تقترح دمشق نماذجَ جديدة لكسب العيش، كأنما تتفقّدُ بها قدرتها على البقاء، وعلى إنجابِ المزيد من الحياة.
بعضُ تلك السبل التحقت مؤخراً بالواقع، إذ جاءت كاشتقاقٍ انبعثَ من الخلفية الدينية للسلطة الحالية، ولم تكن ملحوظةً فيما مضى، حيث يمكن الاستماع إلى صوتٍ عذب يتلو آياتٍ من القرآن الكريم، يبعثهُ رجلٌ ضرير في محيط الجامع الأموي، هو لا يتسوّل الناس، لكن كُثراً منهم يضعون في يده أوراقاً نقدية، وفي محيط الجامع الأموي تقف سيدة إلى جوار الجدار الغربي، تحمل لافتة، تستحثُّ عباراتُها المسلمين الخيّرين على مساعدتها مادياً، دون أن تتحدث بكلمة، تظل صامتة، وفي أصبعها عدّادٌ إلكتروني يحصي لها كم مرّةً ذكرت أسماء الله الحسنى.
الانعتاق من القهر
تلك طرقٌ جديدة للعيش كانت فَزِعَة من الظهور خلال عهد النظام السابق، والآن باتت منظورةً، وهذا يؤكده الإعلامي والكاتب محمد منصور، إذ يرى أن الانعتاق من القهر يمكن ربطه ببعض النشاطات الدينية، ويضيف في حديث للمدن: "تلك النشاطات الهادفة لكسب العيش كانت مقموعةً في العهد البائد، خلال نظام الأسدين، أو كانت تخضع لسيطرة الدولة من أجل تسويق صورة معينة، ولدينا مثال المؤذن الضرير وتفاعل المارة معه، ومكافأته مادياً".
ويوضح منصور بأن هذا النمط من الكسب، ومقدار التفاعل معه يمكن ربطه أيضاً بالتحرر من القهر، والذي لازم السنّة فيما مضى، وبرأيه فإن القهر الديني، هو جزءٌ أساسي من منظومة القهر المتخمة.
وتعتقد الحقوقية دانية مهرة، التي فقدت اثنين من أقربائها في معتقل صيدنايا خلال سنوات الثورة ضد نظام بشار الأسد، بأن تلك الطرق الجديدة لكسب العيش، إنما ترافقت مع الحياة الجديدة للسوريين بعد سقوط النظام السابق، وتقول للمدن: "منذ متى ونحن لم نسمع أصواتَ الناس العذبة، حيناً تردد القرآن الكريم بلا خوفٍ من اتهامها بالإرهاب، وحيناً آخر تغّني وتعزف الموسيقا بشغف في حارات دمشق القديمة"، وبرأي مهرة فإن الصوت وضمن هذه المقاربة قد أنجزَ تحرراً كاملاً من سلطة الخوف التي لازمت السوريين عقوداً طويلة.
عازف الطريق
كما يمكن العثور بلا مشقّة على علي محمود، عازفٌ أقعده حادثٌ مؤلم منذ سنوات، وكبّلهُ إلى كرسي متحرك، يقطع عليه مسافةً طويلة كل يوم من جرمانا إلى باب توما، يقول للمدن: "ساعة ونصف ذهاب، ومثلها في الإياب"
بعد فرار بشار الأسد، انتبه محمود إلى فرح السوريين في دمشق، ورغبتهم بالغناء، فقرر ملازمةَ الطريق، صار عازفَ طريق، يجني قوته من الأوراق المالية التي يتركها له العابرون حين يمرّون بقربه، وليس بعيداً عن الزاوية التي اعتاد العزف فيها، نجد محلاً في القيمرية، وقد علّق العديد من الصور الساخرة لبشار الأسد، بغرض جذب المارة لتناول العصير لديه.
يقول محمد منصور للمدن: "قد يترافق تغيّر العهود السياسية وأنظمة الحكم ظهورَ سبلٍ جديدة للعيش، وأحياناً يكون لها علاقة بمعارضة نظام الحكم السابق، أو السخرية من رموزه، والتشفّي بسقوطه، وهذا حدث في سوريا حيث نجد العديد من المنتجات والألبسة والتي يقوم رواجها على فكرة السخرية من بشار الأسد، وهذه فكرة تجارية مبتكرة تلتقط اللحظة بدهاء".
ويضيف، هذا الاستثمار مرتبطٌ بلحظة معينة، تقعُ رهينةَ مشاعر سياسية محددة.
هذا الاستثمار يمكن ملاحظته أيضاً لدى شباب يافعين، يقفون إلى جوار مقهى النوفرة على مقربة من الجامع الأموي، يُقنعون المارة بضرورة التقاط صورة من كاميراتهم مع طائر عقابٍ حي، يستطيع أن يفرد جناحيه فوق رؤوسهم، أحد أولئك اليافعين الذي يمتهنون التصوير قال لـ"المدن": "بعد السقوط توافد الكثير من السوريين إلى دمشق، للاحتفال بالنصر، ومعظم من نصورهم من الجزيرة السورية (يقصد دير الزور والرقة)"
تظل دمشق إذن، مدينةً منتبهة، وقادرةً على مراوغة الإفلاس، حسّها التجاري العميق، يمنعها من أن تفلس، فعلت ذلك مع الأسد، وتفعل ذلك مع الشرع الآن.
