هل تجرؤ سلطة دمشق على المراجعة؟

مالك ونوسالاثنين 2026/01/12
دمشق بعد سقوط النظام (Getty)
الشعب السوري بعد التحرير أمل بتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع مضي أكثر من سنة على إسقاط نظام الأسد، تقتضي الضرورة من سلطة دمشق، إجراء مراجعة نقدية لكل الفترة الماضية، للوقوف على الإنجازات مقارنةً بالمهام الملقاة على عاتقها، وبالوعود التي قطعتها أمام السوريين وأمام نفسها والمجتمع الدولي، بعدما توفر لها كل ذلك الدعم المنقطع النظير من الأشقاء والأصدقاء ومن أبناء الشعب أيضاً. وفي المراجعة المأمولة، من المفترض أن تظهر مدى قدرة هذه السلطة وشجاعتها على الاعتراف بأخطائها، من أجل تلافيها مستقبلاً وتعزيز النجاحات، وهي التي تقع عليها أعين الجميع، ويراقب المجتمع الدولي أداءها، من أجل البت في سياساته تجاهها. كما أن هنالك الشعب الذي تلقَّى وعودها، وكله أمل أن تحقق له الاستقرار وإعادة الإعمار وتحسين مستوى المعيشة، إذا نجحت في بسط الأمن والقطع مع السلوك والعنف الطائفيين، والسير بالتسوية السياسية وإصلاح المؤسسات وتفعيل القائم منها ووضع دستور جديد، ووقف الانهيار الاقتصادي وتحسين واقع الخدمات الأساسية والضرورية لنهوض البلاد والتخلص من إرث نظام الأسد البائد.

 

تسوية سياسية

لم يكن من المتوقع من سلطة أحمد الشرع، أن تنقل سوريا سريعاً إلى واقع جديد، يختلف بمقدار 180 درجة عن الواقع الذي كانت عليه أثناء حكم الأسد. لكن السنة الأولى من حكمها تعد شديدة الأهمية بالنسبة لمستقبل البلاد ولمستقبلها كإدارة، ولصورتها وموقفها أمام المجتمع الدولي ولموقفه منها. لذلك كان من المتوقع منها تكثيف الجهد من أجل التأسيس للمراحل اللاحقة، عبر تحقيق إنجازات لافتة ومؤثرة. ومع ملاحظة أنها لم تعلن في بدايتها عن أهدافٍ وخططٍ واضحة وشاملة، للنهوض بواقع البلاد، فضَّلت السلطة قطع الوعود، ربما لعلمها بالحجم الكبير للمهمات الملقاة على عاتقها، والتي تقتضيها المرحلة وتفرضها الضرورة، وإدراكها صعوبة إنجاز أي خطة، في ظل الانهيار الاقتصادي الذي كانت البلاد عليه، وفي ظل العقوبات الدولية التي لم ترفع إلا مؤخراً، غير أن ذلك لا يمنع البناء على ما يمكن البناء عليه.

وتزداد صعوبة هذا الواقع مع استمرار الفلتان الأمني وبقاء أسباب الصراع قائمة، نتيجة الهيجان والتحريض الطائفي وانتشار السلاح على نطاق واسع وقابلية تفجر الأوضاع بين الحين والآخر، وآخرها الاشتباكات مع عناصر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب، والتي اندلعت في السادس من هذا الشهر، ونتج عنها ضحايا كثيرة وتهجير أكثر من 150 ألف شخص خارج منازلهم ومناطقهم في الأشرفية والشيخ مقصود شمال شرقي حلب. وكل ذلك بسبب التأخر الكبير في إجراء التسوية السياسية، وتطبيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وعدم حل الفصائل ودمجها بجيش وطني جامع، والبت بموضوع المقاتلين الأجانب الذي اشترطته دول كثيرة من أجل تطبيع علاقاتها مع سوريا ورفع العقوبات عنها. وللمفارقة فإن هذه الأهداف طالب بها عموم أبناء البلاد، عبر الوقفات المطلبية أو عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وهم الذين كانوا يتوقعون أن تحقيقها تحصيل حاصل، بعدما سقط النظام الذي كان مانعاً لأي تغيير، ورافضاً لتنفيذ أي مطلب جماهيري. 

في ظل عدم حل المشكلات العالقة التي تعيق إعادة توحيد البلاد، خصوصاً المشكلات التي تسببت بتعقيد مسألة عودة شرق وشمال شرق الفرات والسويداء للاندماج بالدولة، وفق محددات وتوافقات ترضي مختلف الأطراف، وهنا يعد مراجعة السلطة موقفها من موضوع اللامركزية وهي مطلب قسد وفعاليات السويداء، حاسماً في هذا المجال. فهذا الملف من أهم الملفات الضاغطة التي يمتد تأثيرها إلى بقية الملفات، نتيجة الحاجة إلى الاستقرار الأمني، الضروري بدوره، لعملية إعادة بناء اقتصاد البلاد المنهار، سواء عبر استغلال القدرات والثروات الوطنية أو عبر الاستثمارات الخارجية، أو حتى عبر القروض من الصناديق الدولية التي يعد هذا الاستقرار الشرط الرئيس لضمان توفرها جميعها. أما وأن هذا الملف ما زال ضاغطاً، فيجب أن يوضع في المرتبة الأولى من سلم النقاشات، خلال أي مراجعة تجريها السلطة.

 

الملف الاقتصادي

كما تقتضي المراجعة التركيز على الملف الاقتصادي، وهو الملف الذي على الحكومة أن توليه الأهمية الخاصة ووضع خطط لمعالجته من أجل وقف انهيار الاقتصاد، علاوة على خطط إصلاحه والنهوض به، مع ضرورة إقرار موازنة مالية للبلاد، والتي لا إشارات حتى الآن حولها. تضغط هذه الاستحقاقات بثقلها، في حين لم تفعل حكومتا ما بعد السقوط سوى رفع الدعم عن السلع الغذائية والمحروقات، من أجل تحصيل بعض الوفورات للخزينة، تنفيذاً لنهج اقتصاد السوق الحر الذي تبنَّته من دون أي تشريعٍ دستوريٍّ داعمٍ، سوى رؤيتها لبيع مؤسسات القطاع العام وتسريح عمالها. ويلاحظ أنه خلال هذه السنة، لم تتوفر الإمكانية لمراقبة عمل الحكومة في هذا القطاع؛ إذ تغيب البيانات حول مؤشرات نمو الناتج المحلي لمعرفة مدى التقدم المحرز، بينما تظهر جلية عوامل تؤكد العكس، ومنها عدم تحسن سعر صرف الليرة، على الرغم من تغيير العملة أخيراً، وعدم انخفاض الأسعار، بل زيادة أسعار السلع الغذائية، خصوصاً الخبز، عشرة أضعاف، وكذلك المحروقات ومعها تعرفة النقل، وازدياد تعرفة الكهرباء والاتصالات الخلوية عشرات الأضعاف أيضاً. وهذا كله بسبب رفع الدعم الذي كانت تحظى به هذه السلع قبل الآن، وللمفارقة فإنه يأتي في الوقت الذي كان متوقعاً فيه من الحكومة زيادة دعم السكان عبر زيادة التقديمات الاجتماعية، وليس إفقاد الفئات الهشة والفقيرة التي تجاوزت نسبتها 90 بالمئة من السوريين، مكاسبها المتراكمة خلال عشرات السنين.

 

إعادة الإعمار

أما ملف إعادة الإعمار الذي دائماً ما كان حاضراً في أدبيات وخطب ولقاءات رموز السلطة، فهو الملف الأكثر إهمالاً؛ إذ لم تُلحظ أي خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، بل استُعيضَ عنها بما يمكن تسميته "فزعات مالية"، تعتمد على جمع التبرعات من الأهالي في كل مدينة أو بلدة، من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه في بنيتها التحتية. وإعادة الإعمار مرتبطة بالنهوض الاقتصادي، وهما مرتبطان بالإصلاح الدستوري والإداري، وبالهيئات التشريعية المنتخبة. وفي هذا المجال، فضَّلت السلطة الاستعاضة بإعلان دستوري مؤقت، على أن يجري البدء بتشكيل لجان لصياغة دستور جديد. لكن يبدو أن الإعلان الدستوري المؤقت يراد له الدوام؛ إذ لم تشكل أي لجنة لصياغة الدستور من أجل وضع قوانين عصرية تتماشى والمرحلة، وتساعد على جذب المستثمرين الذين يتطلعون دائماً لقانون مستقل يحميهم ولنظام ضريبي واضح، وينفرون من بيئات لا شفافية وقوانين واضحة فيها. دستور ضروري من أجل الإصلاح الإداري، بعد الفوضى التي سادت القطاعات الحكومية في إثر فصل السلطة الجديدة الكوادر والخبرات والأكاديميين من مواقعهم.

كانت سمة السنة الأولى من حكم السلطة الجديدة تعويلها على الخارج، من أجل رفع العقوبات وجذب الاستثمارات وفتح صفحة جديدة مع دول العالم. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن هذا الأمر جعلها تهمل كثيراً من القضايا الداخلية التي وُضعت على الرف، على الرغم من ضرورة البت بها بوصفها المدماك الأساس لأي بناء يراد له الثبات والاستمرار. لذلك، ربما تولى السلطة هذه القضايا أهمية أكبر في أي مراجعة تتجرأ على الإقدام عليها، إن توفرت لديها نياتٌ لذلك.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث