في مشهد يتجاوز حدود حيين سكنيين، باتت معركة الشيخ مقصود والأشرفية شمالي حلب علامة فارقة في مسار الصراع السوري الداخلي، لا سيما في العلاقة بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
لم تعد الحادثة مجرد اشتباك موضعي، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي لاتفاقات سابقة، ولنوايا الأطراف المحلية والدولية على حد سواء.
وما يجري اليوم في حلب يُراقب بدقة من الجزيرة السورية، حيث تترقب "قسد" ودمشق نتائج هذه المواجهة استعداداً لما بعد حلب.
الحيّان اللذان يطلان على شريان اقتصادي حيوي يتمثل بطريق الكاستيلو ومنطقة الليرمون الصناعية، كانا تحت سيطرة "قسد" منذ سنوات الصراع على مدار 14 عاماً في سوريا، ليشكّلا نقطة احتكاك دائمة مع الدولة السورية.
التصعيد الأخير، الذي بدأت دمشق بتسويغه بـِ "الحفاظ على الأمن ومنع النشاطات المسلحة"، أدى إلى خسارة "قسد" لهذين الحيين، بعد عمليات عسكرية محدودة لكنها دقيقة، رافقتها ممرات إنسانية لخروج المدنيين.
انهيار "قسد"؟
يرى محللون أن خسارة "قسد" للشيخ مقصود والأشرفية لا تعني بالضرورة انهيارها العسكري أو السياسي في مناطق سيطرتها الباقية شرق الفرات، فقواتها ما زالت تمتلك بنية تنظيمية وعسكرية قوية، ومدعومة أميركياً في مناطق النفط والغاز.
وقال الحقوقي والسياسي الكردي خالد جبر، المقيم في مدينة القامشلي لـِ "المدن": "من منظور موضوعي، الجواب هو لا، لأن خسارة مواقع محددة مهما كانت رمزيتها، لا تعني بالضرورة انهيار بنية عسكرية أو سياسية بحجم قسد. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن ما جرى في حلب أحدث خلخلة جوهرية في مناطق سيطرة قسد الأخرى".
وفي رد على سؤال: هل ينعكس ذلك على وضع الأكراد في سوريا؟ أجاب: "ما جرى في حلب يسلّط الضوء على هشاشة بعض الترتيبات المحلية، لكنه لا يلغي حقيقة أن القضية الكردية أصبحت جزءاً ثابتاً من النقاش حول مستقبل سوريا، ولكنّ التأثير الأساسي سيكون سياسياً ومعنوياً، ويتوقف على كيفية إدارة المرحلة المقبلة، لا على الحدث بحد ذاته".
الأهم من ذلك، وفق جبر، أن هذه الخسارة قد تُضعف موقف "قسد" التفاوضي بشأن مستقبلها في إطار اتفاق 10 آذار/ مارس، الذي نص على دمج 60 ألف مقاتل ضمن الجيش السوري، مقابل تسليم الموارد النفطية للدولة السورية، فتعثّر هذا الاتفاق، خصوصاً في بند الدمج، دفع دمشق إلى استخدام القوة المحسوبة لإعادة فرض المعادلة.
وأضاف: "تبدو دمشق متمسكة بسياسة النفس الطويل؛ أي تحقيق مكاسب تدريجية، من دون الانجرار إلى مواجهات شاملة، وهذه المقاربة تعتمد على استنزاف الخصم سياسيًا، وخلق وقائع تفاوضية جديدة". ورأى أن السيناريوهات المتوقعة تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بضبط إيقاع الصراع بدلاً من توسيعه.
خيارات الطرفين السياسية
ووفق خبراء، فإن الحكومة السورية تملك الآن ورقة قوية؛ إذ أثبتت قدرتها على إدارة التصعيد بدون الانجرار إلى حرب شاملة، وأظهرت أنها لن تسمح بوجود "كيانات موازية"، وبالتالي فإن خيارها السياسي واضح (دمج قسد) ضمن مؤسسات الدولة أو تفكيكها عبر الضغط الميداني.
ورجّح شكري شيخاني، عضو المجلس العام لـِ "مسد"، في حديثه لـِ "المدن"، أن يكون هناك مجلس محلي مدني يقوم بإدارة شؤون حيي الشيخ مقصود وخروج قوات الأسايش والأمن العام التابع للحكومة الانتقالية، وذلك وفق التوافق الذي تم في عمان بين المبعوث الأميركي توم باراك ووزير الخارجية الاردنية أيمن الصفدي، وفق رأيه.
وأعرب عن اعتقاده بأن المعركة خارج حلب لن تتوسع إذا ما تم حسم الأمور سلمياً داخل المنطقة.
وأكد أن خيارات الطرفين "سياسياً" هي الالتفات الجدي الى تطبيق بنود 10 آذار، واصفاً الاتفاق بأنه "طوق النجاة لكل سوريا".
وبيّن أن "قسد غير موجودة في الشيخ مقصود والأشرفية، وإنما الموجود فقط هي قوات الأسايش، وذلك حسب الاتفاق الذي تم توقيعه في نيسان/ أبريل الماضي والذي تم بموجبه سحب قوات قسد"، وقال: "هذا لا يعني أي تبدل بالنسبة لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية عسكرياً أو أن يكون انهياراً لقسد".
ما بعد الشيخ مقصود والأشرفية ليس كما قبله
تراقب الجزيرة السورية الرسالة التي أوصلها هجوم حلب بحذر، وهي تدرك أن مستقبلها مرتبط بما ستسفر عنه مواجهة حلب، ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً واستراتيجياً.
وأوضح الباحث في مركز الحوار للدراسات، محمد سالم، في حديثه لـِ "المدن"، أن ما جرى شكّل اختباراً ميدانياً تراقبه الجزيرة السورية عن كثب، بانتظار ما ستؤول إليه نتائج المواجهة بين "قسد" ودمشق.
ورأى أن "خسارة حيين في حلب لا تعني انهيار قسد بالضرورة، لكنها كشفت بوضوح محدودية قدرتها على القتال من دون غطاء أميركي، وغياب الجدوى العسكرية من الاستمرار في المواجهة".
واعتبر أن التوسع العسكري الواسع خارج حلب غير مرجّح حالياً، لكن المرجّح هو انتقال الصراع إلى مسار تدريجي، يقوم على محاولة دمشق رفع أو تخفيف الغطاء الأميركي عن مناطق استراتيجية، وبدء سياسة قضم تدريجي، خصوصًا في مناطق مثل دير الزور وحقول النفط.
ولفت سالم إلى أن خيارات "قسد" تضيق بين إعادة التموضع أو القبول بتسويات جزئية، بينما تسعى دمشق لاستثمار التفوق الميداني سياسياً، مع تجنّب مواجهة مباشرة مع واشنطن.
