الاتحاد الأوروبي يفتح فصلاً جديداً في علاقاته مع سوريا

خاص - المدنالجمعة 2026/01/16
Image-1768573618
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار العلاقات الدولية مع الحكومة السورية الجديدة، أجرى وفد رفيع المستوى من الاتحاد الأوروبي، زيارة هامة إلى سوريا قبل أيام، وُصفت بأنها الأعلى مستوى منذ أكثر من عقد.

الزيارة التي قادتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، يرافقها رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت رسائل سياسية واقتصادية واضحة عكست توجهاً أوروبياً لفتح فصل جديد في العلاقة مع سوريا بعد مرحلة طويلة من القطيعة.

 

دلالات التوقيت والسياق السياسي

تأتي الزيارة، حسب محللين، في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، إذ يُنظر إلى زيارة الوفد الأوروبي بعد عام على سقوط نظام الأسد، بأنها اعتراف عملي بالإدارة السورية الجديدة، ورسالة داعمة لمسار الانتقال السياسي الذي تسعى الحكومة السورية إلى ترسيخه.

والتقى الوفد الأوروبي بالرئيس السوري أحمد الشرع، حيث جرى بحث أسس المرحلة المقبلة من العلاقات الثنائية، في إطار وصفه الاتحاد الأوروبي بأنه "فصل جديد" قائم على مقاربة شاملة تجمع بين السياسة والاقتصاد والدعم الإنساني.

 

ثلاثة محاور تحكم العلاقات الجيدة

وقال الباحث في العلاقات الدولية حسام محمد، في حديثه لـ"المدن"، إن "زيارة رئيس الاتحاد الأوروبي إلى دمشق تمثل تطوراً سياسياً لافتاً، وتعد من أبرز المحطات الدبلوماسية التي شهدتها سوريا خلال عام 2026، لما تحمله من مؤشرات على تحوّل نوعي في طبيعة العلاقة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، فالزيارة تعكس  نجاح السياسة الخارجية السورية في إعادة فتح قنوات التواصل مع أطراف دولية فاعلة، بعد سنوات من القطيعة والتوتر".

وتابع أن "هذه الخطوة تدل على وجود توافق أوروبي واسع بشأن الانفتاح على سوريا والتعاون معها في ملفات حساسة، تشمل الأمن، ودعم المرحلة الانتقالية، والعدالة الانتقالية، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية وإعادة اللاجئين، فضلاً عن إعادة تفعيل التمثيل الدبلوماسي السوري في عدد من العواصم الأوروبية".

واعتبر أن الزيارة "تؤكد دعم الاتحاد الأوروبي لوحدة الأراضي السورية، ورفضه لأي قوى مسلّحة خارج إطار الدولة، وتأييده لبناء مؤسسة عسكرية وطنية موحّدة، إذ يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها بداية مرحلة جديدة لسوريا، عنوانها التعافي الاقتصادي، وتعزيز الشراكات الدولية، بالتوازي مع ضرورة معالجة التحديات الداخلية وفي مقدمتها إعادة توحيد المجتمع السوري على أسس وطنية جامعة".

 

رسائل سياسية أوروبية واضحة

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية في تصريحات لها، إن: "عقوداً طويلة من الخوف والصمت وعنف الدولة بدأت أخيراً في التراجع أمام الأمل والفرصة وإمكانية التجديد"، مشيرة إلى أن الطريق نحو المصالحة وإعادة بناء الثقة والمؤسسات سيكون طويلا وملئياً بالتحديات، لكنه ممكن، وفق تعبيرها.

وأكدت أن الاتحاد الأوروبي موجود اليوم من أجل سوريا ومن أجل جميع السوريين، بهدف دعم بناء دولة جديدة تكون سلمية وشاملة وآمنة.

 

لماذا الآن؟

من جهته، قال الباحث والمحاضر في جامعة برلين الحرة عماد العلي، لـ"المدن"، إن "الزيارة جاءت كتأكيد إضافي على أهمية سوريا بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي التي تدرك أن الاستقرار المستدام هناك هو العامل الوحيد الكفيل بقلب كفة القوى السياسية المعتدلة (اليمين واليسار) ضد الصعود المتواصل لليمين المتطرف في مختلف الدول الأوروبية، والذي يستغل ورقة اللجوء والهجرة لتعبئة الرأي العام ضد الحكومات ولكسب المزيد من الشعبية".

وتابع العلي: "من هنا، سيكون بإمكان الدول الأوروبية عقد اتفاقيات مع حكومة دمشق لإعادة مجموعات من اللاجئين وخاصةً المتهمين بارتكاب جنايات أو المشكوك بانتمائهم لتنظيمات إرهابية أو متطرفة. قد يساعد هذا بتخفيف الضغوط الشعبية المُمارسة على الحكومات الأوروبية".

واعتبر أن "أوروبا تحاول إيجاد موقعها على خريطة القوى العالمية في ظل ما يشهده العالم من تحولات، وبالتالي، يمكن الافتراض أن الدول الأوروبية تحاول كسب سوريا لصفها ومنع قوى أخرى مثل روسيا أو الصين من أن تحصل على موطئ قدم هناك". وقال إن هذا الأمر "سيتطلب استعداد الدول الأوروبية للإسهام الفعلي في مشاريع تنموية، خصوصاً في البنية التحتية في سوريا، ويبدو أن تأكيد الوفد الأوروبي الزائر بشأن دعم أوروبا لتحقيق الاستقرار وبناء المؤسسات وإعادة الإعمار في سوريا تصب في هذه النقطة بالفعل".

تبدو زيارة الوفد الأوروبي إلى العاصمة السورية دمشق، إعلاناً واضحاً عن دخول العلاقات السورية الأوروبية مرحلة جديدة، تقوم على المصالح المتبادلة والدعم المشروط بالإصلاح والاستقرار.

وبينما تعول الحكومة السورية الجديدة على هذا الانفتاح لإعادة الإعمار واستعادة دور سوريا الإقليمي، يراهن الاتحاد الأوروبي على سوريا مستقرة تشكل عاملا مهدئاً في محيط مضطرب، في معادلة سياسية واقتصادية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث