اليمن: حشود الجنوب تختبر الرياض بعد حل المجلس الانتقالي

عدن - وجدي السالميالجمعة 2026/01/16
Image-1768496854
تظاهرات جنوب اليمن جاءت في توقيت بالغ الحساسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهدت المحافظات الجنوبية في اليمن تصاعداً ملحوظاً في الفعاليات الجماهيرية الاحتجاجية التي ترفع شعارات انفصالية، وذلك في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع مساعي الحكومة المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي للعودة إلى الداخل واستعادة السيطرة على مؤسسات الدولة من العاصمة المؤقتة عدن. ويُطرح سؤال حول طبيعة هذا الحراك: هل هو تعبير عفوي عن غضب شعبي له جذور تاريخية واجتماعية عميقة بالقضية الجنوبية، أم إن توقيت وطبيعة هذه الموجة الاحتجاجية يشيران إلى استخدامها كورقة في صراع النفوذ الأوسع في اليمن.

وأعادت تظاهرات حاشدة شهدتها مدينة عدن وجزيرة سقطرى الاستراتيجية في التاسع من يناير/كانون الثاني 2026، رفعت أعلام دولة الجنوب السابقة وطالبت بالانفصال، إلى الواجهة سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت سياسة السعودية الرامية إلى إعادة ضبط المشهد السياسي والعسكري في جنوب اليمن قد أدت إلى تهدئة الأزمة، أم ساهمت في تعميقها.

وجاءت الاحتجاجات، التي شارك فيها آلاف المتظاهرين، عقب قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، في خطوة اعتُبرت جزءاً من ترتيبات أوسع تقودها الرياض لإعادة هيكلة معسكر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وتهيئة الأرضية لتسوية سياسية شاملة.

لكن مشاهد الحشود والهتافات المطالبة صراحة بـ"استعادة دولة الجنوب" عكست، وفق مراقبين، أن حل المجلس لم يؤدِ إلى إنهاء حضوره في الشارع، بل دفعه إلى إعادة توظيف التعبئة الشعبية كأداة ضغط سياسي في مرحلة تتراجع فيها الخيارات العسكرية.

 

السعودية ارتكبت خطاً كبيراً

وقال الصحافي اليمني الجنوبي عبدالسلام عارف لـ"المدن"، إن "السعودية ارتكبت خطأً كبيراً بدفعها نحو حل كيان سياسي يحظى بدعم شعبي واسع في الجنوب". وأضاف أن المجلس الانتقالي كان يُنظر إليه من قبل قطاع كبير من الجنوبيين باعتباره "الحامل السياسي للقضية الجنوبية"، محذراً من أن الخطوة أدت إلى زيادة الاحتقان الشعبي في توقيت بالغ الحساسية.

وأوضح عارف أن كثيراً من المتظاهرين يشعرون بأنهم باتوا "محاصرين سياسياً" بين حكومة لا تمثل تطلعاتهم، من وجهة نظرهم، وبين جماعة الحوثي التي يرفضون مشروعها، وهو ما يفسر، بحسب قوله، سرعة عودة الشارع الجنوبي إلى التصعيد.

ويأتي هذا الحراك الشعبي في أعقاب انسحاب عسكري إماراتي من اليمن، وهو انسحاب قلّص الدعم المباشر لأبرز مكونات المشروع الانفصالي، ودفع المجلس الانتقالي إلى البحث عن أدوات بديلة للحفاظ على حضوره السياسي، في مقدمتها الحالة الجماهيرية في الشارع الجنوبي الذي ترسخت في ذهنيته حلم إستعادة دولة جنوب ما قبل وحدة عام 1990.

كما يأتي هذا الحراك في وقت تحاول فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، إعادة انتشارها في عدن وعودة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة للداخل، وتفعيل نفوذها الأمني والإداري والعسكري على مؤسسات الدولة، بعد سنوات من التوتر مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً.

وقد تعيق التظاهرات الجماهيرية في حال استمرارها عمليات العودة المخطط لها لمسؤولي الحكومة إلى عدن، وقالت مصادر حكومية طلبت عدم الكشف عن هويتها إن "التهديد الأمني والمظاهرات المدفوعة تُستخدم كذريعة لتأخير عودة المؤسسات الرسمية إلى عدن"، مشيرة إلى أن هناك قوى تسعى للحفاظ على الجنوب خارج سيطرة الحكومة الشرعية.

 

ورقة ضغط

ويربط محللون توقيت الاحتجاجات بالمفاوضات الجارية في الرياض لإعادة ترتيب مسار القضية الجنوبية في مؤتمر جنوبي مرتقب، معتبرين الحراك الجماهيري "ورقة ضغط" لتعزيز موقف الانفصاليين قبل أي اتفاق محتمل.

وفي تصريح خاص، لـ"المدن" قال هاني علي سالم البيض، نجل رئيس دولة الجنوب السابق وعضو قيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي، إن قيادة المجلس اختارت "العودة إلى الشعب" باعتباره المرجعية الأساسية للقضية الجنوبية.

وأضاف البيض أن دعوة الجماهير إلى النزول للشارع جاءت في ظل ما وصفه بـ"الظروف السياسية والأمنية المعقدة" التي يشهدها الجنوب، موضحاً أن الهدف هو تمكين المواطنين من التعبير عن مطالبهم "بوسائل سلمية" وحماية قضيتهم. وأشار إلى أن الأيام المقبلة قد تشهد "توسعاً في التصعيد الشعبي"، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

ورداً على الاحتجاجات، أعلنت السلطات المحلية في عدن تعليق كافة المظاهرات والفعاليات الجماهيرية "لدواعٍ أمنية"، محذرة من استغلالها من قبل جماعات متطرفة أو تحولها إلى أداة ضغط سياسية، وفق مسؤولين محليين. لكن مراقبين يرون أن الإجراءات الأمنية قد تواجه صعوبة في احتواء الغضب الشعبي المتصاعد، خصوصاً مع وجود انقسام داخل الشارع الجنوبي بين مؤيدي الانفصال وأصحاب مواقف موالية للوحدة داخل الجنوب نفسه. كما رفضت القوات الأمنية، ممثلة في قوات الحزام الأمني وقوات العمالقة الجنوبية في عدن، تطبيق قرارات السلطة المحلية بمنع المظاهرات الشعبية.

 

انتقال الصراع

ويرى محللون أن المشهد الحالي يعكس انتقال الصراع في الجنوب من مرحلة فرض الوقائع بالقوة إلى مرحلة "التصعيد الشعبي"، في وقت تسعى فيه السعودية إلى تقليص نفوذ الفصائل المسلحة خارج إطار الدولة، وتوحيد القرارين العسكري والأمني تحت سلطة مجلس القيادة الرئاسي.

غير أن هذه المقاربة، بحسب سياسيين، تنطوي على مخاطر إذا لم تُرفق بمسار سياسي يستوعب مطالب الجنوبيين، إذ إن تجاهل الزخم الشعبي قد يدفع نحو مزيد من الاستقطاب والتعقيد، أو يعمّق الانقسام داخل الحراك الجماهيري في الشارع الجنوبي نفسه بين مؤيدين للانفصال ومناصرين لبقاء الوحدة، الأمر الذي سيؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني في المحافظات الجنوبية.

وبينما تراهن الرياض على أن حل الكيانات المسلحة سيقود إلى استقرار تدريجي، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الشارع الجنوبي بات لاعباً مستقلاً يصعب تجاهله، وأن مستقبل القضية الجنوبية سيظل عاملاً حاسماً في أي تسوية شاملة للحرب اليمنية، التي دخلت عامها الثاني عشر دون أفق واضح للحل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث