سوريا ولبنان: بين إرث الأسد وحرب السيادة المؤجلة

مهيب الرفاعيالأربعاء 2026/01/14
GettyImages-2205132094.jpg
التصعيد الأمني على الحدود السورية اللبنانية ليس مجرد اشتباكات موضعية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كانت الحدود السورية-اللبنانية في عهد نظام الأسد الأب ثم الابن حدودًا مُدارة سياسيًا لا مُنظَّمة سياديًا؛ أي إنها لم تُبنَ بوصفها خط فصل بين دولتين، بل بوصفها أداة حكم، وضبط، ونفوذ إقليمي، لا سيما وأنه في مرحلة حافظ الأسد، لم تُعامَل الحدود كمسألة قانونية أو إدارية، بل كامتداد للمجال الأمني السوري. حوّل دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 الخط الحدودي عمليًا إلى خط داخلي داخل منظومة السيطرة السورية؛ فالمعابر كانت مفتوحة انتقائيًا، تُغلق وتُفتح وفق اعتبارات أمنية، وتُستخدم لنقل القوات، والسلاح، والخصوم، والحلفاء. لم يكن التهريب في تلك المرحلة ظاهرة خارجة عن الدولة، بل جزءًا من اقتصاد السلطة واقتصاد شبكات زبائنية ما دون السلطة من خلال عمليات تهريب بضائع، ومحروقات، وسلاح، وحتى بشر، يتحركون تحت مظلة أجهزة الاستخبارات السورية التي كانت تمسك بالحدود بوصفها موردًا سياسيًا وماليًا، ووسيلة لإدارة التوازنات اللبنانية الطائفية. غياب الترسيم لم يكن إهمالًا، بل خيارًا متعمدًا، لأن ترسيم الحدود يعني الاعتراف بسيادة متبادلة، وهو ما لم يكن النظام راغبًا فيه في ظل تعامله مع لبنان كساحة نفوذ لا كدولة مستقلة بالكامل.

مع انتقال السلطة إلى المخلوع بشار الأسد، تغيّر الشكل ولم يتغيّر الجوهر، إذ أنه بعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان عام 2005، لم تتحول الحدود إلى حدود سيادية مضبوطة، بل إلى حدود رخوة مُفوَّضة لفواعل عسكرية ما دون الدولة None-State Actors، وفي مقدمتهم حزب الله. حافَظ النظام على نفوذه الحدودي عبر شبكة أكثر تعقيدًا تجسدت بضباط أمن، ووسطاء عشائريون، ومعابر غير شرعية، وتداخل عضوي مع البنية اللوجستية للحزب. خلال سنوات الثورة السورية والحرب التي تلتها ، أصبحت الحدود قناة حياة للنظام، فيها مقاتلو حزب الله يعبرون من وإلى سوريا، ويعبر السلاح في الاتجاهين، والقرى الحدودية مثل القصير والهرمل وعرسال تتحول إلى عقدة عمليات عسكرية وأمنية. هنا بلغ تسييل الحدود ذروته؛ إذ لم تعد فقط مساحة تهريب، بل حزامًا عسكريًا وأمنيًا متقدمًا، تُدار فيه المعابر وفق منطق الجبهة لا منطق الدولة. في المقابل، استُخدمت المناطق اللبنانية الشمالية والشرقية، من البقاع إلى طرابلس، كصمامات أمان وملاذات، ومساحات إعادة تموضع، وقنوات خلفية لتفريغ الضغط الأمني عن الداخل السوري.

بعد سقوط نظام الأسد، لم تنتقل الحدود السورية-اللبنانية إلى فراغ أمني؛  فحسب، بل إلى ساحة صراع مباشر بين مشروع دولة يحاول التشكل، وبنية سلطوية قديمة ترفض الانقراض ويتغلغل فيها فلول النظام السابق من ضباط أمنيين وعسكريين وسماسرة سلاح، لم يتحركوا بوصفهم أفرادًا هاربين، بل بوصفهم جزءًا من شبكة متماسكة تاريخيًا مع حزب الله، حيث شكّلت الحدود الغربية لسوريا خلال سنوات الحرب عمقًا استراتيجيًا مزدوج الوظيفة بصفته ممرًا لوجستيًا للسلاح والمقاتلين، ومخزنًا سياسيًا للنفوذ غير الرسمي.

في هذا السياق، لا يمكن فصل تهريب السلاح عن إعادة تموضع أدوات السلطة المهزومة؛ فالسلاح هنا ليس أداة دفاع، بل وسيلة لإبقاء العنف خارج احتكار الدولة السورية الجديدة، وإدامة قدرة التعطيل من خارج مؤسساتها. يجد مقاتلو حزب الله، الذين قاتلوا بوصفهم ذراعًا عسكرية حاسمة للنظام، أنفسهم اليوم أمام معضلة وجودية متمثلة بفكرة أن نجاح دمشق الجديدة في ضبط الحدود يعني قطع شريان تاريخي للنفوذ، والتمويل، والحركة،  لذلك تتحول مواجهة التهريب إلى مواجهة غير معلنة مع بنية حزب الله الحدودية نفسها، من شبكات القرى، المعابر غير الرسمية، الغطاء الاجتماعي، والخبرة القتالية المتراكمة. من هذه الزاوية، يصبح الاتفاق السوري-اللبناني محاولة لإعادة تعريف العدو؛ على أنه ليس المهرّب كفاعل اقتصادي، بل الحدود بوصفها أداة بقاء لمشروع سياسي وعسكري عابر للدولة، يضم فلول الأسد وعناصر حزب الله في معادلة واحدة، حتى وإن اختلفت مواقعهم وخطاباتهم.

 

استعادة الاحتكار  

العمليات التي نشهدها اليوم على جانبي الحدود لا يمكن قراءتها كإجراءات أمنية متفرقة، بل كـحرب سيادة منخفضة الوتيرة ضد خصم لا يرتدي زيًا واحدًا ولا يرفع راية واحدة؛ على اعتبار أن الجيش السوري، باستخدامه القوات البرية والوحدات النخبوية، لا يطارد شحنات سلاح فقط، بل يحاول كسر آخر خطوط الإمداد التي تربط فلول النظام السابق بحزب الله، وإثبات أن مرحلة التعايش مع الميليشيا انتهت. في المقابل، يتحرك الجيش اللبناني بمنطق مختلف؛ فليس تفكيك قوة حزب الله ونزع سلاحه هو الهدف،  بل تحييد الأرض اللبنانية عن أن تكون ساحة إعادة تمركز أو ملاذ آمن لعناصر الأسد وشبكاتهم.

لا يعكس هذا التباين في العقيدة ضعفًا في التنسيق، بل اختلافًا في المخاطر؛ إذ إن سوريا تواجه تهديدًا وجوديًا لبناء الدولة، بينما يواجه لبنان خطر الانفجار الداخلي إذا تحولت المواجهة إلى صدام مباشر مع حزب الله. لذلك تأتي العمليات اللبنانية محكومة بالإغلاق، والردع، والملاحقة المحدودة، والإسناد الجوي والاستطلاعي عبر طيارات هليكوبتر والمسيرات؛  فيما تتكفل سوريا بالعمل العسكري الخشن في العمق الحدودي. لكن هذه المعادلة هشة بطبيعتها؛ إذ إن أي نجاح سوري حقيقي في تفكيك شبكات فلول الأسد سيصطدم تلقائيًا ببنية حزب الله الحدودية، ما يرفع احتمال الاحتكاك غير المباشر، وربما الصدام بالوكالة؛ وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة بحيث إن لم يتحول الاتفاق إلى إطار سياسي وقانوني طويل الأمد (ترسيم، لجان مشتركة، آليات مساءلة)، فإن العمليات المتزامنة ستبقى إدارة أزمة لا حلًا لها، وسيظل السلاح المهرّب و تهديدات بقايا الأسد و ميليشياتها يحمله من ذاكرة الحرب وتحالفاتها، قادرًا على تعطيل ولادة الدولة السورية الجديدة، وجرّ لبنان مرة أخرى إلى صراع لم يختر توقيته ولا شكله.

 

حشد عسكري ثقيل

لم يعد التصعيد العسكري والأمني على الحدود السورية اللبنانية قابلًا للفهم بوصفه سلسلة اشتباكات موضعية أو إجراءات ضبط حدودي، بل بات تعبيرًا عن صراع أعمق على احتكار العنف وإغلاق إرث الحرب، فدمشق تنظر إلى وجود آلاف من ضباط وعناصر النظام السابق داخل لبنان ( ويقدر عددهم بحسب التسريبات حوالي 7000 عنصر) كتهديد مؤجل، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة، خصوصًا في ظل مؤشرات على إعادة تنظيم اجتماعي ومالي، ووجود شبكات تمويل ورعاية سياسية تسمح لهؤلاء بالبقاء خارج أي رقابة فعالة. هذا الواقع يدفع سوريا إلى اعتماد منطق استباقي يقوم على توسيع الانتشار العسكري، واستخدام القوة البرية الثقيلة والمسيّرات، ليس فقط لضبط التهريب، بل لقطع أي قدرة مستقبلية على التحول إلى تمرد منظم أو عمل تخريبي عابر للحدود.

في المقابل، فإن لبنان، بضعف بنيته السيادية المركّبة، والتهديدات المستمرة من إسرائيل والغارات اليومية على الجنوب والهرمل والبقاع، يجد نفسه أمام معضلة مزدوجة؛ فإما التعاون الأمني العميق بما يحمله من كلفة داخلية عالية، أو الاكتفاء بإدارة الخطر وتأجيل الانفجار. هذا التناقض يجعل الحدود مساحة ضغط مستمر، حيث يتحول كل تحرك عسكري سوري إلى عامل توتر داخلي لبناني، وكل تراخٍ لبناني إلى تهديد مباشر للأمن السوري.

 

سيناريوهات التصعيد

أمام هذا المشهد، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للتصعيد. السيناريو الأول هو التصعيد المضبوط، حيث تستمر سوريا في عمليات محدودة النطاق داخل أراضيها وعلى الشريط الحدودي، مع تكثيف الضربات الاستباقية ضد شبكات تهريب السلاح وفلول النظام، مقابل استمرار لبنان في سياسة الإغلاق والمداهمات المحدودة، بما يمنع تحول المواجهة إلى صدام مباشر؛ ليحافظ هذا السيناريو على الاستقرار النسبي لكنه يُبقي الأزمة مفتوحة. السيناريو الثاني هو التدويل غير المعلن للأزمة، حيث يُعاد استثمار ملف فلول النظام من قبل أطراف إقليمية متضررة من المسار الانتقالي السوري، سواء عبر التمويل أو التحريض أو إعادة تشغيل شبكات أمنية نائمة داخل لبنان بحسب التسريبات، ما يدفع دمشق إلى توسيع عملياتها ورفع مستوى الضغط السياسي والعسكري على بيروت، ويضع لبنان في موقع الطرف العاجز عن ضبط أراضيه بالكامل. أما السيناريو الثالث، والأخطر، فهو الانفجار غير المقصود من خلال احتكاك أمني أو عملية نوعية تتجاوز الخطوط الحمراء، تؤدي إلى ردود فعل متسلسلة في شمال لبنان، لا سيما في طرابلس وجبل محسن وعكار والمناطق المحاذية في بعلبك والهرمل والبقاع وصولا حتى زحلة وشتورة وعنجر حيث يمكن أن تُستعاد خطوط التماس الطائفية تحت ضغط الخوف والشائعات والذاكرة الجماعية للصراع، ما يحول الشمال إلى ساحة توتر مفتوحة ذات تداعيات إقليمية.

لا يرتبط السيناريو الحاسم فقط بمستوى التصعيد، بل بقدرة الطرفين على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة تعريف العلاقة الأمنية والسيادية بين البلدين؛ إذ يعني استمرار الوضع الراهن أن فلول النظام السابق سيبقون ورقة ضغط كامنة، تُستخدم عند الحاجة لتعطيل الاستقرار أو ابتزاز المسار الانتقالي في سوريا. أما الذهاب نحو معالجة شاملة، فيتطلب مسارًا سياسيًا قانونيًا متوازيًا مع العمل الأمني من خلال لوائح واضحة بالأسماء، وتعاون قضائي فعلي في عدة ملفات، وضبط التمويل، وتحييد البيئات اللبنانية الهشة عن الاستثمار السياسي والطائفي في هذا الملف. دون ذلك، ستبقى العمليات العسكرية السورية، مهما بلغت دقتها، عاجزة عن إنهاء التهديد من جذوره، وسيبقى لبنان معرضًا للتحول إلى ساحة خلفية لصراعات لم يعد يملك ترف استيعابها. في هذا المعنى، فإن التصعيد الحالي ليس ذروة الأزمة، بل مرحلة تمهيدية ستحدد ما إذا كانت الحدود ستتحول إلى خط سيادة مُدار، أم إلى جبهة مفتوحة قابلة للاشتعال مع كل تحوّل إقليمي جديد.

 

رؤية تل أبيب حول الحدود

تقرأ تل أبيب التفاهمات السورية اللبنانية حول ضبط الحدود وقطع مسارات تهريب السلاح لا بوصفها تحسّنًا أمنيًا فحسب ورغبة في التعاون في ملفات حزب الله ونظام الأسد والوجود الإيراني في البلدين، بل بوصفها إعادة ترتيبٍ قسرية لحقلٍ كانت تُفضّل أن يبقى رماديًا فيه حزامٌ حدودي قابل للاختراق، يتيح لإسرائيل تشغيل معادلة الردع من جهة، والإبقاء على خصومها في حالة استنزاف وعدم اكتمال سيادي من جهة أخرى.

من منظورها العملياتي، لا يكمن الخطر المركزي بعد سقوط نظام الأسد   في الفوضى بذاتها، بل احتمال إعادة إنتاج عمقٍ مزدوج لحزب الله عبر بقايا منظومة الأسد المتمثلة بضباط سابقين وشبكات تمويل وحواضن محلية وممرات تهريب في القلمون والبقاع والشمال وحتى في الجنوب الشرقي مع ممرات بيت جن وغيرها، بما يسمح بتدوير السلاح النوعي أو تصنيع بدائل محلية أو إعادة بناء خطوط اتصال لوجستية تحت غطاء اجتماعي وتهريبي. لذلك تعمل تل أبيب بمنطق الوقاية عبر منع التشكّل؛ أي أن الهدف ليس التعامل مع تهديد قائم فقط، بل منع ولادة شبكة جديدة قبل أن تصبح قابلة للدفاع السياسي داخل لبنان أو قابلة للدمج داخل ترتيبات الدولة السورية الجديدة. هنا يظهر الضغط الإسرائيلي بوصفه ضغطًا غير مباشر لكنه فعّال؛ إذ إن كل رخاوة حدودية تُقرأ كذريعة جاهزة لإسرائيل لتوسيع بنك أهدافها داخل سوريا، وكل تهاون لبناني مع شبكات السلاح وفلول نظام الأسد وبقايا عناصر حزب الله وقياداته يُترجم في العقل الإسرائيلي إلى احتمال أن تتحول الأراضي اللبنانية إلى مساحة خلفية لإعادة تجميع العناصر والخبرات، مع إرادة بتحييد أي شخص يرتبط بحزب الله،  بما يفتح احتمال انفجار أمني يربك دمشق أيضًا ويضع بيروت تحت تهديد حرب موزعة على أكثر من جبهة.

ومع ذلك، لا ترى تل أبيب هذه التفاهمات كخبر سار بالمعنى الاستراتيجي الكامل؛ فهي تريد حدودًا مضبوطة بما يكفي لمنع نقل السلاح النوعي، لكن لا تريد بالمقابل أن ينتج عن هذا الضبط تعافٍ سيادي لسوريا أو تنسيقًا مؤسسيًا عميقًا بين بيروت ودمشق يرفع من قدرة الدولتين على السيطرة والردع. لذلك تتعامل إسرائيل مع التفاهمات كترتيبٍ مطلوب تكتيكيًا ومزعجٍ استراتيجيًا؛ ومطلوب لأنه يقلّص شبكات حزب الله ويضعف قدرة فلول الأسد على التحول إلى أداة تخريبية عابرة للحدود، ومزعج لأنه قد يمنح الدولة السورية الجديدة فرصة لإظهار احتكارٍ للعنف على تخومها، وقد يفرض على لبنان، ولو تدريجيًا، ضبطًا أكثر صرامة للمعابر والبيئات الحدودية التي طالما شكلت رئة للتهريب وللاقتصاد الموازي.

لهذا السبب، تميل تل أبيب إلى إبقاء سقف التفاهمات ضمن حدود إدارة الخطر،  لا حلّه، فهي تريد أن تُغلق القنوات التي تُنتج تهديدًا مباشرًا لها، لكنها لا تمانع بقاء قدر من عدم الاستقرار البنيوي الذي يمنع تشكّل دولة سورية قوية أو إعادة تموضع لبناني مستقل تمامًا عن توازنات القوة الداخلية. وفي قلب هذا كله، يبقى العامل الحاسم في الحساب الإسرائيلي هو أنه إذا فشلت التفاهمات أو بدا أن حزب الله وفلول النظام يعيدون تشغيل خطوط السلاح، فستعود إسرائيل إلى قاعدتها الثابتة عبر الضبط بالنار، لكن هذه المرة في بيئة انتقالية حساسة تجعل كل ضربة ليست مجرد رسالة ردع، بل اختبارًا لمدى قدرة دمشق وبيروت على منع تحويل حدودهما إلى منصة حرب بالوكالة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث