وسط صدمة وذهول العالم أجمع، نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته ضد فنزويلا، عندما انقضّت عناصر من قوات "دلتا فورس" وبشكل خاطف على غرفة نوم الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، ثم اقتادتهما مخفورَين أمام عدسات التلفزة إلى الولايات المتحدة، في عملية مُحكَمة التخطيط والتنفيذ، حملت في طيّاتها رسائل خارجية متعدّدة، بالرغم من عدم شرعيتها القانونية.
اختراق الدائرة الخاصة بمادورو
في الحقيقة، تُعَدّ هذه الخطوة أكثر ممارسة حادّة لسلطة الرئاسة خارج الولايات المتحدة يقوم بها ترامب، الذي حشد، إضافةً إلى قوات "دلتا فورس"، عناصرَ أخرى من قوات العمليات الخاصة الأميركية — بدعم من عملاء سريّين لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) — ليس فقط لاعتقال قائد أجنبي في دولة لا تخوض الولايات المتحدة حرباً معها، بل أيضاً لتولّي إدارة شؤون تلك الدولة.
ومن هنا قال مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية (تحفظ على ذكر اسمه لحساسية الموقف) للصحافيين: "لم تستغرق العملية العسكرية المُسمّاة (العزم المطلق) سوى ثلاث دقائق، من لحظة انطلاق أولى الانفجارات وحتى اقتحام أحدهم منزله".
ضع في الاعتبار أنّه سبق العملية العسكرية جهدٌ سرّي استثنائي لتعقّب ما يُعرَف بـ"نمط حياة" مادورو بأدقّ تفاصيله. فعلى ذمّة رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، الذي روى لوسائل الاعلام العالمية أنّه "قبل انطلاق قوات الكوماندوس، عملت عناصر وكالة الاستخبارات الأميركية لشهور عدّة للعثور على مادورو وفهم كيف يتحرّك، وأين يعيش، وإلى أين يسافر، وماذا يأكل، وماذا يرتدي، وما هي حيواناته الأليفة".
أكثر من ذلك، كشف شخصٌ مطّلع على الأمر لصحيفة واشنطن بوست أنّ وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) كانت لديها مصادر داخل الحكومة الفنزويلية قدّمت معلومات عن تحرّكات مادورو ومواقعه. وأضاف أن وكالة التجسّس ادخلت في شهر آب الماضي، فريق صغير من عناصرها، إلى فنزويلا لمراقبة روتين مادورو، ثم جرى نقل هذه المعلومات إلى عناصر العمليات الخاصة في الجيش الأميركي.
المثير أنّ القوات الأميركية كانت قد تدربت قبل أشهر على نموذج مُحاكى لمجمّع مادورو. ومن هنا لفت ترامب، في مقابلة مع برنامج "فوكس آند فريندز"، إلى أن "هذه القوات بنَت بالفعل منزلاً مطابقاً تماماً للمنزل الذي دخلوه، مع جميع الغرف الآمنة وكل الفولاذ المنتشر في كل مكان"
من هي قوات دلتا الخاصة؟
تُعَدّ قوة "دلتا" التابعة للجيش الأميركي، والمعروفة داخل الأوساط السرّية باسم "مجموعة التطبيقات القتالية"، من بين أكثر الوحدات نخبوية في وزارة الدفاع الأميركية، كونها تُكلَّف بتنفيذ مهام عالية المخاطر وسرّية، بما في ذلك إنقاذ الرهائن وعمليات القتل والقبض، كما تعمل هذه الوحدة عن كثب مع نظرائها في وكالة الاستخبارات المركزية .(CIA)
ووفقاً لمسؤولين أميركيين، تعتمد قوة "دلتا" على طيّاري فوج الطيران للعمليات الخاصة رقم 160(SOAR)، الذين يشغّلون طائرات متخصّصة، من بينها مروحيات MH-60 بلاك هوك وMH-47 شينوك، التي شاركت في العملية. وتبعاً لذلك، كشفت صحيفة واشنطن بوست في شهر تشرين الأول الفائت أن "الفوج 160 حلّق على مسافة 90 ميلاً من الساحل الفنزويلي، في تشكيل طيران عكس تدريباً محتمَلاً على هجوم برّي".
اللحظات الحاسمة: القبض على مادورو وزوجته
ليلة رأس السنة، وُضِعت قوات الكوماندوس النخبة التابعة للجيش الأميركي على أهبة الاستعداد في منطقة الكاريبي، بهدف اقتحام منزل مُحصَّن في كاراكاس للقبض على الرئيس الفنزويلي وزوجته.
آنذاك، لم يكن الطقس مثالياً، لذا انتظروا وراقبوا. ومع انقشاع الغيوم في وقت متأخّر من ليلة الجمعة، أعطى ترامب الضوء الأخضر.
في ظلام الليل الدامس، وقبل بزوغ فجر السبت 3 كانون الثاني في كاراكاس، هزّت انفجارات عنيفة مواقعَ متعدّدة في العاصمة الفنزويلية، إذ استهدفت الضربات الأميركية منشآت عسكرية رئيسية، فيما حلّقت طائرات أميركية في الأجواء فوقها.
بعد ذلك، اندفعت المروحيات التي كانت تقلّ فرق الانقضاض البرّية بسرعة على ارتفاع 100 قدم فوق سطح الماء باتجاه وسط مدينة كاراكاس. وفي الوقت ذاته، أطفأ مشغّلو الهجمات السيبرانية الأميركيون أضواء المدينة.
كانت هذه المروحيات جزءاً من قوة بلغ عددها أكثر من 150 طائرة أقلعت من 20 موقعاً مختلفاً في نصف الكرة الغربي، وشملت هذه القوة مجموعة من الطائرات المقاتلة، وأخرى متخصّصة في التشويش الإلكتروني، فضلاً عن قاذفات B-1 الأسرع من الصوت، وأخرى مُصمَّمة لرصد الإنذارات المبكرة لإطلاق الصواريخ.
وعند الساعة 1:01 فجراً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وصلت المروحيات التي حملت قوات دلتا فورس إلى مجمّع مادورو، وتبادلت فوراً إطلاق النار مع عناصر الحماية الكوبيين للأخير، والكلام لكين.
بذلة رياضية رمادية
كان مادورو — الذي ارتدى حينها بذلة رياضية رمادية — وزوجته سيليا فلوريس نائمَين. وعند سماعهما إطلاق النار، نهضا مسرعَين من السرير، محاولَين الوصول إلى غرفة آمنة خلف أبواب فولاذية، فيما كان ترامب يشاهد بثّاً مباشراً من مقرّ إقامته في مارالاغو بولاية فلوريدا. وبحسب كلام للاخير في مؤتمر صحافي عقده في الثالث من الجاري: "حاول الوصول إلى مكان آمن، لكنه لم ينجح". وأوضح أنّ قوات الكوماندوس استخدمت معدات لقطع الحديد واقتحمت المكان بسرعة، مؤكّداً أن الزوجين لم يقاوما تقريباً.
وبحلول الساعة 3:29 فجراً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، أي بعد ساعتين ونصف الساعة من بدء مداهمة المجمّع، كانت المروحية التي تقلّ مادورو وفلوريس قد عادت فوق المياه، ناقلةً الزوجين إلى سفينة إيوو جيما.
في المحصلة، تُعَدّ العملية انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، خصوصاً أنّها تمّت من دون تفويض من الكونغرس، على الرغم من تبريرات واشنطن للعملية ومحاولة إضفاء الشرعية عليها. وتعقيباً على ذلك، قال براين فينوكان — وهو محامٍ سابق في وزارة الخارجية الأميركية —: "إنها ما تزال استخداماً غير قانوني للقوة ضد دولة أخرى بموجب القانون الدولي".
