يتطلع دونالد ترامب إلى الحد بشدة من قدرات إيران العسكرية ودورها الإقليمي، مهما جرّ هذا من توابع، لكنه قد يقنع فحسب بإضعاف قدرتها على تهديد جيرانها، أما بنيامين نتنياهو فتتجاوز أحلامه ذلك بكثير، ولهذا يتمحور رهانه حول انخراط ترامب في الحرب ضد ايران أياً كان مستوى هذا الانخراط، فالورطة الأميركية قد تتسع، بآليات الفعل ورد الفعل،والحرب-إن بدأت-لن تقف حينها في منتصف الطريق، قبل أن تنجز أهدافاً رئيسية.
سؤال الأزمة لم يعد: حرب أم لا حرب، وإنما هل تندلع الحرب اليوم أم غداً؟ وهل اذا إندلعت بحسب توقيت واشنطن، سوف يمكن إيقافها بحسب نفس التوقيت؟!
لا تنفي ادارة ترامب ولاحكومة نتنياهو، ضلوعهما فيما يجري بشوارع إيران، ولا تبديان أي مستوى من الخشية من انكشاف مستوى تورطهما في إشعال عوامل الغضب والاحتقان في الشارع الايراني، بل إن إنذاراً أميركياً لطهران، اعتبر أن مستوى قمع المتظاهرين هو ما سوف يقرر توقيت التدخل الأميركي بالقوة، لإنقاذ المتظاهرين من قبضة النظام.
قرار التدخل الأميركي إذن بات بيد الشارع الإيراني، الذي جرى شحنه وتعبئته على مدى أكثر من أربعين عاماً بشعارات "الموت لأميركا.. الموت لإسرائيل". لكن الجيل الذي تسعى لتحريكه مخابرات أميركا وإسرائيل، ليس هو ذاته الجيل الذي تربى على كراهية أميركا وإسرائيل.
فبحسب قراءة اللواء خيرت شكري للحدث، وهو خبير أمني مصري كبير، ينتمي الجيل الذي خرج الى الشوارع الى "جيل Z" وهم الشباب الذين وُلدوا تقريباً بعد عام 1995.
أي أنهم لم يعيشوا الثورة الإسلامية عام 1979، ولا الحرب مع العراق، ولا لحظة الحشد الديني التي يستند إليها النظام في شرعيته.
هؤلاء وُلدوا في ظل نظام قائم، لكنهم لم يشاركوا في صناعته، ولم يشعروا يوماً أنه يعبّر عنهم.
وبحسب اللواء خيرت شكري فإن الفرق الأساسي بين جيل Z والأجيال السابقة هو الوعي بالعالم الخارجي ، فهذا الجيل متصل بالإنترنت ويرى أنماط حياة مختلفة، يقارن بين ما يعيشه وما يراه ، وبالتالي يسأل سؤالاً بسيطاً لكنه خطير: لماذا نعيش هكذا؟! وهذا السؤال وحده كافٍ ليخلق صداماً مع نظام يقوم على الطاعة والامتثال.
ويضيف اللواء خيرت شكري أن "جيل Z" لا يمثل كل المجتمع الإيراني، لكنه الأكثر حضوراً في الشارع والأكثر جرأة في المواجهة.موضحاً أن دورهم يظهر في ثلاث نقاط رئيسية:
أولاً: كسر الخوف.
ثانياً: كسر القواعد المفروضة في الملبس، في الشكل ، في السلوك ،وهو ما تعتبره السلطة تهديداً مباشراً لهيبتها.
ثالثاً: نقل الصورة للعالم : بهاتف محمول واحد، يمكن توثيق القمع ونشره خلال دقائق.
وهو سلاح لم يكن متاحاً للأجيال السابقة.
السيطرة على سلوك الشظايا. أحد ابرز مخاوف من يسعون الى تمزيق إيران من الداخل باستثمار ما يسمى بـ"جيل Z". لكن تراجع حركة الشارع الايراني ضد النظام، كلما تكشفت له حقيقة العلاقة بين الثورة في الشارع، وبين التهديد الأميركي-الاسرائيلي لإيران، قد يؤدي الى نمو وتصاعد الحركة الداخلية المضادة للثورة الراهنة، وهو أمر قد يكون حاسماً بشأن مستقبل إيران سواء باستمرار النظام بعد بضع تنازلات، وفق تسوية مجتمعية داخلية استفادت من ضغوط الخارج، أو عبر هندسة إنقلاب عسكري يضع الجيش في المقدمة، والحرس الثوري تالياً أو في المؤخرة، باعتبار أن الفصل بين مؤسسة الحكم (المرشد/ الرئيس) وبين الحرس الثوري، قد يكون شرطاً جوهرياً لتصويب حركة المجتمع واستعادة الدولة بالمفهوم الكلاسيكي.
تفكيك الفضاء الإقليمي لإيران، في سوريا وغزة ولبنان والعراق، عملية فرضتها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وما يجري الآن في الثورة داخل إيران، هو استكمال تفكيك دولة ولاية الفقيه وفق منهج التفكيك الذاتي، حيث يجد النظام نفسه مضطراً إلى التخلص من بعض حمولته السياسية والثورية من أجل الإبقاء على فرصه للعودة مجدداً عندما تتحسن ظروف الداخل أو تسوء ظروف الخارج.
تغيير محدود في إيران، قد يكون في مصلحة الإقليم، لكن تغييراً شاملاً بتفجير الصيغة الإيرانية بمجملها، قد يفتح باب التشظي الخطر عند مستوى لا يقدر على احتماله أحد في الإقليم أو حتى خارجه.
الحرب قد لا تكون اليوم، لكن التغيير يفرض إيقاعه، ويضع قوانينه في كل الأحوال.
