بعد الغارة الأميركية التي انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشير مراراً إلى رؤية استراتيجية أوسع. ففي خطاباته العلنية ومقابلاته وتصريحاته على منصته الاعلامية، ربط الرئيس ترامب ما حدث في فنزويلا بمجموعة أهداف أكبر تتعلق بأمن الموارد، والوصول إلى القطب الشمالي، وإعادة تثبيت سيادة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي. مع التركيز على غرينلاند بشكل أساسي.
وغرينلاند هي إقليم شبه مستقل داخل مملكة الدنمارك، وتتمتع بنظام حكم ذاتي واسع النطاق تم إقراره عام 2009، بموجب دستور الدنمارك وقانون الحكم الذاتي.
الركائز الأساسية لمبدأ ترامب
في إطار بلورة رؤية شاملة للسياسة الخارجية، تتكامل هذه الركائز لتشكل الأساس العملي والفكري لما بات يُعرف بمبدأ ترامب.
- أمن مرتكز على الموارد: يتعامل الرئيس ترامب مع النفط الفنزويلي والثروات المعدنية في غرينلاند بوصفها أصولاً استراتيجية ينبغي للولايات المتحدة إحكام السيطرة عليها، أو على الأقل ضمان وصول غير مقيد إليها. فبعد العملية التي جرت في فنزويلا وإلقاء القبض على مادورو، أعلن ترامب أن شركات النفط الأميركية ستباشر جني الأرباح لصالح الولايات المتحدة، فيما ركزت تصريحاته المتكررة حول غرينلاند على ثرواتها المعدنية ودورها في معادلات الأمن الدولي.
- الهيمنة على القطب الشمالي: يمنح الموقع الجغرافي لغرينلاند، القريب من القطب الشمالي، الولايات المتحدة نقطة ارتكاز متقدمة يعتبرها ترامب ضرورية لأهداف أمنية. وقد رفض استبعاد خيار اللجوء إلى القوة للسيطرة على غرينلاند إلى الآن ويصرّ على شرائها، معتبراً أن الجزيرة تمثل عنصراً أساسياً في أمن الولايات المتحدة.
- صيغة محدثة لدرع نصف كروي: يرى مراقبون أن هذه العقيدة تعيد إحياء مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر، ولكن مع إضافة العصا الغليظة المستوحاة من نهج فرانكلين روزفلت. وتقوم الفكرة على استعداد الولايات المتحدة للتدخل عسكرياً عند الضرورة، لمنع القوى المنافسة، ولا سيما الصين وروسيا، من ترسيخ موطئ قدم لها في الأميركتين أو في القطب الشمالي.
- نفوذ دبلوماسي مدعوم بالقوة: يربط خطاب الرئيس ترامب بين الضغط الدبلوماسي والتهديد الواضح باتخاذ إجراءات أو شن عمليات ضد أي دولة ترفض المطالب الأميركية. فبعد العملية الفنزويلية، ألمح إلى خطوات محتملة ضد كولومبيا وكوبا وحتى المكسيك، مع إصراره المتواصل على مطلبه المتعلق بغرينلاند.
قومية اقتصادية بروح أميركا أولاً: تنطلق عقيدة الرئيس ترامب من مقاربة تعتبر الموارد الأجنبية فرصاً مباشرة أمام الشركات الأميركية. ومن خلال إسقاط حكومة مادورو، أوحى ترامب بأن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا وتوجيه عائدات النفط بما يخدم المصالح الأميركية، في انسجام واضح مع الرؤية الاقتصادية الأشمل التي يختزلها شعار أميركا أولاً.
كيف يظهر هذا المبدأ في التطبيق؟
في إطار الانتقال من التنظير إلى الممارسة، برزت معالم هذا المبدأ بوضوح في السياسات والخطوات العملية التي اتخذتها إدارة ترامب على الأرض.
أولاً، تعيين مبعوث خاص لغرينلاند. في أواخر عام 2025، قامت إدارة ترامب بتكليف مبعوث خاص بمهمة التفاوض على شراء غرينلاند، أو ممارسة الضغوط على الدنمارك من أجل توسيع نطاق وصول الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار غضب كوبنهاغن وعزز الانطباع بأن غرينلاند أصبحت هدفاً مباشراً ضمن أجندة السياسة الأميركية.
ثانياً، النهج العسكري. كشفت العملية التي نُفذت في فنزويلا عن استعداد الولايات المتحدة لتنفيذ ضربات سريعة وواسعة التأثير بهدف إزاحة أي زعيم ينظر إليه بوصفه معادياً. وينطبق هذا المنطق ذاته على غرينلاند، إذ شدد ترامب على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى الجزيرة، وأن خيار اللجوء إلى العمل العسكري لا يمكن استبعاده إذا تعثر التوصل إلى اتفاق لشرائها من قبل واشنطن.
ثالثاً، الخطاب والرسائل العلنية. وظّف الرئيس ترامب المقابلات التلفزيونية، ولا سيما عبر شبكة "إن بي سي" في أيار/مايو 2025، إضافة إلى منصاته على وسائل التواصل الاجتماعي، لتكرار عبارة "نحن بحاجة إلى غرينلاند"، معتبراً القضية مسألة أمن قومي أميركي، مع التأكيد على ضرورة بسط النفوذ الأميركي عليها.
الآثار المحتملة على النظام الدولي
في ضوء هذا التحول في المقاربة الأميركية، تبرز تداعيات محتملة قد تتجاوز الإطار الإقليمي لتطال بنية النظام الدولي وتوازناته القائمة.
أولاً، تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا: رفضت القيادتان الدنماركية والغرينلاندية بشكل قاطع فكرة الضم، ووصفتاها بأنها ضرب من الخيال، مع التشديد على أن الدنمارك تتمتع بغطاء أمني يوفره حلف شمال الأطلسي!!! ومن شأن استمرار الضغوط الأميركية أن يفاقم التوتر عبر الأطلسي، ولا سيما إذا اختارت واشنطن انتهاج سياسة أكثر تشدداً وحزماً.
ثانياً، احتدام التنافس في القطب الشمالي: تسعى الصين وروسيا إلى تعزيز حضورهما في منطقة القطب الشمالي، وقد تؤدي مطالبة واشنطن بغرينلاند إلى رفع وتيرة السباق الاستراتيجي هناك، بما يدفع الدولتين إلى تطوير قدراتهما للعمل في البيئة الجليدة.
ثالثاً، تفاعلات أميركا اللاتينية: قد تسهم الغارة على فنزويلا، مقرونة بالتهديدات الموجهة إلى كولومبيا وكوبا والمكسيك، في تغذية المشاعر المناهضة للولايات المتحدة داخل أميركا اللاتينية، وربما تدفع عدداً من دول المنطقة إلى توثيق علاقاتها مع الصين أو روسيا، تحسباً لما تعتبره سلوكاً أميركياً عدائياً، وان كان ذلك الامر شبه مستبعد.
رابعاً، التحديات القانونية والمعيارية: يكفل القانون الدولي وحدة أراضي الدنمارك، وبالتالي غرينلاند، وأي محاولة للاستحواذ عليها بالقوة ستواجه إدانة على المستوى الأممي، وقد تفضي إلى عقوبات أو إلى إجراءات جماعية في إطار الأمن الدولي، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة وأحكامه ذات الصلة.
استراتيجية نصف كروية جديدة
يمكن النظر إلى مبدأ ترامب كاستراتيجية أمنية نصف كروية مدفوعة بالسيطرة على الموارد، تجمع بين جوهر مبدأ مونرو في إبعاد القوى الخارجية عن الأميركتين، والتركيز المعاصر على القطب الشمالي والسيطرة المباشرة على الأراضي الاستراتيجية. ويتميز بما يلي:
- الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية أو التهديد بها لتأمين النفط والمعادن والقواعد الحيوية.
- رؤية اقتصادية تضع أميركا أولا وتعمل على تحويل عائدات الموارد الأجنبية إلى الشركات الأميركية.
- أسلوب تواصل عام يكرر باستمرار الطموحات الإقليمية مثل غرينلاند لإظهار الحزم وحشد التأييد الداخلي.
وعلى الرغم من أن النتائج العملية لهذا المبدأ لا تزال غير محسومة، خصوصاً مع رفض الدنمارك والاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو" لأي ضم لغرينلاند، فإن الخطاب ذاته يعيد تشكيل الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها وخصومها على حد سواء، سواءً في القطب الشمالي أو في أميركا اللاتينية.
