هل استطاعت إيران حجب ستارلينك؟

شفيق طاهرالأربعاء 2026/01/14
Image-1768397644
السلطات قامت بحملة لمصادرة أجهزة استقبال خدمة ستارلينك Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يعُد الصراع على الانترنت في إيران يقتصر على حجب شبكات الهاتف المحمول أو مزودي خدمة الانترنت المحليين، بل انتقل خلال الأشهر الأخيرة إلى مستوى أكثر تعقيدا، مع دخول الانترنت الفضائي وتحديداً خدمة ستارلينك على خط المواجهة بين السلطات الإيرانية والمحتجين الايرانيين. ففي كل مرة تلجأ فيها طهران إلى قطع الاتصال بالشبكة العالمية، يظهر ستارلينك بوصفه نافذة بديلة يصعب التحكم بها.

وستارلينك، عبارة عن شبكة انترنت فضائي عالمية طورتها شركة "سبيس إكس" التابعة لإيلون ماسك، توفر اتصال انترنت عالي السرعة للمناطق النائية والمحرومة من البنية التحتية التقليدية، وذلك عبر كوكبة ضخمة من الأقمار الصناعية في مدار أرضي منخفض، وتتطلب أجهزة استقبال خاصة أطباق هوائية (دش) لتوصيل الانترنت للمستخدمين.

غير أن التقارير الأخيرة تشير إلى أن السلطات الإيرانية لم تقِف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي، بل خاضت ما يمكن وصفه بمعركة الانترنت الفضائي، مستخدمة مزيجاً من التشويش التقني والملاحقة الميدانية.  فهل نجحت طهران فعلا في حجب ستارلينك؟

 

تشويش بدل الحجب الكامل

على خلاف الانترنت الأرضي، لا يمكن حجب ستارلينك بقرار إداري أو عبر شركات الاتصالات المحلية، إذ يعتمد على الاتصال المباشر بالأقمار الصناعية. ومع ذلك، أفادت تقارير تقنية وإعلامية بأن مستخدمين داخل إيران واجهوا تدهوراً حاداً في جودة اتصال ستارلينك خلال فترات الاضطرابات الاخيرة، تمثل في بطءٍ شديد، وانقطاعات متكررة.

هذا الواقع دفع خبراء الاتصالات إلى ترجيح استخدام السلطات الايرانية تقنيات تشويش موجه على الترددات التي تعمل عليها الأطباق اللاقطة لموجات تردد ستارلينك. النتيجة لم تكن حجباً كاملاً للخدمة، بل جعلها غير ثابتة إلى حد يفقدها فعاليتها كبديل عن الانترنت الأرضي.

 

المصادرة كأداة ردع

إلى جانب التشويش، انتقلت السلطات الإيرانية إلى مستوى آخر من المواجهة عبر حملات تفتيش ومصادرة استهدفت أطباق وأجهزة استقبال وبث اشارات ستارلينك، خصوصاً في المدن الكبرى. وبحسب شهادات وتقارير إعلامية، شملت هذه الحملات مداهمات لمبانٍ سكنية، ورصداً للأسطح، وملاحقة شبكات تهريب الأجهزة.

تكمن أهمية المصادرة في بعدها الردعي، فهي لا تقلص فقط عدد نقاط الاتصال، بل ترفع كلفة الاستخدام إلى مستوى الخطر الأمني، ما يدفع كثيرين إلى التخلي عن الخدمة أو عدم المخاطرة باقتنائها أصلاً.

 

استراتيجية متعددة الطبقات

يتضح من مجمل هذه الإجراءات أن السلطات الإيرانية تتبع نهجاً متدرجاً في التعامل مع ملف الانترنت. فمن جهة، يجري حجب الانترنت الأرضي أو إضعافه في اللحظات الحساسة، بما يحد من قدرة المستخدمين على التواصل عبر القنوات التقليدية، ومن جهة أخرى يُصار إلى التشويش الجزئي على البدائل الفضائية، وفي مقدمتها ستارلينك، لإفقادها الاستقرار والموثوقية اللازمة للاستخدام الواسع. ويُستكمل هذا المسار بإجراءات ميدانية تشمل الملاحقة والمصادرة، في محاولة لتجفيف استخدام هذه الوسائل من الأساس ورفع كلفة اللجوء إليها. ولا يبدو أن الهدف من هذا النهج هو تحقيق سيطرة تقنية مطلقة بقدر ما هو تقليص هامش الفعالية المتاح أمام المستخدمين، ومنع تحول ستارلينك إلى أداة قادرة على كسر العزل الإعلامي ونقل المعلومات والصور إلى الخارج بصورة منتظمة.

 

هل حجب ستارلينك فعلا؟

الإجابة الأقرب إلى الدقةهي "لا"، فالتقارير تشير إلى أن الخدمة استمرت في العمل بشكل محدود ومتقطع في بعض المناطق، ما يعني أن الحجب لم يكن شاملاً أو دائماً. إلا أن ما تحقق عملياً هو إضعاف جوهري لدور ستارلينك في بعض المناطق من ايران، بحيث لم يعد قادراً على أداء وظيفته كحل بديل واسع وموثوق خلال الإغلاقات.

تكشف التجربة الإيرانية أن فكرة الانترنت غير القابل للحجب تصطدم بواقع الدولة حين توظف أدوات الحرب الإلكترونية والرقابة الميدانية معاً. وهي معركة مرشحة للتكرار في دول أخرى، حيث يصبح الفضاء لا الأرض فقط ساحة صراع على تدفق المعلومات.

في هذا المعنى، لم تحجب إيران ستارلينك بالكامل، لكنها نجحت في تطويعه وإفراغه من جزء كبير من فعاليته، فاتحة فصلاً جديداً في الصراع العالمي على حرية الاتصال في عصر الأقمار الصناعية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث