احتجاجات إيران تتحول إلى حملة قمع دموية: أكثر من 3 آلاف قتيل

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/01/13
Image-1768319559
مجازر صامتة في إيران: تحقيق لـ"نيويورك تايمز" يفضح القمع (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كف تحقيق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" استناداً إلى شهادات أطباء وسكان ومسؤولين إيرانيين ومنظمات حقوقية، صورة مروعة لما يجري في إيران، حيث تشنّ السلطات واحدة من أكثر حملات القمع دموية منذ أكثر من عقد، في ظل تعتيم شبه كامل على الاتصالات وقطع الإنترنت وخطوط الهاتف، وإطلاق نار مباشر على متظاهرين عُزل، وامتلاء المستشفيات والمشارح بأكياس الجثث، بحسب ما جاء في الصحيفة التي نقلت عن مسؤول إيران أن عدد القتلى تجاوز الـ3 آلاف.

وتفرض السلطات الإيرانية منذ خمسة أيام حصاراً شاملاً على الاتصالات، شمل الإنترنت وخطوط الهاتف الدولية، وأحياناً حتى الشبكات المحلية، ما جعل من الصعب توثيق ما يجري ميدانياً. لكن مقاطع فيديو وشهادات بدأت تتسرّب ببطء، وتحققت صحيفة "نيويورك تايمز" من عدد منها، كشفت عن مشهد دموي غير مسبوق في السنوات الأخيرة.

ونقلت الصحيفة عن شهود عيان أن قوات الأمن بدأت تطلق النار بأسلحة أوتوماتيكية على متظاهرين غير مسلحين، وفي كثير من الأحيان بشكل عشوائي. فيما أفاد أطباء وعاملون في مستشفيات حكومية، بأن طبيعة الإصابات تغيّرت بشكل حاد، من جروح ناجمة عن الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع إلى طلقات نارية مباشرة وكسور في الجمجمة وإصابات قاتلة في الرأس والصدر.

ووصف أحد الأطباء في حديثه إلى "نيويورك تايمز"، الوضع بأنه "حالة إصابات جماعية"، مؤكداً أن المستشفيات لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الجرحى، سواء من حيث المساحة أو الكادر الطبي أو التجهيزات.

 

الصورة التي كسرت الحصار

ورغم التعتيم الإعلامي، تشير "نيويورك تايمز" إلى أن صورة واحدة باتت تتكرر في كل ما يخرج من إيران: صفوف طويلة من أكياس الجثث.
في مقاطع فيديو نشرها ناشطون معارضون، تظهر عائلات تبكي وهي تتجمع حول جثث ملطخة بالدماء داخل أكياس مفتوحة، وفي لقطات بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، يظهر مسؤول في مشرحة يقف وسط عشرات الأكياس المصطفة بعناية تحت أضواء فلورية بيضاء.

لكن الإعلام الرسمي حاول قلب المعنى، معتبراً أن هذه المشاهد "تُظهر خطورة الاحتجاجات على المجتمع"، ومتهماً من سماهم "مثيري الشغب" بمحاولة جرّ المواطنين العاديين إلى الفوضى.

وتعلق الصحيفة على هذا التناقض بالقول إن أنصار النظام ومعارضيه يتفقون على توصيف واحد: ما يجري هو مستوى من الوحشية لم تشهده البلاد من قبل.

 

أرقام متضاربة… وواقع أشد فداحة

وفي التحقيق تفيد "نيويورك تايمز" إن الجماعات الحقوقية عاجزة عن تطبيق آليات التحقق المعتادة بسبب الحصار المعلوماتي، لكنها تشير إلى سقوط "مئات القتلى على الأقل".

وتحدث مسؤول رفيع في وزارة الصحة الإيرانية، للصحيفة، وقال إن عدد القتلى يقارب 3 آلاف شخص في أنحاء البلاد، محاولاً تحميل المسؤولية لـ"إرهابيين" يقفون خلف الاضطرابات، ومضيفاً أن الرقم يشمل مئات من عناصر قوات الأمن.

كما نقلت الصحيفة عن مسؤول حكومي آخر قوله إنه اطلع على تقرير داخلي يشير إلى ما لا يقل عن 3 آلاف قتيل، مع احتمال ارتفاع العدد.

وإذا تأكدت هذه الأرقام، فإن ما تشهده إيران سيكون من أسوأ موجات العنف السياسي في تاريخها الحديث.

 

قناصة في الأسطح 

وتنقل "نيويورك تايمز" عن سكان في طهران أنهم شاهدوا قناصة متمركزين على أسطح المباني في أحياء مثل ستارخان وباسداران يطلقون النار على الحشود. كما تحدث آخرون عن عناصر أمن يطلقون الرصاص عشوائياً من سياراتهم أثناء مرورهم بين المتظاهرين.

وأظهرت مقاطع فيديو تحققت منها الصحيفة، قوات أمن تطلق وابلاً كثيفاً من الرصاص من فوق مركز شرطة في منطقة طهران بارس، مع سماع مئات الطلقات خلال دقائق.

وقال أحد سكان طهران للصحيفة، إنه شاهد قوات الأمن تفتح نيران رشاشات ثقيلة على حشد من الشبان والشابات، فسقطوا أرضاً فوق بعضهم البعض.

 

المستشفيات… من ملجأ طبي إلى ساحة أمنية

في مستشفى نكان شمال طهران، قالت ممرضة لـ"نيويورك تايمز"، إن الطاقم الطبي انهار تحت الضغط عندما وصل 19 مصاباً بطلقات نارية خلال ساعة واحدة.
وفي مستشفى الشهداء بحي تجريش، قال طبيب إن كثيراً من المصابين أُعلن عن وفاتهم فور وصولهم، وإن الإصابات كانت في الرأس والعنق والرئتين والقلب ومن مسافات قريبة.

كما نقلت الصحيفة شهادة لطبيب يعمل في طهران وأصفهان قال فيها: "كانت حالة إصابات جماعية. إمكاناتنا أقل بكثير من حجم الكارثة. الإصابات التي رأيتها كانت وحشية… إطلاق نار بهدف القتل".

وتشير الصحيفة إلى أن قوات الأمن تنتشر داخل المستشفيات وتبحث عن الجرحى من المتظاهرين وتجمع بياناتهم الشخصية، وفي كثير من الحالات تعتقلهم فور تعافيهم. أما عائلات القتلى، فتُجبر – بحسب الشهادات – على توقيع إفادات تقول إن أبناءها "قُتلوا على يد إرهابيين".

 

شهادات من الشارع

وتنقل الصحيفة عن متظاهرة تُدعى "ياسي"، في الثلاثينيات من عمرها، قولها إنها كانت تسير مع أصدقائها في شارع أندرزغو بطهران عندما اقتحمت قوات الأمن المكان وأطلقت النار على فتى مراهق في ساقه أمام أمه، التي كانت تصرخ: "ابني! ابني! لقد أطلقوا النار على ابني".

كما نقلت الصحيفة عن رجل أعمال في طهران يُدعى سعيد، قوله في اتصال نادر عبر الإنترنت الفضائي: "هذا حمام دم… لم أرَ شيئاً كهذا في كل الاحتجاجات السابقة". وأضاف أنه شاهد شاباً يُقتل برصاصة في الرأس، وآخر يُصاب في ركبته ثم يُعتقل لاحقاً.

 

 

أرقام حقوقية: تصاعد حاد

وبحسب ما نقلت "نيويورك تايمز" عن منظمة "هارانا" الحقوقية، ارتفعت حصيلة القتلى التي وثقتها من 70 قتيلاً إلى 572 متظاهراً و69 عنصراً أمنياً خلال يومين فقط، مع توقع ارتفاع كبير بعد التحقق من مئات الحالات الإضافية.

أما مركز حقوق الإنسان في إيران، فقد قّدر عدد القتلى بما لا يقل عن ألف شخص على مستوى البلاد، وربما أكثر بكثير، مؤكداً أن "المعطيات الحالية ليست سوى قمة جبل الجليد".

ورغم التراجع النسبي في عدد مقاطع الفيديو المتداولة بسبب الحصار التقني، تؤكد الصحيفة نقلاً عن مصادر ميدانية أن القمع لم ينجح حتى الآن في كسر إرادة الشارع.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث