاء النظام بات في خطر، وأنه سيواجه صعوبة في فرض سلطته مجدداً. لقد فوجئت المؤسسة الأمنية بالشعبية الواسعة التي يحظى بها نجل الشاه رضا بهلوي، الذي نجح من الخارج في تشجيع الاحتجاجات، ولأول مرة، يُنظر إليه كشخصية يمكن أن تنافس على القيادة، خلافاً للتقديرات السابقة بشأن مكانته.
واتّخذ الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة إجراءات استعداد دفاعية، خشية تنفيذ إيران تهديداتها بالرد على الولايات المتحدة، عبر ضرب إسرائيل ودول الخليج. وفي المؤسسة الأمنية يواجهون صعوبة في تحديد ما إذا كانت هذه مجرد تهديدات، أم نية حقيقية، ويعود ذلك جزئياً إلى ضُعف سيطرة المرشد الأعلى علي الخامنئي على مجريات الأمور. في الماضي، كان الخامنئي هو مَن يتّخذ القرارات العسكرية المركزية، أمّا اليوم، فليس واضحاً تماماً كيف تعمل سلسلة القيادة في حالات الطوارئ. كذلك تستعد إسرائيل لاحتمال هجمات من منظمات "إرهابية" مرتبطة بإيران.
"ليس من مصلحة إيران تعقيد المشهد"
وقالت الصحيفة: "إذا كانت طهران تفترض أن ضربة أميركية ستفتح نافذة جديدة لمحادثات نووية، فليس من مصلحتها تعقيد المشهد أكثر، عبر تورُّط مباشر مع إسرائيل، التي لا تخفي رغبتها في إسقاط النظام".
وأضافت: "إذا تحقّق إسقاط النظام، فسيكون تحوّلاً استراتيجياً إيجابياً للغاية في الشرق الأوسط، لكن السؤال الرئيسي الذي يُقلق المواطنين في إسرائيل الآن، وبحق، هو ما إذا كان تنفيذ أي هجوم أميركي سيقود إلى قرار إيراني بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة في اتجاه إسرائيل. وعلى الرغم من الصمت غير المعتاد من الحكومة والحذر المتعمّد الذي ينتهجه الجيش، فإن المؤسسة الأمنية تستعد لمثل هذا الاحتمال، والنظام الإيراني يحرص في تصريحاته على اتهام إسرائيل بتأجيج الاضطرابات. من الصعب التنبؤ بالخطوات الإيرانية، وخصوصاً عندما يكون مستقبل الحكم مهدداً بهذا الوضوح".
وتابع التقرير أنه "في هذا الأسبوع، وفى ترامب بوعده وأعلن، عبر ويتكوف، إطلاق المرحلة الثانية من خطته الكبرى في قطاع غزة في الموعد المحدد، لكن تنفيذ الخطة في القطاع يجري ببطء، وما سينفَّذ في المستقبل القريب هو تشكيل وتعيين حكومة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع (وتضم، خلافاً للتصريحات الإسرائيلية، أيضاً أشخاصاً مرتبطين مباشرة بالسلطة الفلسطينية)، فضلاً عن إقامة مجلس السلام برئاسة ترامب نفسه".
وأشار إلى أن تشكيل قوة الاستقرار الدولية يتأخر، بسبب الصعوبة التي يواجهها الأميركيون في إقناع دول بإرسال عناصرها للمخاطرة في القطاع. ما بات واضحاً منذ الآن هو أن هذه القوة لن تنتشر في المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس"، ولن تواجه التنظيم مباشرة لإجباره على نزع سلاحه. والسؤال الذي لا يزال مفتوحاً هو: علامَ اتفق ترامب ونتنياهو في لقائهما في أواخر كانون الأول/ديسمبر في فلوريدا بشأن مواصلة الانسحاب من القطاع، ووفق أيّ شروط، وبأيّ جدول زمني، وما هو نطاقه؟
في غضون ذلك، بات الفارق بين الأهداف التي رسمها نتنياهو في غزة والواقع واضحاً إلى حدّ كبير. فـ"حماس" لم تُهزم بالكامل، ولم يُنزع سلاحها، وبعكس تصريحات رئيس الحكومة، وعلى الرغم من مراوغاته هذا الأسبوع، يمضي الأميركيون قدماً من دون أن تفي "حماس" بالتزامها بشأن إعادة جثمان الجندي الأسير الأخير، الشرطي ران غوئيلي. كذلك يتوقع ترامب قريباً موافقة إسرائيلية على فتح معبر رفح، مع وجود واضح لعناصر من السلطة الفلسطينية هناك.
وربما يشير هذا التباين، تحديداً، إلى نيات رئيس الحكومة في المرحلة المقبلة. سيجد نتنياهو صعوبة في ترك الأوضاع في القطاع على حالها كلما اقترب موعد انتخابات الكنيست، المقررة حالياً في نهاية تشرين الأول/أكتوبر. وستصبح الفجوة بين الوعود والإنجازات حادة للغاية. لذلك، يجب الانتباه إلى احتمال أن يبادر إلى تصعيد جديد في القطاع، إذا نجح في إقناع ترامب بأن "حماس" هي العقبة أمام تحقيق رؤيته، وأن لدى إسرائيل هذه المرة خطة فعالة لإسقاط التنظيم. هذا الشعور يتردد أيضاً داخل قيادة المنطقة الجنوبية، التي تدّعي أن الوقت حان لإنهاء المهمة، وأنه من دون وجود رهائن أحياء في القطاع، لن تضطر إسرائيل إلى القتال مرة أُخرى ويدها مكبّلة خلف ظهرها، لكن رئيس الأركان إيال زامير أكثر تشكيكاً؛ لقد فضّل زامير تركيز الجهود على الساحة اللبنانية، وعلى الضغوط لمواصلة نزع سلاح حزب الله في الجنوب اللبناني. أمّا الاضطرابات في إيران، فجمدت النقاش بشأن الخيارات الأُخرى. وفي الوقت الراهن، وبأمر من الولايات المتحدة، تتجّه الأنظار كلها إلى طهران.
