قسد وتمثيل الكرد في سوريا.. هل راهنت دمشق على العنوان الخطأ؟

خاص - المدنالثلاثاء 2026/01/13
Image-1766669542
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يثير مسار العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، جدلاً متصاعداً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع احتدام التطورات الميدانية الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب.

هذا الجدل، حسب مراقبين، لا ينحصر في تفاصيل الاتفاقيات أو التفاهمات المرحلية، بل يتعداها إلى أسئلة أعمق تتعلق بجوهر تمثيل الكرد في عموم سوريا، ومدى صحة رهان الحكومة السورية على "قسد" باعتبار أنها الممثل شبه الوحيد للأكراد، إضافة إلى مستقبل اتفاق العاشر من آذار الذي شكّل محطة مفصلية في هذا السياق.

 

خيار واقعي أم خطأ سياسي؟

ويرى رئيس مركز النهضة للأبحاث والدراسات في دمشق عبد الحميد توفيق، في حديثه لـ "المدن"، أن إطلاق حكم قطعي بأن الحكومة السورية أخطأت أو أصابت في تواصلها مع "قسد"، ليس وصفاً دقيقاٍ للمرحلة، حسب تعبيره.

ويلفت إلى أن "قسد" لم تكن كياناً هامشياً أو طارئاً بل قوة عسكرية منظمة سيطرت لسنوات على جغرافيا واسعة (الجزيرة السورية) وامتلكت موارد اقتصادية، إضافة إلى علاقات إقليمية ودولية.

ويتابع، أنه من هذا المنطلق، ظهرت "قسد" على أنها الطرف الوحيد القادر، من وجهة نظر الدولة السورية، على الجلوس إلى طاولة التفاوض، وفق رأيه.

ويذكر توفيق، أن الحكومة السورية في تلك المرحلة، لم تجد بديلاً محلياً يمتلك الحضور نفسه أو التماسك ذاته في مناطق شمال وشرق البلاد، ولم تكن هناك قوة سياسية أو اجتماعية أخرى خارج إطار الدولة تمتلك قدرة فعلية على فرض وقائع ميدانية أو إدارية، ما جعل التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية خيارا واقعاً، حتى وإن كان محفوفاً بالمخاطر.

 

هل "قسد" تمثل الكرد فعلاً؟

ووسط كل ذلك، يؤكد توفيق أن "قسد" لا تمثل غالبية الكرد في سوريا، فالساحة الكردية، وفق كلامه، لطالما عانت من انقسامات سياسية وتنظيمية عميقة.

ويوضح أن الأحزاب الكردية تاريخياً، لم تكن قوى ميدانية مستقلة بل تحركت ضمن فضاءات سياسية محدودة، وبعضها يرتبط بتحالفات ظرفية مع أنظمة الحكم السابقة، كما هو مع حزب "العمال" الكردستاني في مراحل معينة.

ويعتبر أنه بحسب هذا الطرح، فإن "قسد" استفادت من لحظة تاريخية مفصلية فرضتها التطورات الميدانية والأمنية والسياسية في سوريا، إضافة إلى استفادتها من الدعم الخارجي، لتأدية دور وظيفي في المشهد، مشيراً إلى أن وزنها الشعبي يبقى محصورا في التيارات التي تتبنى مشروعها السياسي والعسكري، ولا يمكن اعتباره تعبيراً شاملاً عن المزاج الكردي العام الذي ظل تاريخياً أقرب إلى مطالب الحقوق الثقافية والإدارية ضمن إطار الدولة السورية.

 

مطالب الأحزاب الكردية الأخرى

في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي علي تمي، في حديثه لـ "المدن"، أن اختصار التمثيل الكردي بقوات سوريا الديمقراطية كان خطأً في حسابات الحكومة السورية، معتبراً أن الحكومة السورية سعت في مرحلة سابقة إلى تجنب استفزاز "قسد" والرهان على التزامها باتفاق العاشر من آذار/مارس، لكنّ التطورات اللاحقة أظهرت محدودية هذا الرهان.

ويرى تمي أن "قسد" لا تمثل الكرد سياسياً، لكنها امتلكت القوة العسكرية والموارد المالية، الأمر الذي مكّنها من فرض نفسها على الشارع الكردي، في حين أن الشارع الكردي وجد نفسه إلى حد كبير رهينة لهذا الواقع القسري.

وعن مطالب الأحزاب الكردية الأخرى من الحكومة السورية، يوضح تمي أنها تتمحور حول نموذج لامركزي إداري، أي أنه لا يصل إلى حد الانفصال بل يقوم على إدارة كل منطقة ضمن الدولة السورية، مع ضمانة الحقوق الثقافية والسياسية، لافتاً إلى تجربة "عفرين" على اعتبار أنها نموذجاً يراه عدد من الكرد قابلاً للتعميم على مناطق أخرى.

 

اتفاق 10 آذار.. إلى أين؟

لا بدّ من الإشارة إلى أن ما شهده حيّا الشيخ مقصود والأشرفية، شكّل نقطة تحول في تقييم مستقبل اتفاق العاشر من آذار، إذ يرى توفيق أنه ربما يتم الحفاظ على بنود الاتفاق الثمانية شكلياً، في حين أن مسار العملية التفاوضية لن يكون كما تم التخطيط له سابقاً، مرجعاً ذلك إلى قدرة الدولة السورية على إدارة الملفين ميدانياً بانضباط عسكري وبأقل الخسائر، ما عزز موقفها التفاوضي، إضافة إلى عامل آخر يتمثل في المواقف الإقليمية والدولية ولا سيما التركية والأميركية، التي بدت بشكل مباشر أو غير مباشر، أقرب إلى الرؤية السورية في هذا الملف.

من جهته، يذهب علي تمي إلى أن الاتفاق قد انتهى عملياً وأن المنطقة مقبلة على جولات جديدة من التصعيد العسكري تبدأ من منطقة دير حافر شرقي حلب وتمتد لاحقاً إلى شرقي الفرات، حب تقديراته.

 

تبدل موازين القوى

وتتفق المصادر التحليلية والبحثية على أن "قسد"، اليوم، ليست كما كانت قبل أحداث الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، إذ إن أوراق الضغط التي كانت تمتلكها لم تعد كما كانت سابقاً، في مقابل اتساع هامش المناورة لدى الحكومة السورية سياسياً وميدانياً، وهذا ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة المشهد وربما إعادة النظر في آليات التواصل مع المكون الكردي بعيداً عن اختزاله في طرف واحد.

ووسط كل ذلك، يتصدر المشهد سؤالاً أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى يتعلق بـ "التمثيل الكردي"، بينما تجد دمشق نفسها، بين واقعية السياسة ومتغيرات الميدان، تجد نفسها أمام استحقاق إعادة تقييم خياراتها، في وقت تتراجع فيه قدرة "قسد" على فرض نفسها كممثل حصري للأكراد، في ظل دعوات متزايدة لإشراك طيف واسع من النخب والأحزاب الكردية في أي مسار مقبل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث