بعد احتجاجات امتدت على مدى الأسبوعين الماضيين، ومواجهات وُصفت بالدامية، واستعدادات أمنية وإعلامية مكثفة خلال اليومين الأخيرين، شهدت إيران، اليوم الاثنين، مسيرات حاشدة في مختلف المدن والمحافظات تحت عنوان: "الاتحاد المقدس للإيرانيين ضد الإرهاب الصهيوني الأميركي"، دعماً للجمهورية الإسلامية، ورفضاً للتدخلات الأميركية والإسرائيلية، وتنديداً بما تصفه السلطات بـ"أعمال الشغب والعنف" التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة.
وقُتل 648 متظاهراً على الأقل في حملة قوات الأمن الإيرانية لقمع الحركة الاحتجاجية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية، وفق ما أفادت منظمة "إيران هيومن رايتس" ومقرّها في النروج، محذّرة من أن الحصيلة مرشّحة للارتفاع. ولفتت المنظمة إلى أنه "بحسب بعض التقديرات قد يكون قُتل أكثر من ستة آلاف"، لكنّها حذّرت من أن حجب السلطات الإيرانية الإنترنت مدى نحو أربعة أيام يجعل من "الصعوبة بمكان التحقّق بشكل مستقل من هذه التقارير".
وبدأت المسيرات المؤيدة للحكومة منذ ساعات الصباح في المحافظات، فيما انطلقت في العاصمة طهران ظهراً، حيث تجمع المشاركون في ساحة "انقلاب" (الثورة) والشوارع المحيطة بها.
كبار القادة في مقدمة المسيرات
تقدم المسيرات في طهران كبار قادة الدولة، في مقدمتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، إلى جانب عدد من الوزراء والبرلمانيين وشخصيات سياسية ومجتمعية بارزة. وقال التلفزيون الإيراني إن "ملايين الإيرانيين" خرجوا إلى الشوارع دعماً للثورة ورفضاً للتهديدات الخارجية.
وفي كلمة ألقاها أمام المتظاهرين في طهران، قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن "الأوضاع كلها باتت تحت سيطرة القوات الأمنية"، مضيفاً: "نحن نواجه حرباً إرهابية من قبل أعداء الشعب الإيراني، ولذلك سيكون ردنا بالتأكيد حاسماً ومؤلماً".
وأكد أن الشعب الإيراني "هو الذي أفشل المؤامرة ضد إيران"، مشدداً على أن "90 مليون إيراني من مختلف المكونات السياسية والشعبية يقفون متحدين في وجه الأعداء".
تهديد مباشر لترامب
وهاجم قاليباف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما نعته بـ"المتوهم"، قائلاً: "نحن الشعب الإيراني"، ومتوعداً بتلقينه "درساً لن ينساه" إذا قرر الهجوم على إيران.
وأضاف: "افعل ذلك لكي ترى أن جميع مصالحكم في المنطقة ستتدمر ونؤدب الحكام الظلمة"، وخاطبه بالقول: "لا تصدق الأكاذيب التي ينقلونها إليك".
"الدواعش الخائنون"
وصف قاليباف المشاركين في أعمال العنف خلال الاحتجاجات بأنهم "دواعش خائنون للوطن"، قائلاً إنهم "بدأوا حرباً إرهابية ضد الشعب من خلال إثارة الرعب والذعر".
وأضاف أن العدو كان يسعى إلى "هزيمة إيران وتفكيكها في الأيام الأولى عبر التمرد والفوضى"، لكنه فشل، مؤكداً أن "العدو بعد سبعة أشهر من الحرب لم يتخل عن أهدافه الإجرامية ويحاول تحقيقها عبر الإرهاب".
وشدد في الوقت نفسه على أن "الاستقرار الاقتصادي حق للشعب الإيراني"، وأن السلطات "لن تغفل عن الحرب الاقتصادية أبداً".
ورقة الشارع المؤيد
وتعول السلطات الإيرانية تقليدياً على الحشد الشعبي المؤيد لها في لحظات الاضطراب، كما حصل في احتجاجات عام 2009، ثم في احتجاجات عام 2022 عقب قضية مهسا أميني، لتأكيد امتلاكها قاعدة شعبية واسعة قادرة على ترجيح كفة الصراع السياسي والأمني في الشارع.
ورفع المشاركون في المسيرات شعارات مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، وضد نجل الشاه السابق رضا بهلوي، وأخرى مؤيدة للمرشد الأعلى علي خامنئي والجمهورية الإسلامية. كما طالبوا الحكومة بالعمل على تحسين الوضع الاقتصادي ووقف تدهور المعيشة وانهيار العملة الوطنية.
ضغط دولي متصاعد
وتزامنت المسيرات مع تصاعد الضغط الدولي على طهران، حيث أعلن الاتحاد الأوروبي استعداده لفرض "عقوبات جديدة"، وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا، كالاس إنها مستعدة لاقتراح إجراءات إضافية.
فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس إلى "ضبط النفس" واحترام حرية التعبير، كما أكدت منظمة "نت بلوكس" استمرار انقطاع الإنترنت لأكثر من 84 ساعة.
من جانبها، أعلنت الصين معارضتها لأي تدخل أجنبي في إيران، فيما قال ترامب إنه يدرس "خيارات قوية جداً"، بما فيها احتمال العمل العسكري، مشيراً إلى أن إيران تواصلت مع واشنطن واقترحت التفاوض.
والإثنين، استدعت السلطات الإيرانية سفراء أو القائمين بأعمال كل من ألمانيا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا في طهران، مبدية أسفها للدعم الذي عبرت عنه الدول المذكورة للمتظاهرين الإيرانيين، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان.
وقالت وزارة الخارجية الفرنسية لوكالة "فرانس برس": "نؤكد استدعاء السفراء الأوروبيين".
وأظهر مقطع فيديو دبلوماسيين يجلسون أمام شاشة عملاقة. وعرضت الخارجية الإيرانية أمامهم صوراً قالت إنها توثق أعمال عنف قام بها متظاهرون.
رسالة داخلية وخارجية
وتحاول طهران توجيه رسالة مزدوجة عبر هذه المسيرات إلى الداخل، بأن النظام ما زال قادراً على تعبئة الشارع في مواجهة خصومه.
وإلى الخارج، بأن أي سيناريو للتدخل أو الضغط العسكري والسياسي سيواجه بقاعدة شعبية تعتبر نفسها في حالة "حرب وجودية" دفاعاً عن الجمهورية الإسلامية، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث.
