لفهم مخطط الغرب في أي دولة، ليس كافياً متابعة الأحداث فقط، بل يجب مراقبة ما تكتبه الصحف الأوروبية. فالصحافة هنا لا تنقل الواقع فحسب، بل تشكل خريطة نوايا سياسية وتكشف أهداف المعسكر الغربي. والمفارقة اللافتة أن الدول الأوروبية نفسها، التي شعرت بالغدر أو التهديد على سيادتها من أطماع ترامب لأراضيها ومعادنها وتدخلاته في سياساتها، يمكنها لاحقاً أن تصطف كصف واحد وراء التدخل الأميركي في دول أخرى عبر توجيه الإعلام نحو تبرير هذا التدخل للرأي العام.
هيكلية القوى في أوروبا تتمثل أولاً بالدول الغربية الكبرى: بريطانيا، فرنسا، وألمانيا. مهما تطلعت هذه الدول إلى حماية مصالح القارة الأوروبية، فهي تصطف مع الولايات المتحدة في قراراتها المتعلقة بمصلحة معسكر الغرب العليا خارج حدودها، ولو كان ذلك على حساب تنازل الدول الأقل تأثيراً، سواء في أوروبا الشرقية أو الشمالية. وهذا يبرر مشاركة الطائرات البريطانية والفرنسية مع نظيراتها الأميركية لقصف مقرات تنظيم "داعش" في سوريا، ومشاركة الجنود السويديين في عمليات القوات الأميركية ضد التنظيم في الصومال، في الوقت الذي توعدت فيه بريطانيا وألمانيا بنشر قوات "الناتو" في غرينلاند لاحتواء تهديدات ترامب بضمها.
ومهما تصاعدت حدة الخلافات داخل أوروبا، فإن خطواتها العملية، من تنسيق الضربات الأوروبية إلى جانب الأميركية، إلى تنسيق الإعلام في تغطية أحداث خارجية مثل السابع من أكتوبر، توضح بشكل لا لبس فيه أن هيكلية مصالح الغرب العليا يلتزم بها الجميع عند أي تهديد خارجي. هذا يمكن تفسيره أيضاً بأن الغرب يشعر بالخطر الوجودي على استمرار الحضارة الغربية نفسها مقابل تصاعد تململ الدول الكبرى الأخرى ومحاولتها تغيير النظام العالمي الحالي نحو نظام متعدد الأقطاب.
دول البلطيق: شعور بالغدر والخذلان
في آذار/مارس 2025، اجتمع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع زعماء 18 دولة أوروبية لمناقشة خطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بعد توتر خلّفته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أضعفت الدعم الأميركي لأوكرانيا.
المثير أن دول البلطيق الثلاث، إستونيا، لاتفيا، وليتوانيا، لم تُدعَ، رغم موقعها الاستراتيجي على الخط الأمامي مع روسيا. شعورها كان مباشراً: تم بيعها ضمن صفقة كبرى دون استشارتها، خصوصاً بعد تقليص ترامب لقواته الدفاعية في هذه الدول بالرغم من تصاعد التهديد الروسي المباشر، واعتمادها على بناء دفاعها الخاص بالإضافة إلى الدفاع الأوروبي المشترك، ما عكس قلة الثقة بالدفاع الغربي في حمايتهم من الأطماع الروسية.
دول الشمال: التهديد السيادي واستمرار الانضباط
بعد ذلك، بدأت دول الشمال أو الدول الإسكندنافية تشعر بأنها قد تكون الهدف التالي. غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك، تتمتع بحكم ذاتي لكنها استراتيجية جداً في القطب الشمالي وتحتوي على ثروات معدنية هائلة. ترامب كرر تهديده بضمها للولايات المتحدة مبرراً ذلك بـ"الأمن القومي". الحكومة الدنماركية أكدت أن أي محاولة للسيطرة على الجزيرة ستكون انتهاكاً للقانون الدولي، وأن غرينلاند محمية ضمن حلف "الناتو".
أرخبيل سفالبارد النرويجي، الواقع في المحيط المتجمد الشمالي، يحمل أهمية استراتيجية مماثلة بسبب قربه من روسيا وموارده البحرية والنفطية. أي محاولة أميركية للسيطرة عليه بعد غرينلاند، كما هو متوقع، قد تثير صراعاً دولياً.
هذه التكهنات بأطماع ترامب بالنفط النرويجي أثارت قلق الدول الشمالية، لكنها لم تمنع صحافتها اليوم من دعم وتشجيع وتبرير التدخل الأميركي المماثل في إيران. كل هذا يعكس الانضباط الاستراتيجي الأعلى: الأولوية لمصالح المعسكر الغربي على أي استياء داخلي، والخلافات الداخلية لا تلغي الهدف المشترك، وهو حماية مصالح الغرب والحفاظ على وحدة الموقف تجاه أي تهديد خارجي.
إيران: النموذج الخارجي لأولوية المصالح الغربية العليا
الاحتجاجات في إيران بدأت بسبب التدهور الاقتصادي وانهيار العملة، لكنها تحوّلت بسرعة إلى تهديد وجودي للنظام. حرب الـ12 يوماً العام الماضي، أظهرت فشل النظام والحرس الثوري في حماية الشعب، والصحف الأوروبية ركزت بكثافة على هذا الفشل الأمني، معتبرة أنه القشّة التي قصمت ظهر النظام، مشيرة إلى أن استمرار القمع قد يدفع الجيش والشرطة لاحتمال الانقلاب على القيادة، ما يعكس النوايا الغربية المقبلة في إدارة مسار الاحتجاجات لإسقاط النظام.
ترامب أعلن أنه قد يتدخل، سواء بعمليات محدودة أو رمزية، لإظهار الدعم للمعارضة. المفارقة أن صحف الدول الأوروبية الشمالية نفسها، التي شعرت أمس بتهديد على سيادتها في غرينلاند وسفالبارد، أصبحت اليوم تشيد بتدخل ترامب في إيران. خبراء عسكريون أشاروا إلى أن عدم تنفيذ ترامب تهديداته سيضعف قدرته على الردع، حتى لو استهدفت الضربات المباني المدنية التي يقيم فيها قادة إيران، وأن الهجمات الإلكترونية لإعادة الإنترنت ليست كافية، بل يجب أن يظهر عملياً عبر ضربات عسكرية دعمه للمعارضة، وإلا سيخسر الثقة من القوى الداخلية التي قد تساهم في إسقاط النظام.
وحدة الصف والاستراتيجية الإعلامية
القوة الحقيقية لمعسكر الغرب تكمن في هذا التنسيق: السياسة والإعلام يعملان معاً لإدارة الدول وصنع التوقعات التي تخدم المصلحة العليا لمعسكر الغرب. مهما تصاعدت الخلافات الداخلية، فإن خطواتهم العملية، بتنسيق الضربات والتغطية الإعلامية للأحداث الخارجية، توضح وضع مصالح الغرب العليا قبل أي خلاف داخلي. وهذا ما يعكس خوفهم على استمرار هيمنة الحضارة الغربية نفسها مقابل تصاعد القوى الخارجية الأخرى.
