السلفيون كقوة عسكرية تراهن عليها الرياض في اليمن

عدن - وجدي السالميالثلاثاء 2026/01/13
Image-1768256278
ثلاثة ألوية عسكرية يمنية تدعمها السعودية قوامها من السلفيين Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

في العام 1982، أسّس العلّامة السلفي العائد من السعودية مقبل الوادعي دار الحديث في محافظة صعدة الحدودية مع السعودية، واعتُبر ذلك نقطة انطلاق للحركة السلفية في البلاد. دعمت السعودية الوادعي لتشكّل ثقلاً موازناً في وجه المذهب الزيدي في صعدة، الذي أبدى أعضاء بارزون فيه دعمهم للثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979.

 

من الدعوة إلى السياسية

تاريخياً، امتنعت التيارات السلفية التقليدية عن الانخراط في السياسة ودعت إلى طاعة ولي الأمر، لكن هذا المبدأ تزعزع بعد استيلاء الحوثيين المدعومين إيرانياً على العاصمة صنعاء في العام 2014، إذ دفع هذا التبدّل في المشهد السياسي والعسكري عدداً كبيراً من أتباع السلفية التقليدية إلى الانخراط في مقاومة الحوثيين إلى جوار التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، ووجدوا أنفسهم في قلب الجبهات يتولّون قيادة العديد من المجموعات المسلحة.

ولا سيما عندما أجبر آلاف السلفيين في كانون الثاني/يناير 2014، على مغادرة منطقة دماج في محافظة صعدة شمالي اليمن، تحت وطأة القصف والحصار الذي فرضه الحوثيون لقرابة مئة يوم. وصف الناطق باسم السلفيين آنذاك، سرور الوادعي، العملية بأنها "تهجير قسري" لأحد أكبر التجمعات السلفية في البلاد.

 

تحالف مع السعودية

وعلى الرغم من تراجع مكانة السلفية داخل السعودية، عكفت المملكة على تعزيز تحالفها مع السلفيين في اليمن، ووسّعت تعاونها معهم في عدة مناطق، بينها المحافظات الجنوبية، على وقع احتدام وتيرة الصراع. وتمكنت ألوية عسكرية عدة يغلب عليها العنصر السلفي من تغيير ميزان القوى على جبهات عسكرية أساسية، مثل ألوية العمالقة السلفية، المدعومة من الإمارات، والتي كانت رأس الحربة في السيطرة على المناطق الواقعة على الشريط الساحلي في غرب البلاد عامي 2017 و2018، ثم حققت مكاسب كبيرة في معركة شبوة وسط اليمن مؤخراً.

وفقاً للخبير في شؤون الجماعات الدينية، عادل الرعيني، لدى السعودية ثلاثة دوافع رئيسية لدعم الجماعات السلفية اليمنية: أولاً، العداء المشترك مع الحوثيين؛ ثانياً، غياب أجندة سياسية مستقلة لدى السلفيين يجعلهم شركاء "مطواعين" في المواجهة العسكرية؛ وثالثاً، الحفاظ على النفوذ الديني السعودي ومنع أي تسويات غير مرغوب بها مع الحوثيين.

وفي 2026 طرأ تبدّل على دور الجماعات السلفية المدعومة من السعودية في اليمن، ليتم استخدامها في تغيير المشهد الأمني والعسكري في الجنوب اليمني. إذ تحولت التشكيلات السلفية المسلحة التي ما فتئت السعودية تعزز من نفوذها، من مجموعة دينية إلى "ذراع مطواعة" وأداة مرنة لإدارة الصراع في قلب النزاع الجنوبي.

وتشكلت ألوية سلفية ضخمة أصبحت العمود الفقري للوجود العسكري السعودي في اليمن. أبرزها لواء العمالقة الجنوبية، الذي تأسس بدعم إماراتي ويقدّر قوامها بنحو 70 ألف مقاتل. كذلك قوات "درع الوطن"، التي نشأت عام 2022 بدعم سعودي مباشر وتضم نحو 45 ألف مقاتل، بالإضافة إلى "قوات الطوارئ" الجديدة التابعة للقيادة المشتركة للتحالف، والتي تضم نحو 30 ألف مقاتل من السلفيين التقليديين الموالين للرياض.

وقال حمدي شكري، وشخصية عسكرية سلفية بارزة داخل ألوية العمالقة، لـ"المدن"، إن "عدد الألوية العسكرية السلفية مجتمعة يتجاوز 35 لواءً، منتشرة على طول الحدود اليمنية السعودية والساحل الغربي، وانتشرت مؤخراً في كافة المحافظات الجنوبية لتثبيت الأمن، ولعبت دوراً محورياً في حماية المدن الساحلية ومواجهة أي تهديدات من الحوثيين أو الجماعات المسلحة الأخرى". 

وأضاف أن "هذه التشكيلات تعمل وفق خطط عسكرية واضحة، مدعومة بالتمويل والتدريب من التحالف العربي بقيادة السعودية، وتمثل العمود الفقري للوجود العسكري للحكومة الشرعية المدعومة من السعودية على ونستمد تحركاتنا بتوجيهات القيادة العليا للدولة وبالتنسيق مع إخوتنا في السعودية".

 

أداة للحد من نفوذ الانتقالي

لم يعد دور هذه القوات مقتصراً على مواجهة الحوثيين. فمع تراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي وهروب رئيسه عيدروس الزبيدي إلى الإمارات، بعد إلغاء عضويته من مجلس القيادة الرئاسي وإحالته للتحقيق بتهمة الخيانة العظمى، سارعت السعودية إلى تمكين التيار السلفي عسكرياً وسياسياً كأداة فعّالة لملء الفراغ والحد من أي طموح انفصالي مستقبلي.

وتحولت قوات مثل "درع الوطن" سريعاً إلى الذراع العسكرية الأهم للسعودية في المحافظات الجنوبية. وهذا التمكين امتد من الميدان إلى مراكز صنع القرار الإداري، حيث تم تعيين شخصيات محسوبة على التيار السلفي في مناصب حساسة، وأبرزها تعيين عبد الرحمن شيخ اليافعي محافظاً لمحافظة عدن.

كما شهدت خلال الأحداث الأخيرة في الجنوب تحولاً دراماتيكياً في ولاءات بعض الفصائل. فقوات "العمالقة" ذات التوجه السلفي، التي كانت تُصنّف سابقاً ضمن النفوذ الإماراتي، أعلنت ولاءها السريع للسعودية خلال الأحداث الأخيرة في الجنوب.

 

قوة مطاوعة

اليوم، لم يعد الوجود السلفي مقتصراً على الثكنات العسكرية. فهناك انتشار وبكثافة للمراكز التعليمية السلفية في المحافظات المحررة، وهي ظاهرة يرصدها مراقبون كجزء من استراتيجية أوسع لترسيخ النفوذ الفكري والاجتماعي للسلفيين.

ويرى محللون أن السعودية وفي ظل غياب جيش وطني قادر على ضبط الأمور، نجحت في تحويل التيار السلفي اليمني إلى "قوة مطواعة" وورقة رابحة في يدها. من دماج إلى عدن، ومن الدعوة إلى العسكرة، لكن المواجهة المقبلة مع الحوثيين قد تكون المعيار الذي يحدد ما إذا كانت هذه القوة "المطيعة" ستبقى أداة في يد صانعها، أم أنها ستصبح سيداً جديداً في أرض المعركة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث