لم تعد تصريحات الشيخ حكمت الهجري وبياناته مجرد موقف سياسي أو رد فعل ظرفي لواقع أمني مضطرب في السويداء، بل باتت تشكل لحظة كاشفة لمسار طويل من العلاقات والخيارات سبق إسقاط النظام وتجاوز حدود البراغماتية إلى تبني مواقف وتحالفات تصطدم مباشرة مع التاريخ السياسي والاجتماعي للطائفة الدرزية في سوريا.
في مقابلة غير مسبوقة من حيث الوضوح والمضمون مع صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية قال الهجري من دون أدنى مواربة: "نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من وجود دولة إسرائيل"، معتبراً أن العلاقة مع تل أبيب قديمة و طبيعية، وأن إسرائيل هي "الضامن الوحيد" لأي ترتيبات مستقبلية بل والطرف الأنسب للإشراف على مرحلة انتقالية نحو "إقليم درزي مستقل".
هذه التصريحات بما تحمله من اعتراف سياسي كامل لا يمكن فصلها عن تحقيقات صحافية دولية كانت قد نشرتها "واشنطن بوست" في فترات سابقة تحدثت عن قنوات تواصل وتنسيق غير معلن بين شخصيات محلية في السويداء وجهات خارجية من بينها إسرائيل بذريعة الحماية والدعم الإنساني، آنذاك ووجهت تلك التحقيقات بالتشكيك والإنكار قبل أن يأتي الهجري نفسه ليؤكد من حيث لا يدري أو يدري صحة جوهر ما ورد فيها.
من خطاب الحماية إلى شرعنة الوجود الإسرائيلي
يعتمد الهجري في خطابه على سردية الإبادة الجماعية والاستهداف الوجودي للدروز، ويقدم إسرائيل بوصفها الدولة الوحيدة التي تدخلت عسكرياً وأنقذت الطائفة عبر غارات جوية قال إنها أوقفت مجازر في السويداء كما أشار إلى علاج مئات الجرحى والمرضى في المستشفيات الإسرائيلية في ظل حصار خانق تعيشه المحافظة.
لكن الإشكالية لا تكمن فقط في توصيف المأساة الإنسانية بل في الانتقال من طلب الحماية إلى إعادة تعريف الهوية والموقع السياسي للطائفة وربط مستقبلها بدولة احتلال، وتقديم ذلك بوصفه خياراً حتمياً كان قبل أسابيع فقط مجبراً عليه، لكن سرعان ما تحول إلى تغزل بالكيان والإشادة باحترامه للحقوق والمعايير الدولية.
العبث بالذاكرة الدرزية
إن تاريخ الدروز في سوريا لم يكن يوماً تاريخ تحالفات مع قوى خارجية بل تاريخ حذر سياسي وتموضع معقد وسعي دائم لتجنب التحول إلى أداة في صراعات إقليمية. فمن سلطان باشا الأطرش إلى محطات لاحقة، ظلّ الخط العام للطائفة مرتبطاً بفكرة الاستقلال الوطني مهما كانت الخلافات مع المركز، وخير الأدلة ما حصل إبان حكم الرئيس السوري الأسبق أديب الشيشكلي، لذلك ما يفعله الهجري اليوم، وفق كثير من باحثي الاجتماع السياسي، هو تفكيك هذا الإرث واستبداله بسردية جديدة تقوم على الأقلية المحاصَرة التي لا خلاص لها إلا عبر التحالف مع إسرائيل، وطرح مشاريع الحكم الذاتي أو الاستقلال الكامل تحت رعاية خارجية. والأخطر في هذا المسار أنه لا يقدم نفسه كخيار سياسي قابل للنقاش بل ضرورة وجودية ويسقط عن أي معارضة داخل الطائفة صفة الشرعية عبر تخوينها أو ربطها بالحكومة السورية أو بالجماعات المتطرفة.
بين التوظيف السياسي والواقع المعقد
لا يمكن إنكار حجم العنف الذي تعرّض له المدنيون في السويداء ولا تقصير الحكومة السورية في حمايتهم وضمان حقوقهم، لكن تحويل هذه المأساة إلى رافعة لتحالف استراتيجي معلن مع إسرائيل، والمطالبة بإقليم مستقل بضمانتها يفتح الباب على أسئلة خطيرة تتجاوز السويداء نفسها وتمس وحدة المجتمع السوري ومستقبل الأقليات فيه، كما أن تصوير إسرائيل الضامن الوحيد يتجاهل حقيقة كونها فاعلاً إقليمياَ يسعى أولاً إلى مصالحه الأمنية والسياسية.
ختاماً لم يكتفِ الهجري عبر تصريحاته الأخيرة بكسر محرم سياسي سوري وهو التعامل مع العدو التقليدي للسوريين وللعرب، بل أعاد تعريف موقع الطائفة الدرزية في الصراع الإقليمي مثبتاً بشكل قاطع ما ذهبت إليه تحقيقات صحافية دولية عن وجود علاقات سابقة ومنهجية مع إسرائيل قبل إسقاط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد. ويبقى السؤال الأهم: هل ما يطرحه الهجري هو خيار إنقاذ أم مقامرة تاريخية تعيد إنتاج مأساة الأقليات بصيغة جديدة، وتضع الدروز في قلب صراع أكبر منهم وتحمّلهم كلفة سياسية وأخلاقية طويلة الأمد؟
