إغلاق الصحف حول العالم.. منافسة شرسة من المنصات الرقمية

شفيق طاهرالخميس 2026/01/15
Image-1768487180
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تشهد صناعة الصحافة العالمية منذ أكثر من عقد، موجة متسارعة من الإغلاقات، طالت صحفاً محلية وعريقة على حد سواء. هذه الظاهرة لا ترتبط بتراجع الورقي فحسب، بل تعبر عن أزمة أعمق في النموذج الاقتصادي للصحافة، حيث انتقلت الإعلانات إلى المنصات الرقمية، وتغيرت عادات الاستهلاك الإخباري، وارتفعت كلفة الإنتاج والتوزيع في مقابل عوائد آخذة في الانكماش. وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري، هل يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تأخذ مكان الصحف؟

 

تحول بنيوي لا تقني فقط

لم يعد الجمهور ينتظر صدور الصحيفة لمعرفة ما جرى. الخبر العاجل يصل خلال ثوانٍ عبر الهاتف، مصحوباً بالصورة أو الفيديو، وغالباً من شاهد عيان. هذا التحول جعل منصات مثل "فايسبوك" و"إكس" و"تيك توك"، بوابات رئيسية لاستهلاك الأخبار، خصوصا لدى الأجيال الشابة. تقارير صادرة عن "معهد رويترز" توثق هذا التحول بوضوح، وتظهر أن نسبة متزايدة من الجمهور باتت تحصل على الأخبار أساساً عبر الشبكات الاجتماعية أو الفيديو القصير، لا عبر مواقع الصحف.

لكن هذا التحول تقني في شكله، وبنيوي في مفاعيله. فالصحافة ليست مجرد نقل سريع للمعلومة، بل منظومة متكاملة تشمل التحقق، والتحرير، والاستقصاء، وبناء أجندة عامة تخضع للمساءلة المهنية والقانونية.

 

ما الذي تكسبه المنصات؟

لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي قدمت مزايا مهمة في المشهد الإخباري. أولها اتساع الوصول وانخفاض الكلفة، إذ يمكن لأي مؤسسة أو صحافي نشر محتواه لجمهور واسع دون أعباء الطباعة والتوزيع. ثانيها السرعة والتنوع، حيث تسمح المنصات بأشكال سرد متعددة، صورة، فيديو مباشر، إنفوغرافيك، بودكاست، أو نص قصير، ما يجعل الخبر أكثر جاذبية وسهولة للفهم.

كما أسهمت هذه المنصات في توسيع هامش الأصوات المهمشة، خصوصاً في البيئات التي تعاني من قيود سياسية أو ضعف في الإعلام المحلي، ووفرت مساحة لشهادات مباشرة وقصص لم تكن لتنشر. أضف إلى ذلك التفاعل الفوري مع الجمهور، الذي قد يلتقط الأخطاء بسرعة أو يفتح زوايا جديدة للنقاش.

 

حدود البديل

غير أن اعتبار وسائل التواصل بديلاً كاملاً للصحف، ينطوي على مخاطر جوهرية. أول هذه المخاطر ضعف التحقق. فخوارزميات المنصات تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وتفاعلاً، لا الأكثر دقة أو توازناً. ونتيجة ذلك، تتسع دوائر التضليل، ويصعب على الجمهور التمييز بين الخبر الموثوق والمعلومة الزائفة.

الخطر الثاني يتمثل في تآكل الصحافة المحلية. إغلاق الصحف لا يعني فقدان عناوين، بل غياب مراقبة يومية للبلديات والمجالس المحلية والخدمات العامة والحكومات بشكل عام. دراسات عديدة تربط بين اختفاء الصحافة المحلية وتراجع الشفافية والمساءلة. وفي بريطانيا مثلاً، تظهر تقارير "أوفكوم" أن تراجع الإعلام المحلي يفضي إلى فجوات معلوماتية حقيقية في حياة المواطنين اليومية.

أما الخطر الثالث فهو هشاشة الاستدامة المالية. حتى المؤسسات الرقمية تعتمد في الوصول إلى جمهورها على المنصات، ما يجعلها رهينة لتغير الخوارزميات أو السياسات التجارية. ومع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التي تلخص الأخبار داخل المنصات نفسها، تتراجع الزيارات إلى مواقع الصحف، ويزداد الضغط على نماذج التمويل.

 

تفتت المجال العام

أحد أدوار الصحف الورقية التاريخية كان خلق ساحة عامة مشتركة، حيث يطّلع المواطنون على مجموعة من القضايا الأساسية نفسها. أما في بيئة المنصات، فيتجزأ الجمهور إلى فقاعات ذات اهتمام مشترك، ويُغذَّى كل فرد بمحتوى يشبهه، ما يعمق الاستقطاب ويضعف النقاش القائم على حقائق مشتركة.

خلاصة القول، تستطيع وسائل التواصل الاجتماعي أن تحل محل الصحف في السرعة والانتشار، لكنها لا تستطيع وحدها أبداً أن تؤدي وظيفة الصحافة كمؤسسة عامة. البديل الواقعي ليس الاستبدال، بل التكامل. أي صحيفة مهنية، وقوية تنتج محتوىً موثوقاً، وتستخدم المنصات كقنوات توزيع وتفاعل، لا كمرجع وحيد للمعلومة.

يتطلب هذا النموذج الهجين (الورقي والالكتروني) تنويع مصادر التمويل عبر الاشتراكات والدعم الإعلاني، والاستثمار في الصحافة المحلية الرقمية، وتعزيز الشفافية والمساءلة داخل المنصات نفسها. فمستقبل الصحافة لا يتوقف على بقاء الورقي، بل على بقاء المعايير التي تجعل الخبر خدمة عامة لا مجرد مادة للاستهلاك السريع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث