حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي، كان اليمن دولتين مستقلتين ومعترفاً بهما دولياً: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، التي نالت استقلالها عن بريطانيا عام 1967، والجمهورية العربية اليمنية في الشمال، التي استقلت عن الحكم العثماني عام 1918.
في 22 مايو/ أيار 1990، أعلنت الدولتان وحدة اندماجية سريعة، جرت من دون استكمال متطلبات الدمج المؤسسي أو العسكري أو الاجتماعي. جمع الكيان الجديد دولتين ذات مسارين تاريخيين متناقضين: جنوب ذو تجربة اشتراكية علمانية ومؤسسات مركزية صارمة، وشمال قائم على تحالفات قبلية– عسكرية وبنية دينية محافظة. هذا التباين البنيوي، إضافة إلى اختلال ميزان القوة السياسية والديمغرافية، جعل الوحدة عرضة للاهتزاز منذ سنواتها الأولى.
ومع تصاعد الخلافات بين شريكي الحكم، اندلع صراع سياسي مفتوح رافقته سلسلة اغتيالات استهدفت قيادات في الحزب الاشتراكي اليمني، واتهامات باستخدام الدين والنفوذ العسكري لإقصاء الطرف الجنوبي. وبالرغم من محاولات احتواء الأزمة عبر "وثيقة العهد والاتفاق"، انزلقت البلاد إلى مواجهة عسكرية شاملة.
حرب 1994
اندلعت حرب صيف 1994، وانتهت بسيطرة القوات الشمالية على الجنوب، وأُعيد تعريف الوحدة عملياً باعتبارها علاقة "غالب ومغلوب". تبع ذلك تعديل الدستور وإحالة عشرات الآلاف من القادة والعسكريين الجنوبيين إلى التقاعد القسري (نحو 82 ألفاً و200 عسكري و68 ألف موظف مدني)، بينما وزّع الرئيس علي عبدالله صالح مساحات واسعة من الأراضي والحقول النفطية على أقاربه وشيوخ القبائل والقيادات العسكرية كمكافآت لدورهم في الحرب. أسهمت هذه السياسات في تعميق شعور المظلومية، الذي تحول مع الوقت إلى وعي سياسي جمعي، تغذيه الإقصاءات الاقتصادية ونهب الأراضي وغياب العدالة في السلطة والثروة، ومهد لظهور ما عُرف لاحقاً بـ"القضية الجنوبية".
الحراك الجنوبي: مطالب حقوقية
في عام 2007، خرجت القضية الجنوبية إلى العلن مع احتجاجات المتقاعدين العسكريين الجنوبيين، التي بدأت بمطالب حقوقية قبل أن تتوسع تدريجياً إلى حركة شعبية سلمية عُرفت بـ"الحراك الجنوبي". واجهت السلطات تلك الاحتجاجات بالقمع والاعتقالات، ما أدى إلى تصاعدها وتحول مطالبها من تصحيح مسار الوحدة إلى المطالبة بتقرير المصير أو استعادة الدولة الجنوبية.
ويرى المحلل السياسي خالد عبد الهادي أنه، وعلى الرغم من أن الحراك الجنوبي أرسى إرثاً تبناه المجلس الانتقالي لاحقاً، تمثّل في اشتراط حظر الانتماء الحزبي لمن يرغب في النشاط ضمن الحراك الجنوبي، وما رافق ذلك من إشاعة مناخ معادٍ للأحزاب السياسية، لكن النضال السلمي الذي قاده الحراك بين عامي 2007 و2011 نجح في إيصال القضية الجنوبية إلى مستوى سياسي متقدم خلال فترة زمنية وجيزة لم تتجاوز أربع سنوات، قبل أن يؤدي اندلاع الحرب والانقلاب الحوثي إلى تعطيل هذا المسار وإجهاض فرص تطوره.
القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني
أسهم النضال السياسي السلمي الذي قاده الحراك الجنوبي في نقل القضية الجنوبية إلى صدارة القضايا التي نوقشت في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي انعقد في صنعاء برعاية الأمم المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. ففي 25 كانون الثاني/يناير 2014 اختتم اليمنيون مؤتمراً استمر لأكثر من عشرة أشهر، شارك فيه ممثلون عن مختلف القوى السياسية والاجتماعية، وكرّس حيزاً واسعاً لمعالجة الأزمات البنيوية في البلاد، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.
وشكّل الحضور الجنوبي، الذي مثّل نحو نصف أعضاء المؤتمر، عاملاً حاسماً في إعادة تعريف القضية من كونها نزاعاً على السلطة إلى قضية شعب بحقوق سياسية واقتصادية وتاريخية. وقد أفضت النقاشات، التي شاركت فيها مختلف المكونات والفصائل الجنوبية والوطنية، إلى البحث في جذور المظالم الجنوبية واستيعاب الرؤى المتعددة حول سبل معالجتها ضمن إطار وطني جامع.
وبرعاية الرئيس اليمني آنذاك عبدربه منصور هادي، وبدعم أممي ودولي، توصل المؤتمر إلى وثيقة إجماع وطني حظيت بتأييد دولي واسع، تُوّج بصدور قرار مجلس الأمن رقم 2140، الذي نصّ على فرض عقوبات تحت الفصل السابع بحق معرقلي العملية السياسية. واعتبر مراقبون أن مخرجات الحوار، وفي مقدمتها مشروع الدولة المدنية الاتحادية، تمثل أفضل ما أنتجه العقل السياسي اليمني لمعالجة القضية الجنوبية ضمن صيغة تضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين شمالاً وجنوباً.
وفي ما يخص الجنوب، قدّم المؤتمر حزمة من الحلول والضمانات استجابت لثلاثة مطالب رئيسية: أولاً، معالجة اختلالات إدارة الوحدة بعد حرب 1994، عبر إعادة الجنوب إلى قلب الشراكة الوطنية بالمناصفة مع الشمال في سلطات الدولة العليا؛ ثانياً، إقرار نظام الأقاليم بما يضمن للمحافظات الجنوبية شراكة عادلة في السلطة والثروة بعد عقود من التهميش؛ وثالثاً، معالجة آثار الإقصاء والصراعات المتراكمة من خلال تبني مبدأي المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، ووضع أسس لبناء نظام مدني تعددي على المستويات المحلية والإقليمية والمركزية.
حرب الانقلاب
لم يجد مشروع الدولة الاتحادية طريقه للتنفيذ، ففي 21 سبتمبر/أيلول 2014 نفذت جماعة الحوثي، المدعومة من إيران وبالتحالف مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، انقلاباً عسكرياً أطاح بمؤسسات الدولة في صنعاء، ما أسقط عملياً العملية الانتقالية ودفن مشروع الدولة الاتحادية قبل أن يرى النور.
وفي 2015، دخل اليمن مرحلة حرب شاملة، كان للجنوب نصيب كبير من تداعياتها السياسية والعسكرية. بعد سيطرة الحوثيين وقوات صالح على صنعاء، امتدت المواجهات إلى عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، وتعرضت مواقع سيادية لضربات مباشرة، ما دفع الرئيس عبدربه منصور هادي لطلب تدخل سعودي، فأطلقت الرياض في 26 مارس/آذار 2015 عملية "عاصفة الحزم" على رأس تحالف عربي لوقف تمدد الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة.
بالتوازي، تشكلت قوات المقاومة الجنوبية، وخاضت معارك عنيفة، ونجحت بدعم التحالف العربي في تحقيق انتصار استراتيجي بطرد قوات الحوثي وصالح من عدن وبقية المحافظات الجنوبية.
انفتاح سياسي
بعد استعادة المحافظات الجنوبية في 2015، انفتح الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي على المكونات الجنوبية، بما في ذلك القوى التي كانت متحفظة على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني. سعى إلى إدماجها في العملية السياسية، ومنح قيادات جنوبية مواقع في الحكومة، وكلفها بإدارة العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات الأخرى، في محاولة لترجمة مشروع الدولة اليمنية الاتحادية عملياً، انطلاقاً من الجنوب وصولاً إلى تحرير صنعاء.
منعطف جنوبي
لم يسِر المسار كما كانت تطمح الحكومة اليمنية، فمع نهاية 2016 بدأت الخلافات بين الحكومة الشرعية اليمنية مع إحدى دول التحالف العربي وهي الإمارات. بينما ركزت السعودية على الحفاظ على وحدة اليمن وبناء الدولة المركزية، اتجهت أبوظبي لمسار موازٍ أسّس لنفوذ سياسي وأمني واقتصادي مستقل في الجنوب، تجسّد لاحقاً بدعم تشكيلات خارج إطار الدولة وصولاً إلى المجلس الانتقالي الجنوبي ومشروع انفصال فعلي على الأرض.
في تلك المرحلة، غضّت الرياض الطرف وركزت على المعركة ضد الحوثيين في الشمال، تاركةً للإمارات الدور الرئيسي في إدارة الملفين العسكري والأمني في الجنوب، مع اعتبارها النزعة الانفصالية تهديداً ثانوياً يمكن احتواؤه لاحقاً.
بدأ هذا التقدير بالتغير مع تأسيس المجلس الانتقالي في 11 مايو/أيار 2017 بدعم إماراتي، ليظهر ككيان هجين يجمع بين الخطاب السياسي والبنية الأمنية المسلحة، ويصبح أداة رئيسية لنفوذ الإمارات في الجنوب. حاولت السعودية احتواء التطور عبر إدماج بعض القيادات الجنوبية في مؤسسات الدولة، إلا أن سيطرة المجلس على عدن في أغسطس/آب 2019 وطرد الحكومة الشرعية شكّل نقطة تحول حاسمة، كاشفاً حدود سياسة الاستيعاب وأجبر الرياض على التدخل المباشر.
قاد هذا التدخل إلى توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، بهدف دمج قوات المجلس في وزارتي الدفاع والداخلية، وإشراكه سياسياً ضمن الحكومة، لتفكيك البنية العسكرية الموازية ومنع الانقسام. غير أن الاتفاق تعثر منذ بدايته، مع استمرار سيطرة المجلس على الأرض بدعم إماراتي، وامتناعه عن تنفيذ الشقين العسكري والأمني، ودخوله مواجهات مسلحة في محافظة أبين، إلى جانب إحكام السيطرة على جزيرة سقطرى، فيما فشلت محاولات سعودية لاحقة لتسريع التنفيذ على الأرض.
تعثر
كشف إخفاق تنفيذ اتفاق الرياض أن المجلس الانتقالي الجنوبي عمل أكثر كأداة أمنية للإمارات من كونه ممثلاً حقيقياً للتنوع السياسي الجنوبي، مركّزاً على ضبط المشهد وقمع الخصوم بدل بلورة مشروع سياسي جامع. وتحوّل الدور الإماراتي في اليمن من شريك ضمن التحالف العربي إلى فاعل إقليمي ذو نفوذ مستقل، اعتمد على تشكيلات عسكرية وأمنية خارج الدولة مثل الحزام الأمني والنخب وقوات المقاومة الوطنية، وبسط سيطرته على موانئ وجزر استراتيجية من باب المندب إلى سقطرى، مع دعم المجلس الانتقالي كواجهة سياسية وربط مناطق نفوذه بمصالح اقتصادية مباشرة. لكن المشروع واجه تحديات أبرزها التناقض مع الرؤية السعودية والضغوط الدولية، إضافة إلى الفراغات الأمنية التي استغلتها جماعات متطرفة، ما دفع الإمارات لتقليص حضورها العسكري المباشر مع الاحتفاظ بأدوات النفوذ غير المباشر.
خلاف معلن
تحوّل التباين السعودي– الإماراتي حول الجنوب من خلاف مكتوم إلى صراع علني في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما أطلق المجلس الانتقالي عملية «المستقبل الواعد» وسيطر على حضرموت والمهرة، ما شكّل تحدياً مباشراً للحكومة الشرعية وللسعودية، التي ردّت في يناير/كانون الثاني 2026 بغارات جوية على شحنة أسلحة إماراتية في طريقها إلى المكلا، لتعلن أبوظبي بعدها بساعات سحب قواتها المتبقية، مكشوفة هشاشة المشروع الانتقالي.
ميدانياً، شهدت المحافظات الجنوبية والشرقية تحركات عسكرية متسارعة، إذ حاول الانتقالي توسيع نفوذه، قبل أن تستعيد قوات حكومية موالية للرياض، أبرزها تشكيلات «درع الوطن»، مواقع استراتيجية بدعم جوي من التحالف العربي.
وفي 7 يناير/كانون الثاني 2026، صوّت مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي على إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وإحالته للنيابة العامة بتهمة «الخيانة العظمى»، مع إعفاء وزيرين محسوبين على الانتقالي. وأُعلن لاحقاً تهريبه إلى الإمارات بعد رفضه تلبية دعوة سعودية للحضور إلى الرياض.
في عدن، فرضت قوات «العمالقة» سيطرتها على مواقع حيوية، بينها القصر الرئاسي والمقار الحكومية، فيما استعاد القوات الحكومية السيطرة على عدن والضالع، مع تثبيت «درع الوطن» سيطرتها على حضرموت والمهرة، وسط ترحيب محافظات أبين وشبوة ولحج.
القضية الجنوبية في مؤتمر الرياض
بالتزامن مع التحولات الأخيرة، طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي من السعودية رعاية مؤتمر حوار جنوبي–جنوبي لمناقشة مسار القضية الجنوبية، فاستجابت الرياض وأطلقت دعوة لمؤتمر موسّع في العاصمة السعودية يضم مختلف المكونات السياسية والاجتماعية الجنوبية. ويهدف المؤتمر إلى تجاوز شعارات “وحدة الصف” نحو إعادة ترتيب سياسي ينهي مشروع الانفصال ويعيد صياغة القضية الجنوبية ضمن إطار الدولة اليمنية الموحدة.
وقد أسفرت اللقاءات التمهيدية التي رعتها السعودية عن إعلان هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ المجلس وإغلاق مكاتبه، مبرّرة القرار بعدم تحقق أهدافه وبالرغبة في تهيئة الأجواء لحوار جنوبي جامع. واعتبرت الرياض هذه الخطوة مدخلاً لمسار سياسي جاد يحظى بدعم دولي، مؤكدة التزامها برعاية مخرجات المؤتمر ودمجها في الحل السياسي الشامل في اليمن.
تغيير قواعد اللعبة
يرى المحلل الاستراتيجي محمد علي المقرعي، في حديثه، لـ"المدن" أن إعادة دمج القوة الميدانية للمجلس الانتقالي وإعلان حلّه مكّن الرياض من تغيير قواعد اللعبة والقيام بخطوة حاسمة من خطوات إجهاض مشروع الانفصال. ويضيف: ويشكّل مؤتمر “الحوار الجنوبي–الجنوبي” الذي يعد الخطوة الأخيرة من خطوات إجهاض مشروع الإنفصال، فرصة لتجاوز صدمة الأحداث الأخيرة والانتقال إلى فضاء التفاوض، بما يختبر إرادة السلام وقدرة الأطراف على إدارة المصالح المتضاربة.
وبحسب المقرعي أيضاً أن حل المجلس يمنح السعودية نفوذاً واسعاً لتوجيه مخرجات المؤتمر، دون فرض رؤية واحدة، ما قد يحوّل الحوار إلى إعادة هيكلة القضية الجنوبية ضمن الدولة اليمنية الموحدة.
فيما أكد مصدر حكومي بالرياض، لـ "المدن" أن مؤتمر الرياض المرتقب سيخرج بكيان سياسي جنوبي جامع يمثل كافة الشخصيات والمكونات الجنوبية، ليكون الحامل السياسي للقضية الجنوبية العادلة. ويُرجّح أن يميل إلى خيار الدولة الاتحادية الفيدرالية لضمان توزيع عادل للسلطة والثروة وفق مخرجات الحوار الوطني لعام 2014. وأكد أن مشروع الإنفصال انتهى بانتهاء دور المتطرفين السياسيين المدعومين إماراتياً.
انكسار
يرى المحلل السياسي خالد عبدالهادي أن الاعتماد على التمويل الخارجي والأجندات الإقليمية حول القضية الجنوبية إلى ورقة صراع بالوكالة، وعطل الحياة السياسية في الجنوب. ويعتبر عبد الهادي أن انتهاء قبضة الانتقالي يشكل فرصة لإعادة القضية إلى مسارها السياسي السلمي، عبر العودة لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني 2014 كإطار عادل للدولة الاتحادية، وتنفيذ اتفاق الرياض بالكامل، واستعادة التعددية السياسية، والاعتراف بالتنوع الجنوبي، مع توجيه الأولويات نحو مواجهة المشروع الحوثي الإيراني التوسعي.
ويضيف الناشط السياسي عبدالملك عزيز في حديثه، لـ "المدن" أن انهيار المشروع الانتقالي لم يكن مجرد هزيمة عسكرية، بل إفلاساً لرؤية اختزلت القضية في قبضة أمنية وتمويل خارجي، مؤكداً أن الحلول السياسية الجاهزة، مخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق الرياض، كانت متاحة ولكن تعثّر تنفيذها بفعل إرادة أطراف محلية وإقليمية أعاقت إنهاء الصراع.
