احتاجت الإنسانية إلى مئات السنين، لصياغة قواعد مستقرة للقانون الدولي، في حين احتاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بضع دقائق فقط لنسف تلك القواعد، في الوقت الذي كان يقضم فيه أظافره بتلذذ وهو يتابع بشغف مشاهد حية لاختطاف رئيس فنزويلا، الدولة صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، وزوجته.
لم يعتنِ ترامب وفريقه معظم الوقت بانتحال أسباب جادة، لاختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، بل إنه لم يخفِ منذ البداية طمعه فيما قال أنه "استعادة" السيطرة على نفط فنزويلا الذي اكتشفته واستخرجته مبكراً شركات أميركية قبل أن تعلن كاراكاس تأميمه.
ترامب وغياب اللغة الدبلوماسية
حتى اللغة الدبلوماسية التي انتجها قاموس العلاقات والعداوات والمشاحنات الدولية، ما عاد ترامب يراها ضرورية، بل ربما رأى ان تجاهلها بات فرض عين عند كل أزمة، فالرجل يعلن بعد ساعات فقط من وصول مادورو مخفوراً إلى نيويورك، أن أميركا تضع بترول فنزويلا تحت يدها، وأنها أيضاً سوف تقوم بنفسها ببيع هذا البترول في السوق العالمية، وأنها ستدير عوائد بيع النفط الفنزويلي، فتحصل على حصة معتبرة منه، وسيقرر ترامب قدرها وأوجه الانفاق فيها، ويخصص حصة لفنزويلا يقدرها وحده، بشرط ألا تستورد فنزويلا احتياجاتها من الخارج إلا من الولايات المتحدة.
ترامب، لاينسى وهو في غمرة الاحتفال بانتصارات مجانية ضد فنزويلا، أن يعيد رسم خطوط العلاقة مع العالم، فيسمح لأساطيله باحتجاز واعتلاء ناقلة بترول رفعت علم روسيا طلباً للسلامة، لكن ترامب لم يبالِ بالعلم الروسي الذي اعتلى ناقلة نفط في المياه الدولية اعتبرت واشنطن أنها تقوم بتهريب نفط فنزويلي.
لم يأبه ترامب لصيحات من حذروه من غضب روسي محتمل، فالرجل قد سبر مياه بوتين في الأزمة، وعرف أنه لا موسكو ولا بكين يمكنهما التصعيد ضده في أزمة تتعلق بدولة تنتمي إلى عالم مونرو الذي رسم حدوده الرئيس الأميركي جيمس مونرو قبل قرابة مائتي عام.
أرباح ترامب من عملية (الحل النهائي)" operation absolute resolve" تبدو كبيرة ومتنوعة، فهي لا تقتصر على الإطاحة بخصم لدود لم يرَ ترامب بداً من اختطافه، وإنما أتاحت له أن يربح بالصمت عجز أكبر خصومه (روسيا والصين مثلاً).
مفارقة
لكن ثمة مفارقة يكشفها الإسم الحركي الذي اختاره فريق ترامب لعملية اختطاف مادورو وزوجته، التي نال عنها ترامب العلامة الكاملة، بأقل كلفة (زيرو خسائر) وبأعلى نتيجة، فالاسم الذي اختاره ترامب وفريقه للعملية هو (Operation Absolute Resolve) والتي ترجمها البعض بمسمى (عملية العزم المطلق) فيما رأى البعض الآخر أنها قد تستدعي معنى (الحل النهائي) وهو اسم سيّء السمعة إذ يستدعى من ذاكرة التاريخ معنى الحل النهائي عند هتلر (Die Endlösung).
السهولة التي جرت بها العملية بلا ثمن في اللازمن، أثارت مخاوف أقرب حلفاء الولايات المتحدة، وألد خصومها أو أعدائها أو منافسيها، فمرور العملية من دون أدنى ثمن، يغري ترامب وفريقه بارتكاب المزيد من الخطايا المجانية اللذيذة، وهناك في الجوار ضحايا محتملون، راح ترامب يلمح إلى إمكانية أن تشملهم عملياته، مشيراً بصفة خاصة الى كوبا، وكولومبيا، والمكسيك، بل إنه لم يتورع عن ضرب موعد لضم غرينلاند قبل نهاية فترته الرئاسية الحالية!..
بالروح العملية الأميركية، بدت إدارة ترامب معنية بالإطاحة بالرئيس الفنزويلي مادورو، من دون إسقاط نظامه، وهذا ما جرى بالفعل، حتى بدا الأمر وكأن اعتقال الرجل قد جرى لتسوية خصومة شخصية مع دونالد ترامب، انتهت بمجرد القبض عليه ونقله الى نيويورك.
الشعب الفنزويلي ليس طرفاً
الشعب الفنزويلي، لم يكن طرفاً في الخصومة على ما يبدو، بل أن الهدوء الذي صاحب عملية الاختطاف، وأعقبها، ربما أكد تلك القراءة للمشهد، الذي سرعان ما ملأته دلسي رودريغيز نائبة الرئيس التي أقسمت على احترام الدستور لدى تسلمها المنصب الرئاسي، بشروط ترامب المعلنة والمهينة، بعدما قيل أنها باعت مادورو بثمن بخس، بعد وساطة عربية بينها وبين إدارة ترامب.
سقوط مادورو في صمت ما كان يمكن أن يمر هكذا بدون صخب، لولا تعقيدات في المشهد الدولي، جعلت كلاً من موسكو وبكين عالقتين كل في شأن يستنزف طاقاته، ما أتاح حالة استفراد أميركي بصناعة المشهد العالمي وفق مرئيات دونالد ترامب وأولوياته، فالمشهد الدولي مرتبك، بين نظامين أحدهما أحادي القطب تسيطر عليه وتديره، الولايات المتحدة، سواء بالاشتباك معه أحياناً أو بالتحكم عن بعد بالريموت كنترول في أغلب الأحيان، أو متعدد الأقطاب، كلما أمكن لروسيا او للصين أن تقول لا خجولة حتى في شؤون الجوار القريب.
يحرص دونالد ترامب، في أغلب الأحيان على حصد مكاسب مجانية بدون كلفة حقيقية، مستفيداً من الأثر النفسي- الفوري احياناً- لمغامرات ينتقي منافسيه فيها بعناية فائقة، وأظنه يتربص الآن بمحيط فنزويلا، لتحقيق المزيد من المكاسب من دون كلفة حقيقية، فهو قد أحكم قبضته على خارطة عالم جيمس مونرو، وهو قد استثمر ضربة فنزويلا ضمن استعداداته لضربة ثقيلة ضد ايران يأمل أن تتيح له حرمان كلِ من موسكو وبكين من ظهير فائق الأهمية لكليهما، يعني سقوطه، رفع تكلفة الاستمرار في الصراع لأعوام مقبلة، وتأكيد حالة الاستفراد الأميركي بزعامة النظام الدولي لعقود اخرى مقبلة.
