"قسد" بعد حلب.. نهاية الوجود غرب الفرات

خاص - المدنالأربعاء 2026/01/14
Image-1768398673
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بسطت الحكومة السورية سيطرتها الكاملة على مدينة حلب، منهيةً وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، بعد حضور عسكري وسياسي استمرّ 14 عاماً، منذ عام 2012. حينها، كان نظام الأسد قد سلّم هذين الحيَّيْن لوحدات حماية الشعب، الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، والتي أصبحت لاحقاً العمود الفقري لـ"قسد".

لم يكن الوجود العسكري لـ"قسد" في هذين الحيَّين مجرد تموضع أمني محدود، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى عقدة سياسية وأمنية داخل مدينة تُعدّ الشريان الاقتصادي الأكبر في سوريا. فمنذ خروج أحياء شرق حلب عن سيطرة الفصائل المعارضة عام 2016، ظلّ حيّا الشيخ مقصود والأشرفية الاستثناء الوحيد، خارج السيطرة الحكومية الكاملة، ما جعل المدينة تعيش حالة سيادة منقوصة امتدت لسنوات.

 

شرارة التصعيد

بدأ المسار الذي انتهى بحسم حلب في 6  كانون الثاني/يناير الجاري، عندما استهدفت "قسد" نقطة عسكرية تابعة للجيش السوري. لم يقتصر الأمر على هذا الاستهداف، بل توسّع ليشمل قصف مؤسسات رسمية وأحياء مدنية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين، وأعاد فتح جبهة داخل المدينة كانت تُعدّ مجمّدة نسبياً.

تركزت الاشتباكات في أحياء الأشرفية وبني زيد ومساكن الشقيف، قبل أن تنتهي بمحاصرة ما تبقى من مجموعات "قسد" في حي الشيخ مقصود. عند هذه النقطة، بدا أن الطرفين يتجهان إلى تسوية مؤقتة، تجنب المدينة جولة تدمير جديدة.

 

تسوية معلّقة وانفجار الخيار العسكري

نصّت التسوية التي جرى التوصل إليها على انسحاب مجموعات "قسد" نحو شرق الفرات، في إطار تطبيق متأخر لاتفاق 1 نيسان/أبريل، الذي كان قد أُبرم سابقاً، وينص على خروج القوات المسلحة من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود، مع الإبقاء على قوى أمنية محلية ذات طابع خدمي.

غير أن هذا المسار تعثّر سريعاً. فعلى الرغم من وصول الحافلات المخصصة لنقل المقاتلين، امتنعت "قسد" عن تنفيذ الانسحاب، ورفضت الصعود إلى الحافلات، في خطوة فسّرتها الحكومة السورية على أنها محاولة لكسب الوقت أو فرض شروط جديدة على الأرض.

أمام هذا التعطيل، أطلق الجيش السوري، مساء 9 كانون الأول، عملية عسكرية هدفت إلى تمشيط حي الشيخ مقصود وإنهاء الوجود المسلح فيه. وجاء هذا القرار بعد ثلاث موجات تصعيد متتالية بدأت بها "قسد" داخل المدينة، استهدفت خلالها منشآت مدنية وحكومية، في خرق واضح لاتفاقي نيسان وآذار.

 

غرب الفرات

مع حسم المعركة داخل حلب، برز سؤال مركزي حول الجبهة التالية. في هذا السياق، تبدو جبهات دير حافر ومسكنة، الواقعتين على مسافة لا تتجاوز 60 كيلومتراً شرق المدينة، أكثر ترجيحاً من حيث احتمالات التصعيد، مقارنةً بمناطق شرق الفرات كالرقة ودير الزور.

فخلال موجة التصعيد الأخيرة، استخدمت "قسد "وجودها العسكري غرب الفرات كورقة ضغط مباشرة على الحكومة السورية، وأطلقت عشرات الطائرات المسيّرة الانتحارية باتجاه الأحياء المدنية في حلب، في محاولة لرفع كلفة العملية العسكرية، ونقل المعركة إلى العمق المدني.

هذا السلوك يعزز فرضية أن الحكومة السورية، بعد استكمال تمشيط أحياء حلب، قد تتجه نحو عملية عسكرية محدودة تهدف إلى إخراج "قسد" بالكامل من غرب الفرات، وإنهاء أي تهديد مستقبلي للمدينة، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو قطع طرق الإمداد الحيوية، وعلى رأسها المياه.

 

الرهان على الحماية الدولية: حسابات خاطئة

كان واضحاً خلال المعركة أن "قسد" لم تكن تراهن فقط على قوتها العسكرية، بل سعت إلى استدعاء حماية دولية وحشد تعاطف على أساس إثني، عبر الصمود داخل أحياء مكتظة بالسكان. غير أن هذا الرهان أخفق لأسباب متعددة.

أولها، الانضباط العالي لسلوك الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي، حيث جرى الالتزام بالقوانين المحلية والدولية الخاصة بالنزاعات المسلحة، ما حدّ من وقوع الانتهاكات، وقلّص قدرة "قسد" على تحريض الرأي العام المحلي والدولي.

وثانيها، الموقف الأميركي الذي جاء أقل بكثير من توقعات "قسد". إذ بدأ بالصمت، ثم صدرت تصريحات من الرئيس دونالد ترامب ومبعوثه الخاص توم باراك اتسمت بالغموض، لكنها فُهمت على نطاق واسع بوصفها أقرب إلى دعم الحكومة السورية في بسط سيادتها على المدينة.

 

خارطة منبج: الاتفاق المؤجل يعود

مع حسم معركة حلب، ومع الدعوات الأميركية لوقف إطلاق النار، يُرجّح أن تستحضر الحكومة السورية ما يُعرف بـ"خريطة طريق منبج"، التي جرى التوصل إليها بين الولايات المتحدة وتركيا منتصف عام 2018، خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب.

نصّت هذه الخارطة على إخلاء مناطق غرب الفرات من أي وجود لـ"قسد"، وهو ما يجعل من بقاء هذه القوات في دير حافر ومسكنة مسألة مؤقتة من وجهة نظر دمشق. وعليه، قد ترفض الحكومة أي تهدئة جديدة مع "قسد" قبل انسحابها الكامل من غرب الفرات، معتبرةً أن هذا الوجود يشكّل تهديداً دائماً لحلب.

 

قسد بين التوقيع والمماطلة

رغم خيبة الأمل، لا تبدو قسد غافلة عن مآلات الموقف الأميركي والدولي. فقد قبلت مسبقاً بتوقيع اتفاق 1 نيسان، إدراكاً منها لصعوبة الدفاع عن وجودها غرب الفرات. لكنها، في الوقت نفسه، راهنت على دعم إسرائيلي يمنحها مساراً سياسياً جديداً شرق الفرات، على غرار ما جرى في السويداء.

هذا الرهان دفعها إلى المماطلة في تنفيذ اتفاقي آذار ونيسان، قبل أن تجد نفسها مضطرة للخروج الكامل من مدينة حلب في 11 كانون الثاني/ يناير 2026، وسقوط اتفاق نيسان عملياً، وبقاء اتفاق آذار بوصفه الإطار الوحيد المنظّم للعلاقة مع الحكومة السورية.

 

ما بعد حلب: استراتيجيات بديلة

من غير المرجّح أن تتجه "قسد"، بعد خسارة حلب، إلى مواجهة عسكرية مباشرة في مناطق شرق الفرات، في ظل إدراكها لغياب الغطاء الدولي. وبدلاً من ذلك، يُتوقع أن تعتمد استراتيجيات أقل كلفة سياسياً، تشمل الاستمرار في المفاوضات حول اتفاق 10 آذار، مع إظهار إيجابية شكلية أمام المجتمع الدولي، مقابل وضع عراقيل جديدة تعرقل تنفيذه.

كما يُتوقع أن تلجأ إلى عمليات تخريبية غير مباشرة، كالهجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت عسكرية ومدنية، والتنصل من المسؤولية عنها، أو التساهل في مراقبة السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم "داعش"، بما يسمح بإعادة تنشيط الخلايا النائمة، وتحميل الحكومة مسؤولية أي انفلات أمني لاحق.

 

الحكومة أمام اختبار ما بعد الحسم

في المقابل، تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار معقّد لإدارة مرحلة ما بعد حلب. فمن جهة، يُتوقع أن تطالب الولايات المتحدة بسحب الأسلحة الثقيلة التي سلّمتها لـ"قسد" خلال فترة مكافحة تنظيم "داعش"، وأن تطلب دعماً في مراقبة الأجواء السورية لمنع استخدام الطائرات المسيّرة.

ومن جهة أخرى، يُرجّح أن تعمل على إخلاء كامل مناطق غرب الفرات وجنوبه من أي وجود لـ"قسد"، في عمليات مشابهة لعملية حلب، مع جعل نهر الفرات حاجزاً أمنياً طبيعياً، وفرض رقابة مشددة على المعابر النهرية.

 

نهاية مرحلة لا نهاية صراع

تكشف معركة حلب أن "قسد"، التي نشأت بوصفها قوة قتالية ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش"، فقدت معظم الذرائع التي برّرت استمرارها، مع سقوط النظام السابق وانضمام الحكومة السورية الجديدة إلى التحالف الدولي. ومع فشل مشروعها السياسي في التحول إلى كيان مستقل أو فيدرالي، باتت خياراتها محدودة بين الانسحاب المنظم أو الدخول في مرحلة طويلة من الاستنزاف السياسي والأمني.

في المقابل، تمثل استعادة حلب للحكومة السورية أكثر من انتصار عسكري؛ إنها نقطة تحوّل في إعادة رسم معادلة السيطرة غرب الفرات، وبداية مرحلة جديدة عنوانها تثبيت السيادة، لكن بثمن سياسي وأمني سيستمر في اختبار قدرة الدولة على إدارة مرحلة ما بعد الحسم، لا الاكتفاء بتحقيقه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث