يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية والهدم المنهجي في قطاع غزة، وسط اتهامات فلسطينية بتحويل الهدنة إلى غطاء لاستكمال الإبادة وتغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي للقطاع.
وكشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، استناداً إلى تحليل صور أقمار صناعية حديثة من شركة "بلانيت لابز"، أن إسرائيل دمّرت أكثر من 2500 مبنى في غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ضمن ما تزعم أنه عمليات "نزع سلاح القطاع" وتدمير الأنفاق. وأظهرت الصور مسح أحياء سكنية كاملة وأراضٍ زراعية واسعة، خصوصاً داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي أبقى إسرائيل مسيطرة على نحو نصف مساحة القطاع.
وأشارت الصحيفة إلى أن عمليات الهدم امتدت في بعض الحالات إلى نحو 900 قدم خارج مناطق السيطرة الإسرائيلية المعلنة، بما في ذلك مناطق يفترض أنها خاضعة لسيطرة حركة "حماس"، رغم تعهّد الجيش الإسرائيلي بوقف عملياته فيها.
وذكرت أن حي الشجاعية شرق مدينة غزة تحول بعد أشهر من الاتفاق إلى أرض شبه خالية من المباني، رغم أن صوراً التُقطت مباشرة بعد وقف النار أظهرت بقاء أجزاء واسعة منه قائمة.
وكشف التحليل لصور أقمار صناعية التُقطت بين 8 تشرين الأول/أكتوبر 2025 و10 كانون الثاني/يناير الجاري، أن الجيش الإسرائيلي نفذ عمليات إزالة ركام واسعة في مدينة بيت حانون شمال القطاع، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوات تقتصر على اعتبارات أمنية أم تدخل في إطار مخططات أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا الميدانية لغزة.
أرقام الإبادة والكارثة الإنسانية
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، اليوم الاثنين، ارتفاع حصيلة الشهداء الفلسطينيين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى 71 ألفاً و419 شهيداً، إضافة إلى 171 ألفاً و318 جريحاً. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 80% من مباني غزة باتت مدمرة أو متضررة، مع تقدير تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.
وفي موازاة ذلك، حذرت مصادر صحية من انتشار فيروسات يُرجح أنها متحورة من الإنفلونزا وكورونا، في ظل انهيار المناعة العامة بسبب سياسة التجويع وسوء التغذية، وتجاوز إشغال المستشفيات نسبة 150%، مع عجز حاد في توفير اللقاحات للفئات الأكثر هشاشة.
اغتيالات وفوضى أمنية
واستُشهد المقدم محمود الأسطل، مدير مباحث شرطة خانيونس، إثر تعرضه لعملية اغتيال في منطقة مواصي خانيونس جنوبي القطاع. ونعت فصائل المقاومة الفلسطينية الأسطل، ووصفت العملية بأنها "جبانة وغادرة"، متهمة جهاز الشاباك الإسرائيلي بالوقوف خلفها عبر "عصابات عميلة" تعمل لصالح الاحتلال.
وأعلنت مليشيا تعمل بالتنسيق مع جيش الاحتلال مسؤوليتها عن العملية في تسجيل مصوّر، زعمت فيه الاستيلاء على أسلحة تابعة لحركة "حماس"، في خطوة اعتُبرت محاولة واضحة لبث الفوضى وتقويض الاستقرار الأمني الهش في القطاع.
"حماس": الاحتلال يستهدف الكل
من جهة ثانية، قال الناطق باسم حركة "حماس" حازم قاسم إن الحركة قدمت "مواقف إيجابية متقدمة في إطار ترتيب الوضع الفلسطيني"، داعياً قيادة السلطة الفلسطينية إلى "الاستجابة للحظة التاريخية" والتقدم نحو حالة إجماع وطني.
وأضاف قاسم أن "حكومة اليمين الصهيوني تستهدف كل المكونات الفلسطينية في كل الساحات"، معتبراً أن أي رهان على الاستفادة من مأساة غزة أو إعاقة الوحدة الوطنية "خطأ سياسي فادح"، داعياً إلى توحيد الموقف الفلسطيني لمواجهة "مخاطر غير مسبوقة على القضية الفلسطينية".
دعوات صريحة لاحتلال غزة
وتتصاعد داخل إسرائيل دعوات لاحتلال غزة بشكل دائم، وقال وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين: "نحتاج أن نكون في غزة وفي جميع أنحاء أرض إسرائيل، لأن هذا بلدنا".
كما شدد عضو الكنيست المتطرف سيمحا روثمان على وجوب بقاء السيطرة على غزة بيد إسرائيل. وكشف وزير الأمن يسرائيل كاتس، في كانون الأول/ديسمبر الماضي، عن خطة لإنشاء "نوى ناحال" وهي قواعد عسكرية زراعية في شمال غزة، مؤكداً أن إسرائيل "لن تنسحب أبداً من القطاع"، واعتبر هذه القواعد بديلاً للمستوطنات التي أُخليت عام 2005.
استحقاق قيادي بعد حرب الإبادة
في ظل هذا المشهد المعقد، تتحضّر حركة "حماس" لإجراء انتخابات داخلية شاملة تنتهي بانتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي خلال الأشهر الأولى من عام 2026، وفق ما أفادت به مصادر قيادية لوكالة "فرانس برس."
وقال قيادي في الحركة: "أتوقع أن تشهد الأشهر الأولى من عام 2026 نجاح انتخابات حماس وصولاً إلى انتخاب رئيس الحركة"، موضحاً أن العملية بدأت بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وتُدار "بطريقة سرّية ومعقدة" بسبب الظروف الأمنية.
وتأتي هذه الانتخابات بعد مقتل عدد كبير من قيادات الحركة، وبسبب المخاوف الأمنية، شكلت "حماس" مجلس قيادة مكوّناً من خمسة أعضاء لإدارة شؤون الحركة مؤقتاً.
آلية انتخاب من القواعد إلى القمة
وتهدف العملية الانتخابية إلى انتخاب ثلاثة مجالس شورى (غزة، الضفة، الشتات)، وثلاثة مكاتب سياسية فرعية، وصولاً إلى مجلس الشورى العام، الذي ينتخب المكتب السياسي العام ورئيسه.
ويضم مجلس الشورى العام منذ عام 1997 خمسين عضواً، مع توجه لتوسيعه. ويشارك في الانتخابات أعضاء الحركة في الداخل والخارج وحتى المعتقلون في السجون الإسرائيلية. ويتكون المكتب السياسي العام من 18 عضواً، ويُمثل الجناح العسكري داخله، بعضو واحد.
منافسة قوية بين الحية ومشعل
وبرزت أربعة أسماء مرشحة لرئاسة المكتب السياسي، رئيس "حماس" في غزة خليل الحية، ورئيس الحركة في الخارج خالد مشعل، ورئيس "حماس" في الضفة الغربية زاهر جبارين، ورئيس مجلس الشورى العام نزار عوض الله.
وتتوقع مصادر داخل الحركة أن تكون المنافسة الأساسية بين خليل الحية وخالد مشعل، في صراع يعكس توازنات الداخل والخارج داخل بنية الحركة.
